تتحول قاعة «لو رويال» إلى ما يشبه ساحات الاحتجاج العونية الغابرة. تراهم هنا كلهم، بحماسة شبابه وشغب شاباته وغمراتهم بعضهم لبعض وأحلامهم الغريبة والتطلعات المستحيلة. ينسون فجأة البذلات الرسمية، و«السيغار» الذي يتعلم بعضهم تدخينه، وربطات العنق البرتقالية الساذجة، وأقنعة التنظير السياسي ليعيشوا لحظة ماضية، مرّ عليها أكثر من سبع سنوات. ورغم كثافة الحشد، يمكن تصيّد غياب هذا أو ذاك: حكمت ديب 7 آب ليس هنا، نعيم عون غائب، إلسي مفرج مشغولة، أنطوان نصر الله لم يصل، وآخرون ممن لم يسعفهم عذر للغياب سابقاً. تقدم الزميلة جوزفين ديب الاحتفال، تعلن 7 آب لحظة تعارف مع شباب لا بدّ أن تحبهم من النظرة الأولى. تُقدم الأخوين لطيف: الصورة التي حفظها كثيرون لصبية ترتمي على أخيها لتحميه من عنف العناصر الأمنية، بات لها صوت: نحن كنّا بداية الربيع العربيّ. بعدهما رندى المر، تشدد هذه على وجوب الكلام باللبناني لا العربي، معتبرة أنه ما من ربيع عربي، فالعرب في خريف دائم. نمرود التيّار زياد أسود، تقول ديب، صار نمرود جزين ونائباً عن الأمة. يقرأ أسود من الدفاتر العونية القديمة: «نحن جيل دفعنا وندفع ثمن سنوات التخاذل والتنازل وتسليم الطبقة السياسية الضعيفة بمشيئة الغرباء». أما جبران باسيل فوضع بكلمته القاسية أكثر من إصبع في جرح بعض الناشطين في التيار: «7 آب ليست البداية ولا النهاية، هي محطة». بمعنى آخر: لا تتوقفوا عند زنازين 7 آب، اخرجوا منها، معتبراً أن «النضال» العوني على طريقة 7 آب مستمر في مجلسي النواب والوزراء. وفي موقف يعبر عن جبران باسيل جيداً، رأى وزير الطاقة أن الحل للمشاكل والخلافات التي تنشأ بين العونيين بشأن تنظيم تيارهم يكمن في عيني الجنرال، منطلقاً في شعر تمجيدي للعماد عون.
تتحرك القاعة مع تحرك الجنرال عن كرسيه: مرت ست سنوات على وجوده بينهم وما زال العونيون يتصرفون كأنهم يرونه لأول وآخر مرة. «ذكرى 13 تشرين ليست لنا، ستكون لغيرنا»، يقول عون. كاشفاً عن استصعابه 7 آب لأن «قلق القائد يكون أكبر بعيداً عن عسكره». يصفق «العسكر». أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فيقول عون: «كان يقال وين ما تحبل بتخلّف بلبنان، بس هالمرة حبلت بلبنان وخلفت وين ما كان». تفرح رندى المر و... سعيد عقل الغائب الحاضر.
لكن الحاضرين لم تعنِهم المواقف السياسية كثيراً، فهذه هي نفسها يسمعونها يومياً. بدا واضحاً أن أهم ما في الخطاب بالنسبة إليهم كلمتين: «خيي نديم». «خيي نديم» فتصفيق استثنائي، «خيي نديم» فدموع وابتسامات وحنين كثير. في غياب أبو نعيم، يكاد نديم لطيف أن يكون المناضل الأخير. هو الذي كان طوال 15 عاماً 7 آب يومية: لا ينام حتى ينام آخر ناشط في التيار الوطني الحر، ولا يفرج عنه حتى يفرج عن آخر موقوف للتيار. نديم لطيف: يمكن قدامى الناشطين أن يتذكروا بثوانٍ قليلة ألف اجتماع وألف عتاب، ألف فرحة وألف حزن.
أمس في الاحتفال العونيّ المتأخر بذكرى 7 آب كان لطيف ــــ هو وحده في الحشد كله ــــ الرجل نفسه. وحده لطيف لم يتغير: كالعادة، أمام شباب التيار. على يمين ميشال عون ويسار جبران باسيل، وبينهما. هو وحده لم يرد شيئاً لنفسه: لا وزارة ولا نيابة ولا مديرية عامة ولا منسقية عامة للتيار ولا أي منصب في العالم. هناك الكثير ليتعلمه جيل 7 آب من اللواء لطيف. في حضرته، لا أحد يشعر بأنه عسكريّ في جيش؛ معه كانوا ناشطين في حزب.