إنطلاقا من ذلك، يفترض أن يتبع تعيين المدراء، خطوات لوقف الاهتراء الاداري، تتناول تغيير بنية الوزارات والمؤسسات العامة نفسها، والإجابة عن أسئلة عدة، تبدأ من: ما هو عدد الموظفين، وأين الفائض منهم، وأين تكون الحاجة إليهم؟ ثم: كيف تعد كل وزارة أو مؤسسة موازنتها، وما هي المشاريع التي تنفذها، وما الجدوى منها؟ ما هو دور وسائل الرقابة على عمل الوزارات والمؤسسات؟
وقد بات معروفاً أنه لم تجر إعادة هيكلية للبنى الإدارية والوظيفية في غالبية الوزارات والمؤسسات العامة في لبنان، منذ عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، أي منذ ستينيات القرن الماضي. وما زال احتساب الشغور الوظيفي، يستند إلى الوظائف التي لحظت منذ ذلك التاريخ.
أما طريقة إعداد الموازنات فيشرف عليها كل من الوزير والمدير العام. وهناك من يقول، من قلب الإدارة ومن أصحاب الخبرة، إن هناك مشاريع كثيرة بلا جدوى تُطلب لها موازنات، ومشاريع لا تقوم أصلاً على دراسة جدوى، بل هي عبارة عن تنفيعات خاصة، وذلك يستلزم استقصاء خاصاً بكل وزارة ومؤسسة على حدة.
أما الرقابة على الوزارات والمؤسسات العامة فهي تخضع بالدرجة الأولى للتفتيش المركزي، لكن صلاحيات التفتيش المركزي تقتصر حتى اليوم على مراقبة الدوامات، والنظر في شكاوى الاختلاس المالي. وتوجد حالياً دراسة لتعديل دور التفتيش المركزي جذريا، بحيث يعطى صلاحية الرقابة المالية في الوزارات والمؤسسات.
هيكليات الوزارات في الأدراج منذ العام 2004
تطرح مسألة هيكلة الوزارات والمؤسسات العامة على طاولة البحث، منذ وقف الحرب الأهلية، وتشكيل أولى الحكومات بعد اتفاق الطائف. لكن القرار الأول الذي اتخذه مجلس الوزراء لإعادة الهيكلة، كان في العام 2002، وأصدر بموجبه رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري تعميماً إلى جميع الإدارات العامة والمؤسسات العامة لتحديث هيكلياتها، بعد القرارات التي اتخذت في العام 2000، وقضت بدمج وزارات وإلغاء وزارات وإنشاء وزارات جديدة.
وقد استند الحريري في التعميم إلى توجهات الحكومة نحو ترشيد الإنفاق عامة، وتقليص حجم الإنفاق الإداري خاصة، وصولاً إلى إدارة حديثة ومتطورة ذات كفاءة عالية، مدربة على تقنيات المعلومات والإتصالات، من أجل تأمين خدمات المواطنين بمستويات عالية وسريعة وبأقل كلفة ممكنة. وطلب الحريري تلافي الهيكليات الفضفاضة، وجعلها مصغرة ومختصرة قدر الإمكان، بما يؤمن سرعة سير المعاملات وإيصال المعلومات إلى المراكز الوظيفية المعنية. كما طلب التركيز على المستجدات في علم الإدارة، لجهة لحظ وحدات إدارية مختصة بالتخطيط والبرمجة وتقنيات المعلومات والاتصالات والتوثيق واستقبال المواطنين، وتقديم الإيضاحات لهم عبر إنشاء مكاتب استقبال خاصة بهم.
ودعا الحريري في التعميم إلى إنجاز المهمة بالسرعة القصوى، وتشكيل فرق لتلك الغاية من الإدارات المختصة، مع التأكيد على الاستعانة بأهل الاختصاص في كل وزارة. وفوّض وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية تأليف اللجان، على أن تسمّي كل وزارة مندوبيها، وتودع الأسماء لدى مكتب وزير التنمية الإدارية، خلال مهلة أسبوع من تاريخ صدور التعميم.
وبعد ذلك، يتم تشكيل اللجان من مندوبين عن الإدارات المعنية، ومكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ومجلس الخدمة المدنية، وإدارة الأبحاث والتوجيه، لكي تتولى إعادة النظر بهيكليات الإدارات العامة وملاكاتها، وإعداد مشاريع النصوص اللازمة بذلك، تمهيداً لإقرارها في مجلس الوزراء.
وبالفعل، أجرت وزارة التنمية الإدارية، دراسات هيكلية لغالبية الوزارات وعدد من المؤسسات العامة.
ويوضح مدير التطوير الإداري في وزارة التنمية الإدارية عاطف مرعي أن الوزارات التي استثنيت من الدراسات هي وزارة الدفاع لأنها ذات طابع عسكري، ووزارة المهجرين لأنها ذات طابع مؤقت، ووزارة الاتصالات لأن التوجه كان حينها نحو خصخصة قطاع الاتصالات. أما وزارة المالية فقد جرى تلزيم هيكليتها لشركةKPMG المتخصصة بالإستشارات والتنظيم.
وقد أنهت وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية جميع الدراسات في العام 2004 تقريباً. ومنذ ذلك التاريخ، وهي ترسل كتباً إلى كل وزير جديد يتولى مهام الوزارة، من أجل تذكيره بوجود الهيكلية في حال أرادها، ولكن لم يستجب لذلك التذكير سوى عدد قليل من الوزراء.
وقد شملت الهيكليات كلا من وزارات: التربية والتعليم العالي، والثقافة، والبيئة، والشباب والرياضة، والصحة العامة، والطاقة والمياه، والشؤون الإجتماعية، والإقتصاد والتجارة، والزراعة، والصناعة، والإعلام، والسياحة.
أما الوزارات التي أخذت بها فهي ثلاث فقط: الثقافة، والبيئة، والشباب والرياضة.
ومؤخراً، اطلع وزير الزراعة الحالي حسين الحاج حسن على مشروع هيكلية الوزارة، واقترح إجراء تعديلات عليه تمهيداً لإقراره.
ولم تأخذ وزارة المالية بالدراسة، وبقيت في الأدراج، مع العلم أنها استخدمت شركة خاصة لإعدادها، بوصفها «أرفع مستوى من المختصين في الإدارة العامة في لبنان».
وبالإضافة إلى الوزارات المذكورة، أخذت مؤسسات عدة بالدراسات التنظيمية التي أعدت لها، وهي: المؤسسات العامة للمياه في بيروت وجبل لبنان والشمال والجنوب والبقاع، بينما لا يزال مشروع تنظيم المؤسسة العامة للإسكان قيد الدرس. وقررت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية تكليف لجنة لإعادة النظر في مشروع تنظيمها.
إعداد الهيكلية يستغرق 5 سنوات
لم يتوقف زمن التطوير الإداري فقط عند إدارات أنشئت منذ العام 1960، بل تستند الهيكليات الجديدة ايضا إلى تشريعات قديمة. ويستغرق إعداد كل هيكلية بموجب تلك التشريعات، فترة تصل إلى خمس سنوات، وبالتالي، يتجاوزها عالم التطوير الإداري، قبل دخولها حيز التنفيذ.
يبدأ إعداد هيكلية كل وزارة هيكلية بإجراء دراسة خاصة بالمشاكل التي تعانيها، وتتضمن إحصاء عدد الشغور الإداري، والإختصاصات الموجودة فيها أو التي تفتقدها، وتحديد دورها المرتقب في المستقبل.
في المرحلة الثانية، يتم تأليف لجنة خاصة بكل وزارة برئاسة مديرها العام، وتضم مراقباً أول من مجلس الخدمة المدنية، ومندوباً من وزارة التنمية الإدارية، ومندوباً من القطاع الخاص في حال استدعى الأمر ذلك. فمثلاً، حضر مندوب من «جمعية الصناعيين» لدى إعداد هيكلية وزارة الصناعة، ومندوب من نقابة الأطباء لدى إعداد هيكلية وزارة الصحة، ومندوب من وكالة السياحة والسفر لدى إعداد هيكلية وزارة السياحة.
في المرحلة الثالثة، ترسل الهيكلية إلى مجلس الوزراء لإقرارها، ثم يتم تحويلها إلى مجلس النواب لدراستها في اللجان المختصة، وبعد ذلك إقرارها في الهيئة العامة. وبذلك، يستغرق إقرار القانون الخاص بالوزارة فترة سنتين.
وبعد إقرار القانون، تصدر مراسيم تنظيمية لتحديد الملاك الشامل في كل وزارة، وتستدعي تلك المرحلة، بدورها، فترة سنة ونصف السنة تقريباً، لأنه يترتب إرسال المراسيم إلى مجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة، للإطلاع عليها، ثم إلى مجلس الوزراء لإقرارها.
بعد المراسيم، يأتي دور التوظيف، عبر مجلس الخدمة المدنية، ويترتب عندها إجراء مباريات التوظيف، ما يتطلب فترة سنة، ثم تدريب الناجحين في المعهد الوطني للإدارة لفترة ستة أشهر.
وفي حال سارت الأمور من دون عراقيل، فإن فترة تحويل الوزارة من هيكل قديم إلى جديد، تمتد إلى ما يقارب أربع سنوات ونصف السنة.
وهنا، يطرح مختصون في علم الإدارة سؤالاً: هل يمكن إلغاء طريقة القوانين في إجراء عمليات التعديل والتغيير، واستبدالها بالمراسيم؟ ويجيبون: إن ذلك يحصل في البلدان المتطورة، وبينها فرنسا التي أخذ لبنان غالبية قوانينه عنها. فقد تخلت الجمعية الوطنية الفرنسية عن التشريع في التعديلات الإدارية، وأصبح إنشاء الوزارات أو دمجها أو تعديل هيكلياتها يصدر بمراسيم من أجل مواكبة التحديث الإداري السريع في عصر المعلوماتية.
ولكن في لبنان يجب معرفة رأي رئيس مجلس النواب، وما إذا كان يرضى بالتخلي عن دوره التشريعي في هذه المسألة؟ علماً أن مجلس النواب اللبناني ليس أهم من الجمعية الوطنية الفرنسية.
ولاء المدير العام.. والانتماء المذهبي
يؤدي المدير العام الدور الرئيسي في عملية التحديث الإداري، لأن الوزير يتغيّر، بينما يبقى المدير العام ثابتا. لذلك يطلق عليه لقب «رأس الوزارة». وحتى الآن فإن التغيير الوحيد الذي حصل في تعيين المدراء هو اعتماد اقتراح وزير التنمية الادارية محمد فنيش القاضي بدمج الكفاءة بالانتماء المذهبي، بعدما كان الانتماء المذهبي هو المعيار الوحيد.
ويتم اختيار موظفي الدرجة الأولى حالياً أيضاً على مراحل: المرحلة الأولى انتهت، وأعد بموجبها مجلس الخدمة المدنية لوائح بموظفي الفئة الثانية الموجودين في كل وزارة ومؤسسة عامة تحتاج إلى مديرين عامين.
المرحلة الثانية بدأت، وتقضي بأن يجتمع كل وزير مختص مع رئيس مجلس الخدمة المدنية ومندوب عن وزارة التنمية الإدارية لاختيار ثلاثة موظفين من كل لائحة أعدها مجلس الخدمة.
في المرحلة الثالثة، يتم عرض أسماء الموظفين الثلاثة على مجلس الوزراء لاختيار موظف واحد لرتبة مدير عام.
وقد جرى حتى الآن اختيار مديرين عامين بموجب هذه الطريقة، هما مدير عام وزارة الصناعة داني جدعون والمدير العام للاستثمار في وزارة الطاقة غسان بيضون.
ويشترط في لائحة الموظفين الذين يتم اختيارهم أن يكونوا من مذهب المدير العام الذي شغر منصبه، وبعد ذلك، يترك الاتفاق على مبدأ المداورة بين الطوائف والمذاهب إلى مجلس الوزراء. ولدى سؤال الوزير فنيش عن مدى أهلية كل وزير أصلا لإختيار المدير العام؟ أجاب بأن منصب الوزير في كل بلاد العالم هو منصب سياسي، وإذا كان غير أهل لاختيار مدير عام يجب عندها تغيير الطريقة المتبعة في اختيار المدراء.