أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

طرابلس أمام فرصة تاريخية لإنجاز مشاريعها المتوقفة منذ العام 2002

الأحد 31 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,080 زائر

طرابلس أمام فرصة تاريخية لإنجاز مشاريعها المتوقفة منذ العام 2002


إلا أن المفارقة المؤسفة في طرابلس، أنها مع دخول العام 2011 وبدلاً من أن تنعم بالمشاريع التي أقرت لها منذ تسع سنوات، ما تزال ترزح تحت وطأة الحرمان والإهمال. وتشهد مزيداً من التراجع في كل مرافقها ومقدراتها والتي كانت بحال أفضل في العام 2002، فضلاً عن الأرقام المخيفة الصادرة عن المؤسسات الدولية حول الفقر، والبطالة، والتسرب المدرسي، التي تتزايد يوماً بعد يوم، بفعل السياسة التي اتبعتها الحكومات السابقة لجهة اشراك طرابلس بالغرم في كل الاستحقاقات وتحييدها أو تغييبها عن الغنم بمختلف أنواعه. 
مشاريع لم تنفذ
ولم يعد خافياً على أحد في طرابلس أن من أبرز الأسباب التي أدت الى تصاعد حالات الحرمان والتهميش في المدينة ومناطقها الشعبية الفقيرة، هو غياب ثقلها السياسي، لا سيما بعد العام 2005، والذي كان يشكل قبل ذلك عامل ضغط على السلطة المركزية لتحصيل حقوق المدينة ومراقبة مشاريعها وإعطائها الدفع اللازم لإنجازها بحسب دفاتر الشروط، وضمن المهل المحددة. وكما بات معروفاً، أن طرابلس لم تحصد غلة انتمائها السياسي طيلة الفترة السابقة، لأن أكثرية نواب المدينة الذين انتخبهم الطرابلسيون على مدى دورتين انتخابيتين لأسباب سياسية، وفي أجواء طائفية ومذهبية، لم تشهد المدينة مثيلاً لها من قبل، قد غضوا الطرف عن متابعة كثير من المشاريع التي أقرت، وعن أخرى بدأت ولم تنفذ بالشكل الصحيح وذلك نتيجة موالاتهم للسلطة التي أغرقت طرابلس في بحر من الأزمات، وكان جزاء المدينة التي منحت الأكثرية للسلطة أن حرمتها من حقوقها الإنمائية والاجتماعية ومن المشاريع المقررة لها. وتتطلع المدينة إلى اغتنام فرصتها الذهبية المتمثلة بوصول ابنها نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة، والحصة الوزارية الوازنة والاستثنائية، التي حصلت عليها من خلال أربعة وزراء، للخروج من واقعها المرير والاستفادة من السلطة المركزية. 
لم تكتف حكومات ما بعد العام 2005 بعدم إعطاء طرابلس حقها، بل ان ثمة شواهد عديدة تدل على اتباعها سياسة اللامبالاة والاستهتار بحق طرابلس، حيث أن كثيراً من المشاريع نفذت بشكل خاطئ، أو لم تكتب لها النهاية السعيدة، انطلاقاً من «مشروع القاعة الرياضية»، الذي توقف العمل فيه لأسباب مجهولة، مروراً بفضيحة مصلحة الدروس في وزارة الأشغال، التي أخطأت في تحديد كميات الباطون لسلسلة مشاريع كان من المفترض أن ينطلق العمل بها مطلع العام الحالي، وفي مقدمتها إنشاء ثلاثة جسور في محلة البحصاص عند مدخل طرابلس الجنوبي، ما أدى إلى قيام وزير الأشغال السابق محمد الصفدي إلى تحويل الملف على التفتيش المركزي لمحاسبة المقصرين، وقيام وزير الأشغال العامة غازي العريضي بتحطيم الحجر الأساس بعدما وضعه بأربعين يوماً، حيث اكتشف أن ثمة استحالة في تنفيذ المشروع، وصولاً إلى الزيارة التي سميت إنمائية لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى طرابلس قبيل انتخابات العام 2009، حيث دشن «محطة تكرير المياه المبتذلة»، وحتى اليوم لم تصل إليها شبكة المجاري، وقيامه بوضع الحجر الأساس للاتوستراد الدائري للسقي الغربي، الذي لم يلحظ فيه أي جسور، ورغم تصحيح دراسته فإن العمل فيه لم يتقدم. 
ذلك بالإضافة إلى الحفر المختلفة الأحجام والأشكال، التي تجتاح شوارع طرابلس منذ سنوات، وخسارة طرابلس لـ «المعرض الصيني الدائم»، في «معرض رشيد كرامي الدولي»، ولفندق ثلاث نجوم كانت تنوي شركة سعودية بناءه في شارع عزمي، وافتقار شوارع المدينة لإشارات السير الضوئية... ويتطلع الطرابلسيون إلى مرحلة جديدة مع ولادة الحكومة الميقاتية لجهة قيام إنماء جدي، يساهم في تحريك عدد من المشاريع الملحة، وفي إخراج بعض الملفات من أدراج الوزارات بعدما «نامت نومة أهل الكهف»، والعمل على تحقيق استقرار أمني عبر السعي لإيجاد مصالحة فعلية بين التبانة وجبل محسن تعيد المياه الى مجاريها، وذلك لتشجيع أصحاب رؤوس الأموال على إقامة المشاريع الاستثمارية، وإيجاد فرص عمل للشباب، ما يؤدي إلى إيقاف الاتجاه الانحداري الذي تسلكه العاصمة الثانية منذ فترة طويلة. 
أرقام لا تبشر بالخير
دقّ «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» ناقوس الخطر حيال طرابلس كأسوأ مدينة من ناحية المشكلات الاجتماعية على ساحل المتوسط، الأمر الذي يلفت نظر المجتمع الدولي إليها ويدفع المؤسسات الأوروبية عموماً و«البنك الدولي»، بشكل خاص إلى الاهتمام بها وتخصيصها بسلسلة مشاريع تتعلق بتأهيل الشباب وتدريبهم مهنياً، وإقامة الحدائق والملاعب، بكلفة تصل الى نحو 30 مليون دولار أميركي، تخوفاً من الفقر المنتشر أفقياً في طرابلس. وتشير الإحصاءات إلى أن ورقة العمل الموحدة التي أقرت في «مؤتمر إنماء طرابلس»، تضمنت 80 مشروعاً في قطاعات وميادين مختلفة على أن يكون 70 بالمئة من تمويلها خارجياً، و30 بالمئة داخلياً («مجلس الانماء والاعمار»، ووزارة الأشغال، ووزارة التربية، و«الصندوق البلدي المستقل») على أن تنفذ تلك المشاريع في مهلة أقصاها العام 2011. 
وقد شهدت الفترة الممتدة بين أعوام 2002 و2006 تنفيذ 13 مشروعاً، بكلفة 79 مليون دولار لجهة إنهاء مرحلة من مراحل تطوير مرفأ طرابلس وتوسيعه، تأهيل وتجهيز «مستشفى طرابلس الحكومي»، وترميم بعض المدارس والثانويات، وإنجاز شبكة الصرف الصحي وشبكة الأمطار، وإنشاء مرفأ للصيادين، والمسبح الشعبي الذي ما يزال يعاني من أزمة التلوث، وترميم واجهات الأسواق الداخلية، ومشاريع بنى تحتية أخرى. 
أما الفترة الممتدة بين أعوام 2006 و2009 فقد تضمنت 25 مشروعاً نفذ منها تسعة، وهي مراحل تتعلق بحماية الإرث الثقافي، ومحطة التكرير (افتتحت من دون أن تصلها المياه المبتذلة)، وإطالة استخدام مكب النفايات، وإصدار المرسوم المتعلق بمشروعي الضم والفرز في بساتين وزيتون أبي سمراء، والمخطط التوجيهي لطرابلس الذي تمت الموافقة عليه من قبل «مجلس الانماء والإعمار» وبلدية طرابلس وينتظر توقيع مجلس الوزراء. و13 مشروعاً قيد التنفيذ جرى تمديد المهل لها، وهي تتعلق بمراحل إضافية من حماية الإرث الثقافي، وبناء مدارس ومهنيات ومعهد فندقي، والمرحلة الأولى من المبنى الجامعي الموحد، وأخرى تتعلق بالبنى التحتية، و«مشروع الشراكات المبتكرة لدعم التواصل بين المناطق». بالإضافة إلى مشروعين لم يبدأ العمل فيهما وهما، ترميم وتأهيل مسلخ طرابلس، وبناء محطة التسفير في البحصاص، فضلا عن صعوبات تواجه المشروع المشترك المتعلق بتأهيل طريق المرفأ حتى مستديرة أبو علي، وتأهيل الشارع الممتد من ساحة التل حتى السرايا العتيقة، وتأهيل طرقات منطقة الضم والفرز في أبي سمراء. 
كما تضمنت تلك المرحلة تحضير 26 مشروعاً كان من المفترض أن ينفذ منها 16 بين العامين 2008 و2009، لكن معظمها يواجه عراقيل كثيرة، وهي، إنشاء مبنى لسكان خان العسكر (جرى الانتهاء منه قبل أيام وانتقلت الدفعة الأخيرة من شاغلي الخان إلى المباني أي بعد سنتين من التأخير)، وتأهيل خان العسكر، وتأهيل قلعة طرابلس، وتأهيل مدرسة التل، وتجهيز مدرسة القلمون، وإنشاء معهد فني صناعي في الميناء، وتجهيز مدرسة مهنية في أبي سمراء، وتجهيز المعهد التربوي للتدريب في أبي سمراء، وتجهيز مهنية البداوي، وتأهيل وتجهيز «مستشفى اورانج ناسو»، وإنشاء المصب البحري في طرابلس، وإنجاز الشبكات الثانوية والفرعية في البداوي، وتأهيل شارع سوريا، وإنجاز القاعة الرياضية في الميناء، وسوق الخضار بالجملة. 
إضافة إلى 11 مشروعاً من المفترض أن تنفذ خلال عامي 2010 و2011 لم تتحرك عجلتها، وهي: إنجاز شبكات المياه المبتذلة قسم القلمون ـ طرابلس، واستقدام معدات إضافية لـ «مستشفى طرابلس الحكومي»، الأوتوستراد الدائري الغربي قسم الميناء ـ البداوي (2010)، وإنشاء ثانوية في التبانة، ومدارس في محرم، وبعل محسن والتبانة، وإستكمال المبنى الجامعي الموحد، وإنجاز خط الصرف الصحي الساحلي والشمالي، والاوتوستراد الغربي قسم القلمون ـ دير عمار (2011) وغيرها من مشاريع البنى التحتية. 
الأهم لم يرَ النور
اما المشاريع التي لم يتخذ أي خطوة بشأنها من خطوات التنفيذ فهي المشاريع الأهم التي تعتبر الحجر الأساس في تحريك اقتصاد طرابلس ومنطقة الشمال عموما، وهي «معرض رشيد كرامي الدولي»، لجهة إنجاز المسرح الفني «دوم» وإقامة متحف للعلوم التكنولوجية او المدينة التكنولوجية، إستثمار المساحات المسقوفة التي لم يتم تأهيلها. ومصفاة النفط: تأهيلها على طريقة BOT، وإعادة تأهيل خط الانابيب الممتد من المصفاة إلى العراق. و«مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض» في القليعات: تشغيله، وإقامة منطقة حرة فيه. وجزر الميناء: إستثمار إحدى الجزر على طريقة BOT لإقامة مشاريع سياحية بيئية وصحية. بالإضافة إلى الطرق والنقل: إعادة تنظيم المرور وتخطيط أماكن الوقوف في المدينة، وتأمين شبكة النقل المشترك بين طرابلس وأقضية الشمال، وتوسيع الطرق حول قلعة طرابلس، وتأهيل خط سكة الحديد، و«مشروع سوليدير 2» في منطقة التل، الذي اقترحه توفيق سلطان على الرئيس الشهيد رفيق الحريري ووافق عليه. 
وكذلك مشاريع القطاعات الصناعية، لجهة تكليف «المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات IDAL»، دراسة أوضاع القطاعات الصناعية (المفروشات، والحرف التقليدية، والألبسة الجاهزة، وصيد السمك وغيرها). أما مرفأ طرابلس، الذي انطلق مشروع تطويره وتعميقه بقوة دفع الوزير غازي العريضي، وهو يسير بخطى ثابتة نحو الانجاز ومن المفترض أن يبصر النور في وقت قريب حيث يصبح قادراً على استقبال أكبر أنواع السفن، في حين ما تزال المنطقة الاقتصادية الحرة تنتظر المراسيم التطبيقية. 
ذلك على الصعيد العام، أما على الصعيد البلدي، فإن بلدية طرابلس ما تزال تعاني من آثار حرمانها من عائداتها من الصندوق البلدي المستقل، حيث انخفضت تلك العائدات في السنوات الماضية إلى 18،3 بالمئة مقابل زيادة عائدات بلدية بيروت إلى 43،2 بالمئة. وأمام ذلك الواقع فإن بلدية طرابلس تحتاج إلى زيادة ملموسة في العائدات من «الصندوق البلدي المستقل» (تشير المعلومات إلى أن مبالغ كبيرة ستصلها في المرحلة المقبلة)، كما تحتاج إلى قروض عاجلة وميسّرة وإلى هبات أو مساعدات مالية لإنجاز تطلعاتها. 
وقد ورثت البلدية الحالية التي انتخب مجلسها في العام 2010 من البلدية السابقة، روزنامة تتضمن سلسلة مشاريع ما تزال تنتظر إيجاد التمويل لإنجازها ومنها، تحويل «ملعب رشيد كرامي البلدي» إلى مجمع رياضي، وإقامة مبنى لمعهد العلوم التطبيقية والاقتصادي CNAM، وإنشاء مرأب لانطلاق السيارات العمومية تحت «ساحة جمال عبد الناصر - التل»، وإقامة محطة انطلاق للسيارات العمومية جنوبي المدينة، وإقامة سوق موحّد للباعة المتجوّلين (1200 بائع متجول)، ومشروع لدعم القطاع الحرفي. 
وثمة من يقول في طرابلس، إن المدينة اليوم أمام فرصة لا تتكرر في تاريخها لتحريك عجلة الإنماء فيها، فإما أن تقوم الحكومة الطرابلسية المصغرة بالإفراج عما تيسر لها من مشاريع ودعم تنفيذ ما هو عالق حتى اليوم، «وإلا عبثاً نحاول تطوير مدينة طرابلس».

Script executed in 0.19745302200317