أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ملفّ شهود الزور يعود... لكن بطيئاً

الخميس 21 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,056 زائر

ملفّ شهود الزور يعود... لكن بطيئاً

أفضل ما يصحّ في وصف قوى 8 و14 آذار أنهما كالماء والزيت لا يختلطان أبداً. يصحّ فيهما أيضاً ما يُقال، في تعريب الرياضيات على نحو ما يُدرّس في السعودية مثلاً، عن الخطين المتوازيين: خطان لا يلتقيان إلا بإذن الله. وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هكذا كان أمر قوى 8 و14 آذار في الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة وكانت حكومة قوى 14 آذار، وفي الحكومة الثانية للرئيس نجيب ميقاتي وهي حكومة قوى 8 آذار. كان الأمر نفسه في حكومتَي الوحدة الوطنية برئاسة السنيورة والرئيس سعد الحريري اللتين أخفقتا في الحكم بسبب عدم اتفاقهما على الملفات الشائكة، فلم يختلط الماء بالزيت. بعدما اختبرت حكومة الغالبية عام 2005، تمر حكومة الغالبية عام 2011 باختبار مماثل، وهو أنها تحكم وحدها وتستأثر بالسلطة والخيارات.
تصعد إذاً بقعة الزيت فوق سطح الماء ولا تختلط فيه.
كان ملف شهود الزور أحد أبرز مظاهر الانقسام بين طرفي النزاع. وُلد في ظل حكومة غالبية قوى 14 آذار فاستخدمته سلاحاً في معركة التحقيق الدولي، ثم المحكمة الدولية وفي تصفية الحساب السياسي مع الحقبة السورية. ونوقش في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الحريري فانقسمت حياله. وتحاول قوى 8 آذار إحياءه في الحكومة الجديدة، وقد باتت الغالبية الحكومية والنيابية، وقادرة على السيطرة عليه وتوجيهه سياسياً وقضائياً في المنحى الذي تريد.
ينظر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى ملف شهود الزور من وجهين: سياسي تختلف مقاربته بين فريق وآخر، وقضائي متشعّب العناصر المتناقضة التي ينطوي عليها. حمله ذلك على تحديد مسار العودة إليه بلا استعجال: وضع الملف بين يدي وزير العدل شكيب قرطباوي الذي يقاربه بدوره للمرة الأولى من موقع رسمي، بدءاً بإعداد ملف متكامل يميّز الشق السياسي فيه عن الشق القضائي، ويمكّن رئيس الحكومة من الإلمام بتفاصيله قبل عرضه على مجلس الوزراء، ويتيح للوزير كذلك وضع تصوّر معالجة تحتاج هي الأخرى إلى بعض الوقت. يعني ذلك أن الخوض الجدّي في الملف يقتضي انتظار بضعة أسابيع انطلاقاً من الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء في 2 آب.
على أن إعادة البحث في ملف شهود الزور تعوّل على معطيات منها:
1 ـــ الملف مفتوح منذ حكومة الحريري التي أخفقت في مناقشته مرتين على التوالي في 10 تشرين الثاني 2010 و15 كانون الأول، ولم يتمكن المجلس من التصويت على إحالته على القضاء العدلي بسبب رفض الحريري ووزراء قوى 14 آذار، وتحبيذهم هذه الإحالة لدى القضاء العادي. سرعان ما أضحى الملف أحد دوافع إسقاط حكومة الحريري في 12 كانون الثاني 2011.
استخدم الرئيس السابق صلاحياته الدستورية في عدم إدراج ملف شهود الزور في جدول أعمال مجلس الوزراء، وأنكر وحلفاءه وجوده على النحو الذي صوّره خصومه، وعدّه استهدافاً للمحكمة الدولية، فشُلّت الحكومة إلى أن انهارت.
على طرف نقيض منه، لم يمانع خلفه في مناقشته بعدما أسرّ أمام زوّاره بأنه جاهز لنقل كل أزمة يختلف عليها الأفرقاء إلى مجلس الوزراء لحلّها فيه. وهو بذلك لا يحيل ـــــ كالحريري ـــــ صلاحياته الدستورية جزءاً من عدّة المواجهة مع الغالبية الحكومية الجديدة، ولا يحيل نفسه طرفاً مباشراً في الصراع.
2 ـــ لا يزال ملف شهود الزور جزءاً لا يتجزأ من ملف المحكمة، وأحد تردّدات الاتهامات لها بالتسييس. وبات النزاع المفتوح بين اللواء الركن جميل السيّد والمدعي العام لدى المحكمة القاضي دانيال بلمار حيال تسلّم وثائق التحقيقات المرتبطة بالشهود أكبر مُعبّر عن ترابط الملفين. لا تنكر المحكمة وجود ملف شهود الزور وإن أخرجته من صلاحيتها، ولا تنازع السيّد على صدقيته أو عدم صدقيته، بل على الوثائق التي تسلّمه إياها أو تحجم عن تسليمها، الأمر الذي يثبّت ترابطاً مزدوجاً لا يقتصر على تشابك أحدهما بالآخر، وإنما أيضاً على إظهار الخلل الذي تضمّنه ملف الشهود فقاد إلى اتهامات التسييس التي بلغت ذروتها في الموقف المعلن من القرار الاتهامي.
3 ـــ كان ملف شهود الزور في صلب الصفقة السعودية ـــــ السورية التي تراجع الحريري عن المضيّ فيها. أدرج هذا الملف في أول بنود ما عُرف بالشقّ الأول من التسوية، وتضمّن بضعة تنازلات دُعي حزب الله إلى تقديمها لإنجاحها وإجراء مصالحة سياسية بين قوى 8 و14 آذار، وبين الحريري والحزب، بينما تضمن الشقّ الثاني التنازلات المقابلة التي ينبغي للحريري التسليم بها، وهي إلغاء بروتوكول التعاون مع الأمم المتحدة ووقف تمويل المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين منها. كان الأبرز في المقايضة ربط سحب ملف شهود الزور بتعهّد الضباط الأربعة عدم متابعتهم الموضوع في لبنان وخارجه وسحب الاستنابات القضائية السورية. مثّل هذا الترابط، في مفاوضات تلك التسوية، اعترافاً رسميّاً بالملف سبيلاً إلى إدراجه في مقايضة مكلفة وموجعة، شخصية بمقدار ما هي سياسية.
مع انهيار التسوية وإخراج الحريري من الحكم، تهاوى كل بنودها ما خلا ملف شهود الزور الذي لا يزال ماثلاً لدى قوى 8 آذار.
على نحو كهذا، يلتقي رئيس الحكومة والأكثرية الحكومية على مناقشة ملف شهود الزور بلا مقايضة ما دام لم يعد في صلب صفقة سياسية، ولأن الفريقين يسلّمان بضرورة الخوض فيه. يلاقي ميقاتي وجهة النظر هذه بتأكيد تمسّكه بالمحكمة التي يمثّل ملف الشهود جزءاً لا يتجزأ منها بتداعياته السياسية والقضائية على السواء، وبتأكيده ضرورة مناقشة كل ما هو مثار جدل ودافع لأزمة ترتد على الاستقرار الداخلي. لا يقايض المحكمة بالاستقرار، إلا أنه لا يقايض التزام دعم المحكمة بإهمال الجزء من الكل.
4 ـــ يبدو من المبالغة الاعتقاد بأن ملف شهود الزور موضوع على نار حامية في مجلس الوزراء. وهو ينتظر أولاً تصوّر وزير العدل حيال طريقة التعامل معه من جهة، وتمييز السياسي فيه عن القضائي بغية وضعه في عهدة القضاء المختص. وإذ يسعى اللواء السيّد إلى تمتين الترابط بين ملف شهود الزور والاتهامات المساقة للمحكمة بالتسييس بعدما تلاعب هذا الملف بالحياة السياسية طوال خمس سنوات وساهم في قلب توازن القوى، تتعامل معه حكومة ميقاتي على أنه جزء لا ينفصل من مسار علاقة العدالة الدولية بلبنان. لم يعد الملف شأن المحكمة، ولذا يريد مجلس الوزراء وضع اليد عليه.

Script executed in 0.036509037017822