أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حكومة الغالبيّة بين الداخل والخارج

السبت 23 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 840 زائر

حكومة الغالبيّة بين الداخل والخارج
نقولا ناصيف

كانت الأيام الأولى من الحكومة الجديدة أحسن حالاً وأهدأ بالاً لرئيسها نجيب ميقاتي من الأيام الأولى التي رافقت تكليفه ترؤسها، في الشارع والحكم. في جلساته الأولى لم يخرج مجلس الوزراء عن السياق: أعاد تعيين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مكمّلاً ولاية تاريخية هي الأطول منذ عام 1994، عندما تبوّأ المنصب في ذروة قوة الرئيس رفيق الحريري في رئاسة الحكومة، وعيّن اللواء الركن عباس إبراهيم مديراً عاماً للأمن العام بالطريقة نفسها التي عُيّن بها اللواء الركن وفيق جزيني في 7 تشرين الأول 2005، في ظلّ حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، والغالبية الحكومية بثلثيها لقوى 14 آذار ثبتت شيعية المديرية العامة، من غير أن يتحفّظ أي أحد في الغالبية عن تكريس المنصب للطائفة الشيعية.
انبثق الإقرار به من التسليم بتوازن القوى القائم حينذاك، ومن وجود وزارة الداخلية في يد وزير سنّي من تيّار المستقبل، بعدما عُدّ تعيين الرئيس إميل لحود اللواء الركن جميل السيّد استثناءً.
وشأن التقليد المتبع منذ عام 1991، لا يسمّي رئيس الأركان في الجيش إلا رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. ولا يسمّي المدير العام لقوى الأمن الداخلي إلا رئيس الحكومة. بيد أن ما يوازي بقاء اللواء أشرف ريفي في منصبه، منذ عُيّن لأول مرة في ظلّ الحكومة الأولى لميقاتي عام 2005، هو أن الحكومة الجديدة ستستجيب لمطلب قوى 14 آذار، وتيّار المستقبل تحديداً ـــــ حيث أخفقا ـــــ بتشريع فرع المعلومات في قوى الأمن كي يمسي قانونياً.
إلى هذه السلسلة، في انتظار ورشة شاملة من التعيينات الإدارية، أضف رزمة مهمة من الاستحقاقات تنتظر حكومة ميقاتي عام 2013: إحالة ريفي والمدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا وقائد الجيش العماد جان قهوجي على التقاعد. مغزى ذلك أن الرجلين القويين للغالبية السابقة، ريفي وميرزا، سيمكثان في المنصبين الأكثر حساسية لمعظم الغالبية الجديدة، لكنهما تحت مظلة رئيس آخر للحكومة، يمثل شرعية مختلفة تماماً عن السلف.
حدّدت الأسابيع الأولى من عمل حكومة ميقاتي نمطاً ستتخذه الحياة السياسية في المرحلة المقبلة، في حمأة النزاع المفتوح بين قوى 8 و14 آذار. وهي صورة مطابقة تقريباً لما كان قد شهده لبنان بين أواخر عام 2006 و7 أيار 2008، عندما أمسكت قوى 14 آذار ـــــ وكانت تمثل الغالبية النيابية من غير أن تتمكن من استخدامها في البرلمان المعطل ـــــ بكل مفاصل السلطة الإجرائية بعد استقالة الوزراء الشيعة. تجاهلت تلك الاستقالة، وراحت تعدّ الوزراء متغيبين عن مجلس الوزراء، وتدير الحكم منفردة بعدما قاطعها رئيس الجمهورية.
وما خلا مجازفة جلسة مجلس الوزراء في 5 أيار 2008، لم تتمكن حكومة الغالبية الحاكمة آنذاك من اتخاذ قرارات جوهرية أو تعيينات أساسية في الداخل، إلا أنها سيطرت تماماً على الملف الديبلوماسي والسياسة الخارجية سواء في ما يتعلق بالمحكمة الدولية، أو تسعير المواجهة مع سوريا ووضعها في مجلس الأمن، أو تواصل الدعم غير المشروط للمجتمع الدولي لها، والتعاطي مع حكومة السنيورة على أنها الممثل الوحيد للشرعية الدستورية اللبنانية، في ظلّ لحود كما بعد انتهاء ولايته. مع ذلك لم يسعها الخوض في أيّ من الملفات الداخلية. لا السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، ولا التئام مجلس النواب لإقرار مشاريعها، ولا تنفيذ إصلاحات مؤتمر باريس 3، ولا ملء الشغور في التعيينات، ولا الحؤول دون تنامي فتنة سنّية ـــــ شيعية كانت جزءاً منها مقدار ما كان حزب الله الجزء الآخر منها أيضاً. لم تحتمل قبول استقالة الوزراء الشيعة حتى لتسمية خلفاء لهم.
على نحو مقلوب تواجه حكومة ميقاتي إدارة الحكم. باتت تمثل الأكثريتين الحكومية والنيابية في ظلّ سيطرتها كذلك على التئام البرلمان. هي قادرة على ممارسة السلطة في الداخل بلا عراقيل، بدءاً من تعيينات إدارية وأمنية أساسية مرتبطة مباشرة بتوازن القوى، مروراً بالخوض في ملفات الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية والإنماء. وخلافاً للحكومة الأولى للسنيورة التي أهملت لحود، المناوئ لها، ثم تسلّمت صلاحياته الدستورية بعد انتهاء الولاية، كمنت الثغرة القوية في أنها تحكم بصلاحيات الرئيس من غير أن تنجح في إيصال مرشح لها للمنصب. الأمر الذي ينحو بحكومة ميقاتي إلى وجهة معاكسة.
أخرجت الغالبية الجديدة رئيس الجمهورية ميشال سليمان من دوره التوافقي، وجعلته جزءاً لا يتجزأ من السلطة الجديدة وشريكاً لها فيها منذ وقع مرسوم التأليف. لا يجمعه بقوى 14 آذار إلا تشجيعه إياها على المعارضة. لم يسعه طوال النصف الأول من الولاية اختبار هذا النمط من الحكم والدور الرئاسي في حكومتي المصالحة الوطنية برئاسة السنيورة والرئيس سعد الحريري. لا هو حينذاك 8 آذار ولا 14 آذار. عندما كانا يتفقان يتمكّن من إبراز صلاحيات الرئاسة والموقع التوافقي، وعندما يختلفان يعجز عن مصالحتهما وعن تسهيل انعقاد مجلس الوزراء واتخاذ القرارات، بشهادة ما رافق ملف شهود الزور.
وعلى طرف نقيض من الحكومة الأولى للسنيورة، تتصرّف حكومة ميقاتي بحذر حيال العلاقة مع الخارج الذي أرسل، منذ التكليف، سلسلة إشارات متحفظة. لم يقل مرة إنه يرفض التعاون مع حكومة الغالبية النيابية الجديدة، أو إنه لا يعترف بها غالبية دستورية. لم ينكر على ميقاتي حق تكليفه ترؤس الحكومة، وتجنب قطع العلاقة به متعمّداً إبقاء التواصل معه بغية توجيه الإشارات المعبّرة. بعد إبصار الحكومة النور، راح الخارج يصر على التزامها التعهّدات الدولية للبنان والمضي في التعاون مع المحكمة. سَابَقَ رئيس الحكومة المواقف الدولية بعد التأليف بتأكيده التزام القرارات الدولية والتمسّك بالعدالة. لم يقيّد التحفظ الخارجي مقدرة حكومة ميقاتي على ممارسة الحكم، فيما لم يذلل الدعم غير المشروط لحكومة 2005 ـــــ 2008 العقبات الداخلية، فاحتمت حكومة السنيورة بالسرايا، ونأى الجيش بنفسه عن صراعها مع خصومها.
بالتأكيد ثمّة خلاصة رئيسية تفضي إليها الفروق بين حكومتي غالبيتين، أمسكت كل منهما أو كادت بالسلطة، وحاولت ترجيح الكفة ودفع لبنان إلى خيارات يرفضها الفريق الآخر، هو الثقل الذي بات يمثله حزب الله في قلب المعادلة الوطنية، في الحكم والشارع، وخصوصاً عندما يستمد قوته من سلاحه سواء استخدمه أو هوّل باستخدامه. عندما يهدم غالبية ليقيم سواها، ويُخرج فريقاً من الحكم كي يحلّ هو وحلفاؤه فيه محله.

Script executed in 0.034284114837646