وقد بات منصب رئيس مجلس القضاء شاغراً منذ إحالة القاضي غالب غانم على التقاعد في الثاني من كانون الثاني 2011، ولم تستطع حكومة الرئيس سعد الحريري تدارك الأمر بتعيين قاض ماروني قبل انفراط عقدها في 12 كانون الثاني 2011، كما أنّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لا تزال تتأنّى في إجراء التعيين المناسب، مع أنّ هذا التأخير أضرّ بالسلطة القضائية ورتّب تأخيراً في أمور مختلفة هي التالية:
أوّلاً: إجراء تشكيلات قضائية واسعة تعيد الاعتبار إلى عدد من القضاة النزيهين بعدما جرى التعاطي معهم في التشكيلات السابقة التي حصلت في عهد الوزير إبراهيم نجّار بطريقة كيدية، وهذا ما حدث على سبيل المثال لا الحصر، مع القاضي جون القزي الذي سطّر اجتهادات وأحكاماً راقية في موضوع الأحوال الشخصية استحوذت على اهتمام وتقدير المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان، وبدلاً من أن تقوم وزارة العدل ومجلس القضاء بتكريمه وتشجيعه، «تعاونا» بالتكافل والتضامن وعن سابق إصرار وترصّد، على نقله من منصبه كرئيس لمحكمة البداية في جديدة المتن، إلى مستشار في محكمة التمييز المدنية كمؤشّر على رفضهما لهذه الأحكام والقرارات التي دخلت تاريخ لبنان من بابه العريض.
وإذا كان قضاة يعتقدون في مجالسهم الخاصة بصعوبة إجراء تشكيلات واسعة، فإنّهم يعتبرون أنّ البديل هو القيام بمناقلات في غير مركز، يجريها مجلس القضاء في سنته الأخيرة قبل انتهاء ولايته في منتصف العام 2012، تطاول مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الدائمة صقر صقر على خلفية ما حصل مع الضبّاط الأربعة واستقدام شهود زور، وتملأ المراكز الشاغرة ومنها نائب عام استئنافي في بيروت من الطائفة الأرثوذكسية بعد تقاعد شاغله على مدى أحد عشر عاماً، جوزيف معماري، ومفتّش عام درزي في التفتيش بعد تقاعد حافظ العيد، والتخفيف من الانتدابات التي أطلّت برأسها، فضلاً عن ضخّ دم جديد في مراكز حسّاسة في الشقّ الجزائي وتحديداً في النيابات العامة وقضاة التحقيق.
ولا مفرّ في صيف العام 2012 من حصول تشكيلات قضائية كبيرة بسبب المجيء بمجلس قضاء جديد، وتقاعد سبعة قضاة هم: مدعي عام التمييز سعيد ميرزا في 30 تموز، والرئيس الأوّل لمحاكم الاستئناف في جبل لبنان نبيل موسى(في 28 تموز)، ورئيس الغرفة الخامسة لمحكمة التمييز المدنية جورج كرم (في 20 تشرين الأوّل)، ورئيس الغرفة الأولى لمحكمة التمييز إلياس بو ناصيف (في 9 نيسان)، والمستشاران في التمييز خالد حمود (في 10 شباط)، وربيعة عميش قدورة (في 2 آذار)، والمحامي العام الاستئنافي في الشمال توفيق جريج (في 5 شباط). ويسبق هؤلاء تقاعد رئيس الغرفة الرابعة لمحكمة الاستئناف في الجنوب خضر زنهور في 2 تشرين الأوّل 2011.
مع الإشارة، إلى أنّ مجلس الوزراء لم يبادر أيضاً إلى تعيين مفوّض للحكومة لدى ديوان المحاسبة وهو من الطائفة الكاثوليكية، وفي حال حصل ذلك، فإنّه سيقوم بنقل أحد القضاة من القضاء العدلي إلى القضاء المالي، مما يحتمّ أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.
وكلّ ذلك، من دون أن نغفل مسألة استمرار القضاة اللبنانيين المعيّنين في المحكمة الخاصة بلبنان والتجديد لهم حيث يوجد ستّة هم: نائب الرئيس رالف رياشي(استقال من القضاء اللبناني)، عضو غرفة الاستئناف عفيف شمس الدين (متقاعد من القضاء)، عضو غرفة البداية ميشلين بريدي، والعضو الرديف وليد عاكوم، ونائب بيلمار جويس ثابت ومساعدتها ماري راضي، أمّ أنّه سيجري تعيين آخرين مكانهم، وهو أمر يبتّ في شهر آذار 2012.
ثانياً: إنّ رئيس مجلس القضاء هو حكماً رئيس المجلس العدلي، ولا يزال هذا المجلس ينظر في ملفّات إرهابية منها: محاكمة المتهمّين من تنظيم «فتح الإسلام» في التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا حافلتين لنقل الركّاب في محلّة عين علق، ومحاكمة الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي وعدد من معاونيه في جريمة إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، ومحاكمة مجموعة من الإسلاميين في الشقّ المدني من قضيّة أحداث جرد الضنية بعد العفو عن الشقّ الجزائي بالتزامن مع العفو عن سمير جعجع، والمحاكمة بجريمة الزيادين، ومحاكمة موقوفين من «فتح الإسلام» بالتفجيرين اللذين وقعا في شارع البحصاص وفي التلّ في طرابلس.
وقد تكون من المرّات النادرة التي يوجد فيها حشد من القضاة الموارنة المرشّحين تلقائياً لمنصب رئيس مجلس القضاء، حيث وصلت بورصة التداولات في كواليس العدلية إلى 22 قاضياً هم عدد القضاة الموارنة ممن يحملون الدرجة 14 وما فوق، ولكنّ أبرزهم ثمانية وهم بحسب الأقدمية والدرجة: أليس شبطيني العمّ، أنطوني عيسى الخوري، شكري صادر، أرليت الطويل جريصاتي، أنطوان ضاهر، طنوس مشلب، كلود كرم، وجان فهد.
وغني عن القول أنّ الخيار السياسي لمجلس الوزراء هو الذي يرجّح كفّة هذا على ذاك من دون الالتزام بضوابط ومعايير الكفاءة والأقدمية والحضور كما حدث في تعيينات ماضية في السنوات السابقة، ولكنّها بالتأكيد المرّة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني التي تنزل فيها المرأة القاضية إلى ساحة المعركة بكلّ ثقلها، متسلّحة باتساع الوجود الأنثوي في الجسم القضائي واحتلاله مناصب راقية ومتقدّمة كعضو في مجلس القضاء الأعلى طبعته بصورتها فريال دلول، ورئاسة محكمة التمييز وقّعتها سهير الحركة، وترؤسها ولو بالانتداب، النيابة العامة التمييزية، كما فعلت ربيعة عميش قدورة في عهد وزير العدل القاضي عدنان عضوم.
وبغضّ النظر عن أسماء المرشّحين، فإنّ هناك إجماعاً في صفوف القضاة على أن يكون الرئيس المقبل لمجلس القضاء «زلمي» بكلّ ما للكلمة من معنى بعيداً عن الاستزلام لهذه المرجعية السياسية أو تلك، ويعيد الاعتبار إلى السلطة الثالثة ومن خلالها تكريس هيبة الدولة في المجتمعات، ويقلّص بحسب ما يتناوله القضاة في مجالسهم، من هيمنة مدعي عام التمييز ودوره وتدخّلاته المخالفة للقانون في غير ملفّ بحجّة مصلحة الدولة العليا، بينما لا يكون للدولة أيّة مصلحة وأيّة علاقة بالملفّ على الإطلاق، والشواهد كثيرة وغزيرة ولا يتسع المجال لذكرها.
وبما أنّ المنصب مخصّص عرفاً للموارنة من ضمن وظائف الفئة الأولى، فإنّ معركة اختيار رئيس مجلس القضاء يتجاذبها طرفان رئيسيان هما: العمادان والميشالان، رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ورئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون.
ويتمنّى أهل العدلية ألاّ تكون مدّة رئيس مجلس القضاء المقبل قصيرة قبل تقاعده بحيث لا يمكنه القيام بأيّ شيء سوى ترؤس اجتماعات المجلس وبعض جلسات المجلس العدلي ودرس بعض شؤون وشجون القضاء، ويفضّلون ألاّ تقلّ ولايته عن خمس سنوات لكي يستطيع تنفيذ مشاريعه براحة تامة.
من هم المرشّحون الثمانية الأوفر حظّاً بالاستناد إلى المداولات العدلية وسجّلات وزارة العدل:
1- أليس توفيق شبطيني العمّ، ولدت في بلدة حالات في 15 آذار 1946، ودخلت إلى القضاء في 6 آذار 1973 ودرجتها 19، وفي 12 نيسان 2012 تصبح في الدرجة 20. هي في أساس مرسوم التشكيلات القضائية الصادر في الأوّل من تشرين الأوّل 2010، والمرسوم السابق له، مستشارة إضافية لدى جميع غرف محكمة التمييز، ولكن جرى انتدابها لترأس محكمة التمييز العسكرية وهي أوّل إمرأة تشغل هذا المنصب منذ سنوات وتحديداً منذ السنتين الأخيرتين لوجود الرئيس سليمان قائداً للجيش اللبناني، مع الإشارة إلى أنّ زوجها من منطقة الرئيس سليمان. تحال على التقاعد في العام 2014.
2- أنطوني إميل عيسى الخوري، أبصر النور في بلدة بشري في 25 شباط 1947، ودخل إلى القضاء في 6 آذار 1973، ودرجته 19، وفي 28 حزيران 2012 يصبح في الدرجة 20. يرأس الغرفة العاشرة لمحكمة التمييز، وسبق له أن ترأس هيئة التفتيش القضائي بالإنابة لسنوات مختلفة بسبب الشغور. لا تربطه أيّة علاقة سياسية بحزب القوّات اللبنانية، ولكنّه وكما تقول مصادر في العدلية، أنّه كان مرشّح وزير العدل السابق إبراهيم نجّار المحسوب في الحكومة السابقة على حزب القوّات، لمنصب رئيس مجلس القضاء، لأنّه ابن بلدة سمير جعجع. يحال على التقاعد في العام 2015.
3- شكري سليم صادر، ولد في بلدة بسوس في 6 كانون الأوّل 1950، ودخل إلى القضاء في 6 آذار 1973، ودرجته 18 وتصبح 19 في 14 تشرين الأوّل 2011. كان في القضاء العدلي ونقلته قوى 14 آذار في عهد وزير العدل الأسبق شارل رزق إلى القضاء الإداري حيث ترأس مجلس شورى الدولة بالرغم من وجود من هم أعلى منه درجة وأقدمية في هذا المجلس، وذلك مكافأة له كما قال أكثر من سياسي، على تمثيله لبنان مع القاضي رالف رياشي في الاجتماعات الثنائية مع المكتب القانوني للأمين العام للأمم المتحدة لإعداد نظام المحكمة الخاصة بلبنان. يردّد عارفوه من القضاة في العدلية أنّه يسعى إلى التقرّب من العماد عون لعلّه يظفر بمنصب رئيس مجلس القضاء بعد إعادته إلى القضاء العدلي، ولكنّ أغلبية فريق 8 آذار والأكثرية الجديدة ولاسيّما المسيحية منها، تضع «فيتو» عليه، ممّا يعني وجود استحالة في تحقيق حلمه، وذلك بسبب دوره في إعداد نظام المحكمة والشوائب الكثيرة التي تعتري هذا النظام برأي قضاة وحقوقيين كثر. يحال على التقاعد في العام 2018.
4- أرليت بطرس الطويل جريصاتي، مسجّلة على أنّها ولدت في23 آذار 1947 في مدينة زحلة مسقط رأس زوجها القاضي جوزيف جريصاتي الذي كان يتلو مقرّرات حكومة عون العسكرية، ودخلت إلى القضاء في 6 آذار 1973، وهي في الدرجة 18 وتصبح في الدرجة 19 في 14 تشرين الأوّل 2011. تعمل مستشارة أصيلة في الغرفة الثامنة لمحكمة التمييز المدنية وسبق لها أن ترأستها بالانتداب بعيد تقاعد رئيسها القاضي شبيب مقلّد. تحال على التقاعد في العام 2015.
5- أنطوان بشارة ضاهر، ولد في بلدة بلاط جبيل في 4 تشرين الثاني 1945، ودخل إلى القضاء في 10 أيّار 1974، ودرجته 17 وتصبح 18 في 30 آذار 2012. يرأس الغرفة التاسعة لمحكمة التمييز المدنية، وبحسب توزيع الأعمال بين محاكم التمييز ينظر في جرائم المطبوعات، وهو من منطقة الرئيس سليمان. يحال على التقاعد في العام 2013.
6- طنوس حليم مشلب، ولد في بلدة شوريت في 4 تشرين الأوّل 1949، ودخل إلى القضاء في 24 تشرين الثاني 1981، وكان في الخدمة الرسمية منذ 12 آب 1971، درجته 15، وتصبح 16 في 24 تشرين الثاني 2011. يرأس الغرفة العاشرة لمحكمة الاستئناف في بيروت الناظرة في قضايا الجنح، ويدعم ترشيحه جمع كبير من القضاة كونه مستقلاً، بينما يرى آخرون أنّه «عوني» الهوى وهو ما أدّى إلى استبعاده عن ترؤس النيابة العامة في جبل لبنان في التشكيلات الأخيرة علماً أنّه كان قريباً من استلامها، ويجمعون على سيرته الحسنة. يحال على التقاعد في العام 2017.
7- كلود طانيوس كرم، ولد في بلدة الحدث في 31 أيّار 1952، ودخل إلى القضاء في 3 آذار 1978. درجته 15 وتصبح 16 في 24 تشرين الثاني 2011. وهو النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان بناء على التشكيلات القضائية الأخيرة التي أجراها وزير « القوّات اللبنانية» نجّار في تشرين الأوّل 2010. يحال على التقاعد في العام 2020، ولا يزال أمامه مجال كاف للحلول في منصب رئيس مجلس القضاء، باعتبار أنّ العادة درجت على أن يمكث الرئيس العتيد بين ثلاث وخمس سنوات كحدّ أقصى.
8- جان داوود فهد، ولد في بلدة عشقوت في 7 شباط 1955، ودخل إلى القضاء في 23 كانون الثاني 1980، درجته 15 وتصبح 16 في 27 كانون الثاني 2013. هو الرئيس الأوّل لمحاكم الاستئناف في بيروت بعدما شغل منصب مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الدائمة وأصغر المرشّحين الجدّيين سنّاً، ولا يزال أمامه متسع من الوقت للوصول إلى رئاسة مجلس القضاء على غرار زميله كلود كرم، إذ أنّه يحال على التقاعد في العام 2023، أيّ بعد 12 سنة، وهي فترة طويلة نوعاً ما، وقد تشهد تعيين أكثر من رئيس واحد لمجلس القضاء.