أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الناصرية في لبنان... بعد غياب «القائد» (1)

السبت 23 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,188 زائر

الناصرية في لبنان... بعد غياب «القائد» (1)

ونشأت تنظيمات ناصرية محلية وتبنت أحزاب عروبية لبنانية الشعارات الناصرية مثل «حزب النجادة». واكبت الجماهير الناصرية في لبنان الزعيم عبد الناصر، فنزلت الى الشارع بأعداد غفيرة تؤيد تصديه للعدوان الثلاثي. وحمل الناصريون السلاح في العام 1958 ضد حلف بغداد الى جانب احزاب قومية ويسارية مؤيدة للخط الناصري ولمشروع الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا ويشهد على ذلك الجموع الشعبية التي زحفت الى دمشق لملاقاة عبد الناصر اثناء زيارته الى دمشق في العام 1959. 
يمكن القول أن الناصرية في لبنان وخاصة في زمن الوحدة بين مصر وسوريا (1958 ـ 1961) عاشت مرحلتها الذهبية. لكن هذه الحركة التغييرية تلقت ضربات مؤلمة ولا سيما في ضوء فشل تجربة الوحدة من جهة وانتكاسة حرب حزيران عام 1967 من جهة ثانية. 
كان الامن القومي للعالم العربي عنوانا كبير لسياسة عبد الناصر «وعلى اساس هذا الامن القومي كان يعادي وكان يهادن» كما يقول المفكر اللبناني منح الصلح، لكن بعد وفاة عبد الناصر، فقد الناصريون شخصية كاريزمية تمتلك القدرة على مخاطبة الشارع العربي من المحيط الى الخليج، واتجهوا من بعده يبحثون عن أنفسهم برايات وعناوين عربية مختلفة. 
ها هم الناصريون بعد أربعة عقود على رحيل زعيمهم، ما زالوا يبحثون عن بدل من ضائع لا يجدونه وها هم ناصريو مصر يتشظون ويصبحون بقايا تنظيمات متنافرة، وها هم ناصريو لبنان وكل البلاد العربية، يبحثون عن قواسم مشتركة، اذا وجدوها تعذر عليهم تسويقها واذا تعذر ايجادها انساقوا الى واقع الانقسام الذي افرز انشقاقات تلو انشقاقات في تنظيماتهم حتى تحولت جزرا تنظيمية متبعثرة، لا بل وجدوا الحزب الواحد يصبح حزبين وأكثر وكل واحد منهما في الموقع النقيض للآخر، اما جمهورهم المتواضع فقد سار في مسارب سياسية مختلفة أوصلته الى ساحات متحاربة حتى بدا أن البعض تخلى عن ناصريته لصالح الانتماء الى العشيرة والعائلة والمنطقة والطائفة والمذهب. 
اليوم وبعد كل هذه التحولات التي يشهدها العالم العربي، وخاصة ثورة الميدان في مصر غير المسبوقة منذ ثورة يوليو 1952، عادت صورة عبد الناصر إلى ميدان التحرير وعاد الناصريون إلى الساحات، فهل يمكن أن يشكل حراك القاهرة حافزا لحراك باقي الساحات الناصرية ومنها بيروت؟ أين هم الناصريون في لبنان؟ ولماذا أصبحوا الأقل قدرة على التـأثير في واقع بلدهم السياسي والاجتماعي؟ 
يقول البعض ان طريق الناصريين الى استعادة دورهم المفقود يبدأ من التقائهم على نسق فكري واحد في ظل وجود مصدر واحد لهذا الفكر. فيما يرى البعض الاخر استحالة تطبيق هذا الامر لان الناصرية ليست حزبا بالمعنى التنظيمي للكلمة، بل هي تيار شعبي وسياسي جارف، وهل صحيح ما يقوله الكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل انه لا يوجد ناصرية بل ناصريون؟ 
[ يقول معن بشور الامين العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية من موقعه العروبي ان الناصرية هي نهج سياسي يعبر عن حاجات الامة العربية للتحرر والتقدم، وهذا النهج تطور على مدى ثمانية عشر عاما من ممارسة جمال عبد الناصر الحكم. مثلا، بيان الثورة الاول في العام 1952 لم يركز على دور مصر العربي بل اكتفى بالاشارة الى العناوين الداخلية في ظل العهد الملكي، ولكن مع تزايد الضغوط الغربية على نظام عبد الناصر، بدأ يكتشف ان امن مصر القومي مرتبط بالامن القومي العربي، فراح يتجه نحو مشروع الوحدة العربية. يرى بشور ان الناصرية تقوم على تلازم الديموقراطية السياسية مع الديموقراطية الاجتماعية وعلى تلازم البعد الوطني المصري مع البعد القومي العربي وهذان البعدان لهما ارتباط عميق مع البعد الروحي للامة المتمثل في الاسلام. 
[ يستعيد رئيس حزب الاتحاد عبد الرحيم مراد العبارة الشهيرة لعبد الناصر «إنني أؤمن إيمانا قاطعا انه سيخرج من صفوف هذا الشعب أبطال مجهولون يشعرون بالحرية ويقدسون العزة ويؤمنون بالكرامة»، ويشدد على أنه لم يعد مطلوبا منا اليوم أن نبكي على أطلال الماضي بل أن نستفيد من زخم الثورات العربية المتجددة من أجل اعادة احياء القيم التي جسدها عبد الناصر وهي قيم العدالة والحرية والنهوض العربي المستقل وما ترمز إليه فلسطين، ويشدد على أن المطلوب اليوم مبادرات لترجمة الحراك الناصري المتجدد في مصر ولبنان ومعظم الساحات العربية. 
[ يقول الدكتور زياد الحافظ القيادي السابق في حركة الناصريين المستقلين (المرابطون) ان الناصرية هي فكر وممارسة وهي ولدت من رحم النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر ومن تجربة قائدها التاريخي جمال عبد الناصر في معركة الفالوجا في العام 1948 اثناء حرب فلسطين. وان هذا الفكر عبر عن نفسه اولا بالثورة في العام 1952 وثانيا في انجازات هذه الثورة كالاصلاع الزراعي وتأميم قناة السويس واقامة القاعدة الصناعية. 
يزيد الحافظ أن جمال عبد الناصر اكتسب توجهاته من الفكر القومي العربي كاطار ثقافي وجداني يضم ابناء الامة العربية الذين تجمعهم وحدة الماضي والمستقبل واللغة والقيم والتقاليد. وان عبد الناصر استفاد ايضا في تجربته الناصرية من الثورات التحررية العالمية واخذ منها ما يتلاءم مع الواقع العربي ومتطلباته. كما ان الناصرية ركزت على الاسلام باعتباره ركيزة اساسية يستند اليها العرب في قوميتهم وتطلعاتهم الوحدوية. والناصرية ايضا، يقول الحافظ هي مشروع تحرر حقيقي من التبعية للدول الصناعية المتقدمة التي تعمل على الهيمنة على المنطقة، وان عبد الناصر كان في صلب اهدافه تحقيق مشروع نهضة اجتماعية من خلال تطوير الامكانات البشرية لتشكل العنصر الاساسي في زيادة الانتاج وتحقيق النمو وقد ادرك عبد الناصر ان نجاحه لن يتم بمعزل عن دائرته القومية اولا ومن ثم الاسلامية والعالمية ثانيا. 
[ والناصرية يراها رئيس حركة الشعب نجاح واكيم بانها تيار محرك للشعوب لكي تبقى قوة التطوير حية فيها جيلا بعد جيل. وان كانت تستمد منطلقاتها من القومية العربية فانها جزء من حركة التحرر العالمية وتعتبر نفسها جزءا منها وامتدادا لها، وان عبد الناصر كان يعتبر شخصية عالمية قيادية بدليل ان عددا من قادة ثورات عالمية مثل الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز كان يقول عن نفسه انه ناصري. يضيف واكيم انه من اهم سمات الناصرية انها جهد لتطوير مفهوم الوحدة العربية على مستوى المؤسسات الرسمية والشعبية وذلك من اجل تحقيق المنعة الذاتية للامة العربية. 
[ كان جمال عبد الناصر يرفض استعمال عبارة الناصرية ويعتبر ذلك تعلقا بشخص وليس بفكر او مبادئ يقول الدكتور سمير صباغ، الامين العام لرابطة العروبة والقيادي السابق في حركة الناصريين المستقلين (المرابطون): «عبد الناصر كان يردد دائما «نحن قوميون عرب نسعى لتحقيق اهداف الامة العربية». لذلك لا يمكن فصل التجربة الناصرية عن جذور الوعي الفكري عند الرئيس جمال عبد الناصر وهو الفكر القومي العربي. وان عبد الناصر كان يقول «ان مشاكل العرب هي مشاكل المصريين». من هذا المنطلق يرى صباغ ان الناصرية أرادها جمال عبد الناصر وعيا ثوريا وقوميا يقوم على الواقع وليس على الخيال. وان قمة الوعي عند جمال عبد الناصر تمثلت في قوله ابان تجربة الجمهورية العربية المتحدة: «ليس من المحتم ان تبقى سوريا قطعة من الجمهورية العربية المتحدة وانما المحتم ان تبقى سوريا». 
[ ينفي منير الصياد الامين العام للاتحاد الاشتراكي العربي ـ التنظيم الناصري وجود اي خلاف بين الناصريين حول المصدر الفكري وان عبد الناصر واضح في قوله «ليست مشكلتنا امتلاكنا نظرية او عدم امتلاكنا لها»، لا بل هو ذهب اكثر في هذا المجال عندما قال «انني لا املك نظرية. انني املك بعض التجربة والخطأ ومجموعة أفكار وآراء تحل مشكلة المجتمع العربي». الصياد يرى ان فكر عبد الناصر هو فكر تراكمي متفاعل بين الشعب والارض وان التراث الاسلامي افرز فكر عبد الناصر وهو الاشتراكية والحرية والوحدة وان اهمية الفكر الناصري تكمن في جدليته بين الانسان وتراثه وطبيعته. 
[ يقول المفكر منح الصلح ان ما اخذه لبنان من عبد الناصر قبل هزيمة العام 1967، بالاضافة الى ثمار الامن القومي فكرة بناء دولة وكان ناصحا ان لا ديموقراطية قابلة للدوام من دون دولة. وارتأى عبد الناصر في نهاية ثورة العام 1958 أن قوة لبنان بقبول تنوعه الديموقراطي. 
[ يقول معن بشور ان المفارقة كانت في ان الناصرية كانت مشعة ولكن الناصريين مشتتون وان العروبة قوية ولكن العروبيين ضعفاء. بشور يرى ان الحركات الناصرية عانت من ازمة قيادات على مستوى المرحلة، ما ادى الى تراجعها وذلك يعود الى استسهال المخابرات المصرية تجنيد لبنانيين غير مؤهلين فكريا ونضاليا لحمل الرسالة التاريخية التي كان يحملها عبد الناصر فحصل تجويف لبناني للانجازات القومية لعبد الناصر. 
[ أما نجاح واكيم، فيرى ان التجربة الناصرية في لبنان في مرحلة عبد الناصر حققت الكثير من الانجازات على مستوى الوعي الشعبي، فهي استطاعت ان تحد من سيطرة البنى التقليدية على الحياة السياسية في لبنان كما حققت اختراقا في المشاريع الطائفية والمذهبية التي كانت مطروحة. واكيم يقول ان التنظيم السياسي بمفهوم جمال عبد الناصر كان من اجل خدمة الاهداف المرحلية للثورة، وهذا المبدأ لم يكن موجودا عند معظم التشكيلات الناصرية في تلك الحقبة والتي كان قسم كبير منها صناعة اجهزة مخابراتية وهي لم تضف شيئا على العمل الناصري بل على العكس من ذلك اتعبته. 
[ «لم يكن يوما في لبنان تنظيمات حزبية بالمعنى المؤسساتي للكلمة باستثناء الحزبين السوري القومي والشيوعي اللبناني» يقول الدكتور زياد الحافظ. هذا الواقع انسحب ايضا على التنظيمات الناصرية. ذلك ان المفهوم الحزبي التنظيمي كان وما يزال غير مترسخ في الثقافة السياسية اللبنانية. وهو لم يستهو يوما ابناء المدن بالقدر الذي استهوى ابناء الريف. والناصريون التفوا حول عبد الناصر لتنفيذ مشروع القائد وشكلوا قياداتهم من شارعهم الشعبي ولم يلتفتوا كثيرا الى صيغ التنظيم الحزبي. الحافظ يوضح ايضا ان الحركة الناصرية التنظيمية في لبنان في زمن عبد الناصر كانت شبه معدومة. وان الطرح الناصري كانت تتصدره بعض الزعامات التقليدية. لذلك لم يكن هناك حاجة لانشاء تنظيم ناصري اثناء حياة عبد الناصر. 
[ يرى منير الصياد ان المشكلة هي ان الجماهير الناصرية في لبنان كان لها قبل وفاة الزعيم عبد الناصر ملامح تنظيمات كانت تحميها لكنها انسحبت من الساحة، فكان عليها أن تتحمل مسؤوليتها، وتقوم بدورها، فأنشأت لنفسها تنظيمات، مما يعني أن الجماهير خلقت تنظيماتها لا كما هو معروف عادة عند الأحزاب حينما تبحث القمة عن القاعدة. فالتيار الناصري الشعبي هو الذي أنشأ تنظيماته في لبنان. ولقد كان عددها في البداية ما يقارب الثلاثة وثلاثين تنظيماً في لبنان، والسبب هو أنه لم يكن هناك تنظيم ناصري جدي قادر على استيعاب هذه الحركة الشعبية العربية القومية التقدمية.. والنتيجة أن بعض هذه التنظيمات تلاشت وبعضها الآخر بقي واقفاً على قدميه. 
[ يشير سمير صباغ الى ان عبد الناصر حقق الكثير من المنجزات للعالم العربي مثل بناء السد العالي والانتصار السياسي على العدوان الثلاثي، ولا ننسى الموقف المصري الحاسم من الهجوم التركي على الحدود السورية في العام 1957 والذي كان ممهدا لمشروع الوحدة بين سوريا ومصر. كل هذه المواقف وغيرها ولدت في الشارع العربي تيارا مؤيدا لعبد الناصر وهذا التيار يصعب حصره في تنظيم واحد لذلك نشأت تشكيلات ناصرية عدة في لبنان. 
مع بدء بروز المقاومة الفلسطينية وتمركزها العسكري والسياسي في لبنان وبعض البلدان العربية المعنية مباشرة بالصراع العربي الاسرائيلي، تراجع وهج الناصرية وتأثيرها بالرغم من بقاء عبد الناصر في السلطة واحتفاظه بموقع الصدارة في السياسة العربية حتى وفاته في العام 1970.

Script executed in 0.039783000946045