و ارست في الحياة اللبنانية قاعدة "الحكم في مواجهة القانون " و هي القاعدة التي قادتها الى جرائم بحق الحكم الديمقرلطي فبدأت حكمها بتعطيل المجلس الدستوري اولا حتى تتفلت من الرقابة على اعمالها في التشريع و تتفلت من تزوير الانتخابات . ثم انشأت لنفسها جهازا امنيا رسميا خارج القانون و جعلته الاهم عديدا و وقدرات بين الاجهزه الامنيةالرسمية ، و تابعت سيرها بوضع اليد على القضاء و باستباحة المال العام الى درجة الانفاق العام من غير موازنة لمدة 6 سنوات ، و طبعا من غير قطع حساب يمكن ديوان المحاسبة من ممارسة صلاحيته في الرقابة المؤخرة ان لم يكن مارسها مقدما . و لم تكتف تلك الفئة الحاكمة باسم "ثورة الارز" بما فعلت بل أفرغت الادارة من العنصر البشري العامل للدولة ، و اقامت الادارة الرديفة من تابعين يتلقون الاجر من الدولة تحت عنوان المستشار او الجهاز المساند و يعملون لمصلحة الفريق الحاكم على حساب مصلحة الوطن ، و وصل الامر الى مشهد نرى فيه شبح دولة رسمية و واقع شركة خاصة فعلية يشكل مجلس ادراتها من " الشيخ الحاكم و اعوانه " . اما على الصعيد الخارجي فقد توصلت تلك الجماعة الى التنازل عن السيادة اللبنانية لاميركا بشكل خاص و بات السفير الاميركي في لبنان هو صاحب الكلمة الفصل ما انشأ واقع استعمار جديد و انتج مقولة الثورة من اجل عودة الاستعمار.
و لان النظام السياسي كما هو معروف هو جمع من ثلاث عناصر : سياسات تعتمد و مؤسسات تنفذ تلك السياسات و تخطط لها و اشخاص يديرون تلك المؤسسات بما يمكن من التنفيذ ، فان "ثورة الارز" استطاعت ان تؤثر في كل هذه العناصر. و غاب عن اصحابها ان الثورة الحقيقية هي ما يقوم به الشعب من اجل اقامة المؤسسات التي تمارس السيادة بقرار مستقل ، و ترسي التشريعات التي تراعي المصالح الحقيقية للشعب، و تقيم القضاء الموثوق الذي يأخذ من المعتدي ليقيم العدل و ينصف المظلوم . اما" ثورة الارز " فجاءت على خلاف ذلك حيث نجحت في الغاء الدولة اللبنانية بشكل كلي لتقيم مكانها " المشيخة الحريرية " بسياسات فرضت و مؤسسات رديفة اختلقت و اشخاص تابعين اعتمدوا الى ان ظن اصحاب المشيخة بان نظامها بات نهائياً لا يمكن ان يمس في سياساته و مؤسساته و اشخاصه ، و باتوا مطمئنين يسندون طمانينتهم الى :
- الترهيب الممارس على الفئات اللبنانية و الجهات الاقليمية المؤثرة في لبنان عبر سيف المحكمة الدولية و جهوزية هذه المحكمة لمد هذا الفريق الحاكم بالوقود اللازم لحركته بقرارات " غب الطلب " و التسريب المسبق اوالتهويل بالزلزال الذي سيحدثه ما يسمى " قرار ظني " و ما سيرافقه من مذكرات توقيف لن تبقي احد من الخصوم بمنأى عن الاستدعاء (بدأت بالصدور بحق اربعة و يتوقع البعض ان يصل عددها الى 500 مذكرة تصدر على مدى 3 سنوات و تطال كل القيادات و الفعاليات السياسية و الفكرية و الاعلامية في جبهة المقاومة و الممانعة من لبنان الى سوريا الى ايران و قد لا يترك الفلسطنيون ايضا بعيدا عن هذ الاتهام ) .
- التهويل بالصراع الطائفي و الفتنة بين السنة و الشيعة ، من اجل ابتزاز الفريق الوطني المقاوم الذي يخشى من نار في الشارع اللبناني ترغمه على تخصيص جهدا ميداني معين للدفاع عن نفسه و عن جمهوره .
- الارتكاز الى دعم اجنبي بقيادة اميركية غربية ، يكون من شأنه التضيق على الفريق الوطني و محاصرته و منعه من التصدي لمسالة السلطة في لبنان او الطموح بمجرد المشاركة الحقيقية فيها .
و رغم ما في هذا السلوك من ظلم و مجافاة لمنطق الثورة الشعبية التي تهدف لتحقيق مصالح الوطن و المواطن فقد تجرع الفريق الوطني المقاوم المر و تساهل بالرد عليه حرصا على ما هو اهم من السلطة: "الوطن و الدفاع عنه وجودا و حقوقا ًَ المهددة بالخطر الصهيوني " ، و من اجل حماية المقاومة التي تدفع هذا الخطر كان التساهل كبيرا في المسالة الداخلية انطلاقا من قاعدة اساس : " دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة "، و بين السيء و الاسوء يقبل بالسيء . و قد فسر فريق "المشيخة" تساهل الفريق الوطني ضعفا او خوفا ، فتمادى في غيه و تجرأ على ارتكاب المحرمات ضد الفريق المقاوم : بدءا من تسهيل عمل المحكمة ضد هذا الفريق و تلفيق الشهادات الزور التي تؤدي الى اتهامه ، وصلا الى التجرؤ على سلاحه ما اجبره على الرد الميداني بعد ان كان قد مارس الاعتراض السلمي لنيف و سنتين ، ثم كانت الواقعة الاخيرة باخراج "الثائر على الدستور و سيادة الوطن " من الحكم لاتقاء خطره .
لقد اثبتت مجريات الامور بان ما اسمي "ثورة الارز" هو في الحقيقة ثورة ضد دولة الارز ، ما استوجب الرد التصحيحي و كانت الثورة الحقيقية بعد ان طفح الكيل ، ثورة من اجل تفعيل ما عطل من مؤسسات و الغاء غير الشرعي منها ، و تصحيح السياسات و اسقاط التبعية للاجنبي ، و ابعاد الاشخاص الذين قبلوا برهن انفسهم و وطنهم للخارج .و تواجهت الثورتان : المزيفة و الصحيحة ، او تواجه الانقلاب على الدستور بانقلاب للعودة الى الدستور من اجل استقلال حقيقي للبنان و تحريره من القرار الاجنبي و النتيجة كانت خسارة انقلابيي 14 اذار للمعركة ، لكنهم و رغم تضعضعهم و تشتتهم فكرا و بنية لا زالو يمنون النفس بالعودة الى السلطة مراهنين على :
- الفتنة الطائفية و النفخ في بوق التعصب الطائفي و المذهبي . متناسين ما ظهر من عجزهم عن تحريك غرائز الناس الذين باتوا في درجة من الوعي تعلو تصور الاخرين و خاصة انهم لا يتذكرون من الحرب الطائفية الا ما يرعبهم و لذا لن يكونوا على استعداد للدخول فيها مجددا فضلا عن ان القوى الرسمية و الاهلية الحريصة على امن الوطن تملك من القدرات ما يمنع وصول فريق "البكاء على السلطة الضائعة" الى اهدافه.
- الحصار المالي و الاقتصادي الخارجي ، و هذا ايضا وهم لا يقوم لان للدول مصالحها و تبني سياساتها على اساس هذه المصالح ، فالدول مؤسسات اولا و الشخص تجميل للمؤسسة و ليس الاساس فيها ، و بهذا نفهم المواقف الدولية كما مواقف ارباب القطاعات الاقتصادية و المال من الضجيج حول الاقتصاد ، و نجد تفعيلا للنشاط المشترك مع لبنان بما يدعم الاقتصاد اللبناني و بدرجة تتعدى ما كان قائما قبلا .
- و تبقى احلام التدخل الاجنبي لاعادة " البكائين على السلطة الضائعة " الى كراسييهم ، و هنا نكتفي بالتذكير بانه لو كان لهذا الخارج هيبة او قوة ردع او قوة فرض السلطان في لبنان ، لما تجرأت القوى الوطنية على عزل الحاكم الحريري من رئاسة الحكومة بمجرد دخوله الى مكتب الرئيس الاميركي . اضافة الى ذلك فاننا نرى من مواقف الدول و الهيئات الدولية ما يكفي ليقنع هؤلاء بان التعويل على الخارج لاعادتهم الى السلطة هو حلم لن يتحقق .
لكل ذلك نقول ان على من خسر سلطة استلبها ان يستفيق من سباته و يضع حدا لاحلامه غير الواقعية (امتلاك لبنان و الاستئثار به) ،و يقلع عن استعمال الوسائل غير المشروعة لان الامعان فيها سيرتد عليه خسارة ادهى و امر ، اما من حل في المسؤولية الان فعليه ان يلتفت الى كل شيئ افسده السلف و مراجعة السياسات و تصويبها و المؤسسات و تصحيححها و الاشخاص و تطهيرهم حتى نقول نجحت ثورة الاكثرية الشعبية في بناء دولة .