أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حرب تموز : عِبر لا تنتهي

الخميس 21 تموز , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,002 زائر

حرب تموز : عِبر لا تنتهي

لا بل مع مرور كل سـنة جديدة على ذكرى تلك لحرب يستطيع المراقب أن يتابع تجذّر مفاعيلها يوماً بعد يوم وسنة بعد سـنة ولا زالت القواعد التي أفرزتها تزداد رسوخاً والمعادلات التي أنتجتها هي التي تحكم الصراع لزمن طويل قادم. 
وبما أن حزب الله هو المعني الأول بهذه الحرب وعِبَرَها وذلك بالشراكة مع عدوه إسرائيل فإن كل القوى الدولية والإقليمية التي تتشارك مصالحها على الجغرافيا السياسية لمنطقتنا لا زالت حتى هذه اللحظة تستخلص الدروس وتلتزم بالمعادلات وترسم صورة صراع المستقبل بناء على ما أفرزته هذه الحرب من وقائع .
أما حزب الله وهو العنصر الأصغر حجماً والأكبر فعلاً بين كل المعنيين فقد شكلت هذه الحرب زلزالاً إيجابياً على شخصية هذا الحزب ودوره وحجمه وبنيته وعلاقاته في داخل لبنان وخارجه إضافة إلى التغيير الأهم وهو حجم الحزب في معادلة الصراع وانتقاله من لاعب محلي إلى لاعب إقليمي يمتلك دوراً في رسم معادلات الصراع على مستوى المنطقة وعنصراً مقرراً في مصيرها مع الآخرين.
ومن الطبيعي أن يكون حزب الله بحكم طبيعته التكوينية وأسلوب عمله الذي راكمه بشكل تصاعدي خلال سنين الصراع أن يكون أول المسارعين إلى قراءة الصمود المذهل الذي أفرزته هذه الحرب على مسؤولية الحزب اتجاه المستقبل والعبء الثقيل الذي ألقته عليه ليصنع معادلةً تؤكد أنه جزء من وطن صغير ولكنه مطلٌ من خلاله على دور ٍ بحجم أمنيات أمة .
1 ـ أمَّا الزلزال الأول فهو على بنية هذا الحزب والذي بدأ منظمة غوّارية تدرجت في مسلكيتها المقاومة مع تدرج المقاومة وانجازاتها وهوامش حركتها من مواجهة عام 1993 إلى مواجهة عام 1996 وصولاً إلى التحرير عام 2000 الذي شكّل نوعية ً اًُعيد فيها موضعة قواعد الصراع مع العدو وتطوير الأسلوب لكي يتناغم مع الشكل الجديد الذي اتخذته الجغرافيا سواء في مزارع شبعا وصولاً إلى الحدود الدولية . ومع أهمية الانتقال والتكيف الذي مارسه الحزب في المرحلة ما بين عامي 2000 و 2006 وهي المرحلة التي لم يتوقف فيها هذا الحزب ليلة واحدة عن الاستعداد لحتمية الحرب القادمة ، فإن البعد النوعي الزلزالي على بنية الحزب أتى حصراً مع حرب تموز ونتائجها وهي التي فرضت مشهداً جديداً للصراع وصورة جديدة لمستقبله ودخولاً لعناصر مستجدة عليه ليس اقلها الشراكة الثقيلة للقرار 1701 والهزة البركانية التي أصابت كيان العدو ما بعد حرب تموز وتالياً الدور الهائل الذي تبدّى لهذا الحزب والذي خرج من ركام الحرب وغبارها، كل هذه العوامل إضافة إلى الكثير غيرها أنتجت تغييراً هائلاً وموضوعياً في بنية الحزب وجسمه التنظيمي والعسكري بما يتلاءم مع دوره المستجد سواء على صعيد الوطن أو على صعيد الأمة ومعادلة الصراع .
فالحزب الذي خاض حرب تموز "بعدة ألوف" وكانت حرب الصمود فالانتصار أدرك مع اللحظة الأخيرة لهذه الحرب. إن الحرب القادمة هي "حرب العديد" ومع هذه القاعدة الجديدة بدأ التحول البنيوي يأخذ مداه منسحبا على كافة المستويات وأُعيدت عملية بناء شاملة أخذت في حسابها شكل الصراع الجديد وتحولت المنظمة الغوارية إلى هجين معقد وخلاّق يحافظ على الأصل التكويني مع جرعة كبيرة من الشكل النظامي للجيوش، هذا المزاج الذي يراعي في تركيبه نتائج الحرب وعِبرها والشكل الجديد لمسرح المواجهة والعبر التي أخذها الحزب إضافة إلى الموقع الحتمي للجغرافيا السورية في الحرب القادمة .
2 ـ أما الزلزال الثاني فهو دور الحزب الكبير في الوطن الصغير وعملية الملاءمة المعقدة بين رغبة الحزب بالانضباط داخل مشروع وطني داخلي تشكل المقاومة والدفاع عن لبنان إحدى دوافعه وبين تصادم هذا الانضباط مع المعيار العام الذي يعتمده خصوم حزب الله في الداخل وشركاءه في الوطن في تقييم هذه الرغبة .
3 ـ إن هذا الانتقال الهائل والسريع في حجم الحزب ودوره ومسؤولياته التي فرضتها نتائج حرب تموز جعلت الحزب ومكوناته المؤسسية والبشرية أمام امتحان خطير عنوانه التحدي بين العنوان القيمي الأخلاقي الذي قدمه الحزب مع انطلاقته و راكمه وجذّره خلال مسيرته المقاومة وأضحى بعد ذلك وعياً لدى الجماهير المباشرة وجماهير الطائفة الشيعية وجمهوره الوطني فالعربي فالإسلامي وبين العنوان الدنيوي الذي فتح مكونات الحزب على تماسٍ مع كثير من مغريات الدنيا الذين هم أصلاً جزء منها ومن الخطأ أن ننظر إليهم غير ذلك ولكن الأكيد أن وعينا راكم مع طول هذه المسيرة وإنجازاتها أن المسؤولية الأخلاقية والدينية والدنيوية التي بذلها مُضَحَّوا هذه المسيرة بشهدائهم وأحياءهم تجعلهم في رؤيتنا وفي وعينا وفي نظرتنا أعلى رتبةً وأكثر شموخاً وأكثر صموداً وجسارة في الثبات أمام الشدائد والمغريات .
ولكل هذه الأسباب بتنا نتوقع منهم أن يكونوا أكثر ثباتاً أمام امتحانات الدنيا التي لا تنتهي خاصة وأن أعداءهم يكثرون كل ثانية وكل دقيقة وكل ساعة ويوم من ابتكار الامتحان تلو الامتحان ورهانهم هو إسقاطهم سبيلاً إلى النيل من وعينا المتراكم بتضحيات المقاومين وذلك بعد أن فشلت قدرات كل أسلحة الأرض في النيل منه .
4 ـ في البعد الاستراتيجي : أدرك حزب الله وهو الذي يملك أهم مفردات التمايز في تاريخ الصراع أي "استشعاره الإسرائيلي العالي" أن الصدع البنيوي الذي أحدثته حرب تموز في الكيان الإسرائيلي قد أحدث شرخاً وجودياً في بنية الكيان كما في عقول الذين أسسوه ورعوه ويتولون قيادته . وبناء على هذا التقييم انطلق الحزب في مرحلة ما بعد الحرب يراكم جهداً عرقه من نوع جديد اختلط فيه تطور التكنولوجيا مع تطور السلاح مع تطور وتكثيف الإنسان ونوعية إعداده واستعداده وليتلاءم كل هذا الاستعداد مع شكل جديد لمسرح القتال والعناصر المشاركة فيه بما يتجاوز الجغرافيا اللبنانية وقد أتت القمة الثلاثية في دمشق في شباط 2010 بين الرئيس بشار الأسد والرئيس أحمدي نجاد والسيد حسن نصر الله تعبيراً مشهدياً عن الطبيعة القادمة للصراع وموقع الحزب فيها والمدى الوجودي الذي قد تذهب إليه .
5 ـ في البعد العربي الإسلامي : لقد أتت هذه الحرب لتطيح بكل الأبعاد المذهبية والطائفية التي كانت تضغط وتوظف في سبيلها المليارات لتشرنق الحزب داخل هذا البعد ، لا بل أن حرب تموز أدّت مفعولاً عكسياً بين تعليق دول الإعتدال العربي مع لحظة انطلاقها وما أظهرته وثائق "ويكيليكس" فيما بعد وبين النهاية الصاخبة مع إطلالة الرئيس بشار الأسد في خطاب 15 آب 2006 عن "أنصاف الرجال" وخطاب الانتصار للسيد حسن نصر الله في 22 أيلول 2006 هذه اللحظة بقي الإسرائيليون طوال ثلاث وثلاثون يوماً يخافون تجسّدها بأن يخرج السيد نصر الله من تحت الركام ليعلن الانتصار على إسرائيل ، لا بل أن هذه الحرب ومفاعيلها جعلته "عمامة المقاومة" تتمدد على مساحة العالم الإسلامي من المندب إلى اندونيسيا .
6 ـ في التعاطي الأميركي مع الحزب : لقد سارعت كونداليزا رايس وفي لحظة تاريخية لكي تعلن أن "الشرق الأوسط الجديد" سيولد من رحم حرب تموز وهذا يُظهر كما أن هذه الحرب شكلت رهاناً استراتيجياً لإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية لكل منطقة الشرق الأوسط من وجهة نظر أميركية وكم أن حزب الله يُشكل عقبة أمام هذا المشروع وقد جاءت مفاعيل النصر لتُجذر هذه العقبة في وجه الأميركيين ولتعيد موضعة حزب الله على رأس الأولويات الأميركية في شرقي المتوسط  وقد أتى تاريخ 15 يناير 2011 وانطلاق ما يٌسـمى بالثورات العربية فرصة للولايات المتحدة لم تتأخر في استثمارها لحظة واحدة وذلك لحرفها عن أهدافها التغييرية الداخلية واستخدامها للنيل من المشروع الاستراتيجي الذي ما فتئ يقف بوجهها بشكل ثابت وصلب وبشكل خاص بعد قواعد الصراع التي أتبعها غزو العراق في آذار 2003 .
وقد أخذ الاستهداف الأميركي للحزب سلسلة من الأبعاد المستجدة أهمها:
أ ـ استخدام الأحداث الجارية في سورية منذ 15 آذار 2011 لضرب الإنجاز الأكبر الذي حققته حرب تموز وهو إعادة رسم مسرح الصراع تحضيراً للمواجهة القادمة إلى درجة أن وزير الجبهة الداخلية الإسرائيلي الجنرال متان فلنائي قال في تصريح أدلى به خلال أيام وليالي مناورة "نقطة تحول 5 " أن صدور الأمر من بشار الأسد وحسن نصر الله سيجعل الصلية الأولى من صواريخ الحرب القادمة تضرب كل منشآت البنية التحتية لإسرائيل .
ب ـ اغتيال أسامة بن لادن في توقيت عربي مشبوه وفي توقيت تركي أكثر شبهة وذلك كمقدمة لإنتاج العقيدة التجسيدية للجنرال باتريوس والتي تقول بقتال العدو بأسلوبه وأدواته ودون الحاجة إلى الجيوش والتي تضع حزب الله والسيد حسن نصر الله في أولوياتها.
ج ـ صدور القرار الظني باغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي جاء في مرحلته الأولى "المسـربة" على قياس تعويض الفشل في نتائج حرب تموز والذي سيأتي في مرحلته الثانية والثالثة ليُحكم الخناق على عناصر الحلف الذي انتصر في حرب تموز وهي حزب الله وسوريا وإيران وتأتي هذه المحكمة وكأنها حرب تموز تعويضية وبمفعول رجعي ولكن بوسائل جديدة وأسلوب جديد ويبقى العدو واحد.
د ـ أحداث النكبة والنكسـة في مارون الراس والجولان وهي التي أكدت أن الجماهير كما جرى الاستثمار على حراكها العفوي والمحق ولكن الإرث الوطني والمقاوم في حراكها يبقى هو الأساس وأن البوصلة لن تضيع رغم الجهد الذي يبذل والمال الذي يُصرف وأن العقل قادر رغم جهود الأعداء للاحتواء في دائرة رد الأفعال .
هـ ـ ما أعلنه السيد حسن نصر الله في إطلالته ما قبل الأخيرة عن اختراق أميركي أو جهدٍ اختراقي أميركي على مستوى معين في قيادة الحزب وهو ما يجب تمييزه عن الجهد الإسرائيلي الذي يسعى دائماً للمسارعة لتوظيف أي اختراق في سبيل تحقيق انجاز محدود مباشر وذو طبيعة استرايجية تهدف إلى الوصول للصف القيادي الأول ذو الطبيعة العسكرية الجهادية وبالتالي النفاذ إلى منظومة التفكير الرؤيوي التي تشكلها هذه القيادة في إدارتها للمعركة وهذا يدل من جهة أخرى إلى الارتقاء الذي بلغه حزب الله في مرتبة الأعداء الاستراتيجيين لأكبر دولة في العالم وهذا يزيد من أعباء ومسؤوليات هذا الحزب علماً أن القيادة العسكرية الأميركية أخذت الكثير من الدروس المستفادة التي قدمها الحزب في حرب تموز والتي أوجبت تغييراً بنيوياً في الكثير من مدارس القتال ووسائله وعكست نفسـها في القتال الأميركي في العراق ما بعد حرب تموز 2006وكذلك في أفغانستان. أما الانعكاس الأهم فقد عبّر عن نفسه في حجم التغيير الذي أحدثه الجنرال دافيد باتريوس في مسيرته السريعة من العراق إلى أفغانستان وبينها قيادة المنطقة الوسطى وصولاً إلى تبوئه الآن سـدّة الـ CIA والقائمة لا تنتهي والذي انعكس أيضاً في تغيير العقيدة القتالية للجيش الأميركي وأولى تجسيداته اغتيال أسامة بن لادن وثانيها النموذج الإسلامي الانتهازي التركي الممول قطرياً كبديل لمنطق المقاومة وتأسيسا لمشروع الصلح القادم مع إسرائيل في الولاية الثانية للرئيس أوباما وبغطاء عربي إسلامي خليجي تركي .
وفي الخاتمة فإن حرب تموز 2006 لا زالت في قلب المشهد الذي نعيش فصوله اليوم وأكاد أسمع هدير نفس الطائرات في ليبيا واليمن وهي الفتنة التي تحاول النيل من صمود سوريا ولقاء باريس مع برنار هنري ليفي خير دليل ولقاء المعارضة السورية في فيينا مع أيوب قرّا وهي قواعد حرب تموز ستبقى السائدة حتى يسقطوا في حرب جديدة وحينها فقط سنشهد قواعد اللعبة الجديدة .  

الكاتب و المحلل السياسي وسيم بزي    

Script executed in 0.19419693946838