أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«القبة الحديدية» معادلة ردع أم مقدّمة لحرب استنزاف اقتصادية؟

الإثنين 08 آب , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,501 زائر

«القبة الحديدية» معادلة ردع أم مقدّمة لحرب استنزاف اقتصادية؟

 من «كاتيوشا» و«رعد» و«زلزال» منظومة «حزب الله» حتى «شهاب» إيران، ومن «قسّام» حركة «حماس» إلى «سكود» دمشق، أنواع متعددة، لكن الوجهة واحدة إلا وهي الأهداف العسكرية من قواعد ومطارات ومراكز حيوية واستراتيجية في الجليل والنقب وتل أبيب. 
هي المرة الأولى في تاريخ الدولة العبرية التي تقف فيها إسرائيل عاجزة عن الدفاع عن مستوطنيها بعدما كشفت «حرب لبنان الثانية»، هشاشة جبهتها الداخلية وجرّدتها من الحصانة الأمنية التي طالما تغنت بها، فاضطرت مجبرة الى تبديل العقيدة القتالية القديمة لجيشها المرتكزة على مقولة: «الجندي الإسرائيلي في ميدان الحرب يقاتل، والفلاح (المستوطن) يحرث الأرض بسلام واطمئنان» فلم يعد ذلك الجندي يحمي الفلاح بل أن كليهما أصبحا يبحثان عما يقيهما خطر استهداف الصواريخ حيثما كانا.
القناعة السائدة في المحافل الأمنية والعسكرية الإسرائيلية آخذة في التزايد من حتمية انتقال ساحة الحرب المقبلة إلى عمق الجبهة الداخلية، مهما اتخذ من إجراءات و«قبب حديدية» نظرا لما يشكله هذا الاستهداف من حرب استنزاف مؤذية لإسرائيل على كل الأصعدة، في ضوء نجاح «حزب الله» في تطبيق المفهوم القتالي القائم على فرضية أن هذه الجبهة هي الحلقة المكشوفة والأضعف في إسرائيل، ومن هنا فإن زعزعتها أو كسرها من شأنه أن يقلب الموازين على الرغم من تفـوق تل أبيب عسكرياً وتقنياً.
ما تزال تداعيات حرب لبنان الثانية، ماثلة في الوجدان الإسرائيلي، وهو ما لخّصه الكاتب الإسرائيلي في صحيفة «هآرتس» آري شبيط قائلاً «الشعور الصعب الذي خلفته الحرب هو أنه لا توجد دولة. لا يوجد من يُدبر أمور مدن الأشباح في الشمال ولا يوجد من يعالج شؤون الهاربين من الشمال. ولا يوجد تكافل يربط الشمال بالجنوب والمركز».
باتت إسرائيل بعد الحرب «مسكونة» بتحصين هذه الجبهة وخصصت فرقاً عدة من الخبراء لدراسة ما يتعلق بها، خصوصاً معادلة حرب الصواريخ التي أثبتت نجاحها من قبل «حزب الله» الذي أطلق طيلة 33 يوماً دون انقطاع ما يزيد على 4000 صاروخ من أنواع وعيارات مختلفة، عجزت إسرائيل عن مواجهتها بالرغم من الهوة الهائلة بين القدرات التقنية لكل من «حزب الله» والجيش الاسرائيلي.
هذا الفشل الذريع شكل حافزاً للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتطوير شبكة دفاعية فعالة لحماية هذه الجبهة من الهجمات الصاروخية القصيرة المدى والقذائف المدفعية، فوقع الاختيار من قبل وزير الدفاع الاسرائيلي السابق عمير بيريتس في العام 2007 على منظومة «القبة الحديدية» كحل دفاعي لإبعاد خطر الصــواريخ القصيرة المدى، حيث تم البدء بتنفيذها ضمن مشروع متكامل يشمل ايضاً منظومتي «العصا السحرية» او «مقلاع داوود» للصواريخ المتوسطة، و«حيتس» او «السهم» للصواريخ البعيدة.
تتألف منظومة «القبة الحديدية» من ثلاثة اقسام: جهاز رادار + نظام تعقب + بطارية صواريخ.
القسم الأول: الرادار هو من طراز «روز» يقوم برصد الصواريخ القصيرة المدى عند إطلاقها من جنوب لبنان او قطاع غزة وتحديد مداها واتجاهها بعد إطلاقها بثوان عدة.
القسم الثاني: نظام تعقب وإدارة نيران مهمته توجيه الصواريخ التابعة للمنظومة بعد إطلاقها في الجو. 
القسم الثالث: تحتوي بطارية الصواريخ على عدد من المقذوفات تحمل 20 صاروخاً من طراز «تامير» مهمتها اعتراض الصواريخ القصيرة المدى.
تعتبر آلية عمل هذه المنظومة بسيطة نوعا ما، وأهم ما يميزها هو الرادار المحلق بها والتي قامت بتصنيعه شركة «التا» الإسرائيلية التابعة للصناعات الجوية. فهذا الرادار المتفوق يستطيع خلال أجزاء من الثانية، بحسب المصادر العسكرية الإسرائيلية، «كشف وحساب مسارات أي صواريخ يتم إطلاقها تجاهه»، كما يقوم «بحساب نقطة سقوط الصواريخ المقترحة، وبالتالي تشغيل صفارات الإنذار في المنطقة التي يتوقع أن تسقط فيها». 
بعد هذا الرصد، تقوم منظومة الرادار بإرسال معلوماتها الخاصة بالصواريخ التي تم التقاطها إلى وحدة القيادة والسيطرة، التي تقوم بدورها بتغذية الصواريخ المضادة بهذه المعلومات، وبعد إتمام عملية التزويد هذه، تنطلق الصواريخ مباشرة، لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى المتجهة إلى إسرائيل، معتمدة في ذلك على المعلومات التي زودها بها الرادار. وعند اقتراب الصواريخ الاعتراضية التابعة للمنظومة من صواريخ «حزب الله» أو «حماس» القصيرة المدى تقوم بالإقفال عليها حرارياً وتفجيرها. 
ويعكف الخبراء العسكريون على إدخال تطويرات إضافية على المنظومة، بالعمل على جعل رادار المنظومة قادراً على تزويد بطاريات المدفعية الإسرائيلية، بإحداثيات عن نقطة انطلاق الصواريخ لقصفها ومهاجمتها وتدمير منصاتها في الأماكن التي تتواجد فيها.
وقد بلغت كلفة تطوير المنظومة ما يقارب 210 ملايين دولار، وهي من إنتاج شركة «رفائيل» للأنظمة الدفاعية المتطورة، وتخضع منذ العام 2007 لاختبارات وتجارب عدة. 
دخلت المنظومة الخدمة الفعلية في منتصف 2010 بعد إعلان إسرائيل رسمياً عن نجاح التجارب الأخيرة التي أجريت عليها، وتم نشر بطارية في مدينتي اشكنون وبئر السبع.
ويقول الإسرائيليون إن هذه المنظومة حققت نجاحاً نسبياً في نيسان الماضي عقب توتر الوضع الأمني في غزة وقيام المقاومة بإطلاق عشرات الصواريخ وقذائف الهاوون على المدن والمستوطنات الإسرائيلية. حيث استطاعت المنظومة اعتراض وإسقاط ثمانية صواريخ، من أصل ما يقارب 120 صاروخاً!
غير أن الإنجاز التي احتفى به القادة الصهاينة سرعان ما تبدّد، على اثر تحذير المحافل العسكرية من أن يستنزف استخدام المنظومة ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية، خصوصاً بعد كشفها عن أن كلفة اعتراض 8 صواريخ «غراد» ما بين 7 و9 نيسان 2011 بلغت 1.1 مليون دولار، انطلاقاً من أن الكلفة الحقيقية لكل اعتراض تبلغ 40 و50 ألف دولار، معربةً عن خشيتها من أن يستغل كل من «حزب الله» و«حماس» هذا الأمر بالعمل على إطلاق بضع مئات من الصواريخ يومياً لإدخال إسرائيل في «حرب استنزاف اقتصادية» وإنهاك ميزانيتها الدفاعية. 
فإسرائيل، بحسب محللين عسكريين، تحتاج على الأقل الى نحو 20 بطارية لحماية حدودها الشمالية والجنوبية، مما قد يجعل كلفة استخدامها في أي معارك قادمة تتعدّى المليار دولار يومياً، خصوصاً أن التقديرات تشير الى سقوط ما يقارب 700 صاروخ يومياً في أي حرب مقبلة، إضافة الى الخسائر الاقتصادية التي ستمنى بها والناجمة عن شلّ المرافق الاقتصادية وإبقاء مئات الآلاف من المستوطنين في ملاجئهم، أي الحيلولة دون توجههم الى مراكز عملهم، وهذا البعد الاقتصادي يطرح تساؤلات عميقة حول الاستمرارية في الرهان الاستراتيجي على هذه المنظومة.

Script executed in 0.035009860992432