أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الجوع الصومالي: علامة فارقة !

السبت 30 تموز , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,630 زائر

الجوع الصومالي: علامة فارقة !

 

 كما أنّ فيهم مثقفين وأصحاب فكر وعلم، وهم فوق ذلك كلّه يدينون بدين الإسلام الحنيف الذي يعطي لأتباعه الحلول الناجعة لكلّ مشاكلهم فيما لو سعى الأتباع إلى ذلك بنيّة صادقة، وبفهم حقيقيّ صحيح لمقاصد الشريعة السمحة.

ولكن واقع الصومال مخالف تماماً لأيّ توقّع إيجابي، فالفقر والمجاعة تجثوان على صدره بقوّة خانقة، والمشاكل السياسية تزلزل أركانه وتضعه تحت أنياب الفوضى والضياع، إلى ما يستتبع ذلك من مشاكل الأميّة والانفلات الأمني والقرصنة وغيرها. والسؤال الذي يثارُ في نفس كلّ متتبّع لأحوال هذا البلد هو لماذا يقبع هذا البلد العربي بالذات في عمق كهف الفقر المدقع والمجاعة الشرسة والتخلّف الصارخ علمياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً؟! لماذا لم تتغيّر الحال المأساوية لهذا البلد منذ عشرات السنين؟! في حين أنّ بلدانا أخرى كثيرة عربية وغير عربية تعرّضت لحروب خارجية أو حروب أهلية، ولاحتلال ولانتكاسات اقتصادية، ولمؤامرات سياسية ولكوارث طبيعية، ولمشاكل من كل الأنواع، ولكن عادت ونهضت واستعادت نشاطها ورمّمت تصدّعاتها بل تجاوزت انهياراتها وهزائمها، وبنت نفسها من جديد وبقوة فائقة، لدرجة أن بعضها تزعّم العالم بالتكنولوجيا والتقدّم العلمي مثل اليابان.

ويبدو أنّ الإجابة عن ذلك السؤال تقتضي أنْ يعقد المتتبّع بعض المقارنات وعلى أكثر من صعيد بين الصومال وغيرها من بلاد تعرّضت لأزمات كارثية لم توصلها إلى الهاوية، ولم تصطبغ معها بطابع التخلّف والانهيار الاقتصادي كما هو الحال مع الصومال. فلو قارنّا مثلاً بين الصومال وبين لبنان الذي شهد حرباً أهلية طويلة واجتياحاً إسرائيليا غاشماً وصل إلى عاصمته ثمّ استقرّ احتلالاً في جنوبه لثمانية عشر عاماً، ثمّ حرباً شرسة في 2006م، وتعطّلاً وفراغاً تاماً للحياة السياسية في فترات ليست قصيرة، إلى غيرها من أزمات سياسية عصفت به لسنوات طويلة ومازالت. وبالرغم من ذلك كلّه فلا يمكن القول أنّ لبنان بكلّ الويلات المذكورة انحدرت به الأمور كما هو حاصل في الصومال، وبالخصوص فيما يتعلّق بموضوع المجاعة التي تحصد الأرواح حصداً وبأعداد هائلة ومأساوية. 

فما السرّ في هذا التردّي الدائم للأحوال في الصومال؟ هل لذلك علاقة بطبيعة الإنسان الصومالي نفسه؟ وبرأيي أنّ الشعب الصومالي بما ينخره من أميّة وتخلّف وعدم انفتاح على الحضارة، وربّما بما يتصف به من عدم الرغبة في ذلك الانفتاح الحضاري أصلاً لأسباب قد تكون نابعة من فهم مغلوط للدين، وكذلك بما يجلد هذا الشعب من فقر وحرمان وجهل، وخضوع كبير لأفكار سوداوية متحجّرة تقودها الجماعات التكفيرية الظلامية، وكذلك بما جُبل عليه الإنسان الصومالي من نزعة صدامية عنيفة، وهذا رأيته بعيني في دولة خليجية حيث كان الطلاب الصوماليون يخوضون الشجارات الدامية مع بعضهم بعضاً أو مع غيرهم، إلى الدرجة التي استدعت بقاء الشرطة في أحيان كثيرة أمام المدارس التي تضمّ طلاباً صوماليين. ربّما كلّ ذلك هو الذي يبقي هذا البلد بين فكيّ تمساح التخلّف والفقر والفوضى. 

هذا إلى جانب غياب قيادات صومالية قادرة مؤثّرة ذات نهج سياسي واجتماعي واضح. فالمتتبّع للشأن الصومالي يمكنه أن يلمس بسهوله أنّ القيادات الصومالية قيادات غير ناضجة وليس لديها تلك الخبرة السياسية الكافية التي تجعلها مؤثّرة وقادرة على الخروج ببلدها من مآزقها المزمنة. فهم إمّا قيادات تُصنّع خارج البلاد لتنفّذ أجندات معينة لصالح قوى إقليمية ودولية، وإمّا هي قيادات شبابية متمرّدة متشبّعة بأفكار تكفيرية إقصائية مدمّرة، لا تعرف للحوار أي سبيل، بل الطريق الوحيد للحوار لديها هو الضغط على الزناد، وإراقة الدماء. وقد يكون هنالك بعض الشخصيات التي لا تنتمي إلى الطرفين، ولكنّها لا تملك مقوّمات التأثير شخصياً أو اقتصادياً، فتبقى بحكم الغائبة.

هذا على مستوى القيادات، أمّا عامّة الشعب الصومالي، فالمتابع يلمس كذلك جموداً لدى هذا الشعب وغيابا لأية إرادة حقيقية فاعلة في نفض ركام عقود طويلة من الانهدام والتخلّف والحرمان، ومن ثمّ النهوض واللحوق بركب التطوّر والحضارة. فأقلّ ما يمكن أن يفعله شعب من الشعوب للمطالبة بحقوقه وللتعبير عن رغبته في الإصلاح والنهوض هو التظاهر والاحتجاج، وهذا أمر لا يعرفه الشارع الصومالي أبداً. فلا تكاد ترى مسي رة واحدة تنبي بشيء من الحيوية والنبض والوعي السياسي لدى هذا الشعب العربي المظلوم. وربّما السبب في ذلك هو تلك العقود المتتابعة من الفقر والحرمان والفوضى التي أفرغت هذا الشعب المستسلم من نبضه وحيويته وإرادته. 

حتى حركة الشباب الصومالي هي حركة هدّامة في غالبها، على عكس ما رأيناه في حركات الشباب العربي في خضمّ الثورات العربية المحقّة، كما حدث في تونس ومصر مثلاً. فقد كان بعض الشباب الصوماليين –وهم الأجلى ظهوراً للأسف - حفرة سهلة تجمّعت فيها مياه التكفيريين الآسنة، ثمّ أخذت تصبّ في بيوت الصوماليين وشوارعهم قتلاً وتدميراً وتفجيراً وغيرها من الممارسات التي يزخر بها القاموس التكفيري المتحجّر. فبدلاً من أن يكون الشباب الصومالي هم طليعة التغيير والإصلاح والنهوض ببلدهم من مستنقعات التخلّف والجوع، صاروا هم الزلزال الذي عمّق تلك المستنقعات وحوّلها إلى آبار مظلمة موحشة! بل نجد حركة الشباب نفسها تعطّل وتمنع وصول المساعدات الغذائية للصوماليين الجائعين، بل أكثر من ذلك، فهي تنفي وجود المجاعة أصلاً، استجابةً لأفكارها الظلامية المتحجّرة التي تسوّغ لها إبادة شعب كامل في مقابل بقائها مسيطرة على الجزء الأكبر من جغرافيا ذلك البلد الذي لم تشفع له الجغرافيا ولا التاريخ! 

لتلك الأسباب جميعاً ربّما فقد الصومال قيادات وشعباً احترامه عند الدول الأخرى قيادات وشعوباً، ولم تعدْ تشكّل حاله المتردّية المأساوية مصدر قلق كبير وملحٍّ لدى الذهن العربي والعالمي، وهذا ما يفسّر التحرّك الرخو والبطيء للدول العالمية والعربية نحو إخراج هذا البلد من مجاعته المميتة. فعلى المستوى الفردي نجد أنّ الجماعة تستنكف عن مساعدة فرد مصرٍّ على تدمير نفسه بطريقة ما، ولسان حالهم يردّد المثل القائل: "يداكَ أوكتا وفوك نفخ" أو المثل الشعبي: "اللي من إيده الله يزيده"، وهذا هو موقف العالم تجاه الصومال. 

لكنْ وإنْ بدا هذا الموقف مبرّراً من الناحية الظاهرية، لكنّه غير مبرّر من الناحية الأخلاقية الإنسانية، ولا من الناحية الدينية في مقام أولى. فالشعب الصومالي بأطفاله ونسائه وشيوخه يدفع الآن ثمن تراكمات من الأخطاء السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة لما تبديه الطبيعة بين الفينة والأخرى من شراسة الجفاف والقحط. كذلك لا نغفل انشغال المنطقة العربية بمخاضاتها الثورية نحو غدٍ مختلف مستنشق للحرية. إلى جانب تعمّد بعض السلطات إبقاء الأزمات على حالها، بل تصعيدها لإلهاء العيون والآذان عن ممارسات قمعية وحشية تمارسها ضد شعوبها. أو للفت نظر تلك الشعوب إلى العيّنة الصومالية الدالّة على ما تحدثه الفوضى السياسية والتنازل عن الحاكم المطلق من فقر ومجاعات ومشاكل، ولا بدّ لهذه العيّنة أن تستمرّ، بل وتُضخَّم، ليكون الكلام مقنعاً! ولا ننسى ما يمرّ به العالم من أزمات اقتصادية وانتكاسات مالية حتّى في بؤر الثراء والرخاء العالمي نفسها، وهذا يجعل كفّ المساعدة شبه مشلولة، أو متردّدة في التخلّي عن اللقمة لصالح أفواه الجياع الصوماليين.

لكلّ تلك الأسباب نجد الصوماليين يموتون جوعاً في القرن الأفريقي الذي ما عاد قرناً منذ زمن بعيد، والعالم يشيح بوجهه عن مأساتهم، بل ويراقب بعيون بلهاء بليدة أطفالاً يلفظون أنفاسهم الأخيرة عبر أقفاص صدرية لم يبق عليها أي لحم! وأمّهاتٍ صرن يطبّقن نظرية "دارون" البقاء للأكفأ، فيتخلّين عن كلّ أولادهنّ لصالح واحد تتوقّع الأمّ أنّ لديه القدرة لمواجهة الموت فتحتفظ به! فكما تسجّل كاميرات المصوّرين هذا التلاشي والفناء البشري بدون أن يرفّ لها جفن أو يتحرّك لها شعور أو تسيل لها دمعة. وهي معذورة لأنّها آلات جامدة، فالعالم في معظمه يراقب تلك المآسي بدون أن يرفّ له جفن أو يتحرّك له شعور أو تسيل له دمعة، وهو ليس معذوراً كالكاميرات لأنه بشر يمتلك الإحساس والدمعة، والأكثر من ذلك يمتلك المال والجواهر وحقول النفط والمصانع والحقول والمزارع الهائلة، ويمتلك الوسائل الكفيلة بتوصيل المساعدات بأسرع وقت، على الأقلّ بالسرعة التي تحرّك بها حلف الناتو لضرب القذّافي وقواته تحت ذريعة إنقاذ الشعب الليبي من إبادة كان يمارسها ذلك الدكتاتور كما صورته وسائل الإعلام. 


 

Script executed in 0.034029006958008