أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دراسة أميركية تعرض العبر المستفادة من «حرب لبنان الثانية»: تجربة الجيش الإسرائيلي ركيزة الإعداد للنزاعات الأميركية المستقبلية

الأربعاء 17 آب , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,553 زائر

دراسة أميركية تعرض العبر المستفادة من «حرب لبنان الثانية»: تجربة الجيش الإسرائيلي ركيزة الإعداد للنزاعات الأميركية المستقبلية

هذه الدراسة، وهي واحدة من عشرات الدراسات الأميركية، التي تنشر خلال السنوات الخمس التي أعقبت «حرب تموز» 2006، تحاكي أبرز الثغرات العسكرية والاستراتيجية التي واجهت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية خلال تلك الحرب، وصولاً الى استخلاص بعض الاستنتاجات حول أية مواجهة مقبلة بما في ذلك تلك التي يمكن أن يخوضها الجيش الأميركي، مع مجموعات تريد استنساخ تجربة «حزب الله» الناجحة.
وفي ما يلي أبرز ما ورد في الدراسة الأميركية:

«قبل خمس سنوات، عقب «حرب لبنان الثانية»، هلل العديد من المراقبين «بنصر حزب الله». كان ذلك فور انتهاء الحرب. بعد خمس سنوات، أصبح فهمنا للحرب مغايراً...
جنود الاحتياط الإسرائيليون من الكتيبة الـ91 كانوا بحال حسنة في صباح 12 تموز ذاك. كان اليوم الأخير من مهمتهم، وكان الجنود، وهم طلاب ومهنيون وآباء وأزواج في حياتهم المدنية، يتوقون للعودة إلى منازلهم. وبرغم التحذيرات من محاولات تسلل في المنطقة، غادرت الدورية بشكل روتيني من مقرّها من دون الحصول على الملخص التقليدي، فقد كانوا على بعد ساعات من نزع بزاتهم العسكرية. كان لسلوكهم المتخفف عواقب مميتة. وفيما كانت مركبتا الـ«هامفي» تنعطفان على طريق على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، كان مقاتلو «حزب الله» المستعدون ينتظرون ثم أطلقوا النار على المركبات مستخدمين اسلحة «ار بي جي»، فقتلوا خمسة جنود وأسروا اثنين، عودي غولدواسر والداد ريغيف.
برغم انهماكها بعملية «أمطار الصيف» في غزة بعد اختطاف جلعاد شاليط، قررت إسرائيل الرد بقوة. وبرغم قدرتها على تحقيق بعض النجاحات الأولية، بما في ذلك تدمير غالبية صواريخ «حزب الله» المتوسطة والبعيدة المدى، أثبت الجيش الإسرائيلي عجزه عن تخفيف وتيرة وابل الصواريخ القصيرة المدى التي كانت تنهمر على شمال إسرائيل. طيلة الحرب تقريباً، أرسل رئيس الأركان دان حالوتس على مضض قواته البرية في عمليات لشن معارك على بعد كيلومترات فقط من الحدود، قبل أن يخلوا الاراضي التي يستولون عليها وينسحبون منها على الفور. 
وعلى الرغم من أن إسرائيل تدبرت أمر قتل المئات من مقاتلي «حزب الله»، فإنها لم تأسر سوى بعض السجناء. باختصار كان أداء الجيش الاسرائيلي أقل من المتوقع. 
أداء القيادة السياسية الاسرائيلية كان أسوأ بكثير. رئيس الوزراء آنذاك ايهود اولمرت اعلن أهدافاً غير منطقية للحرب: إعادة الجنديين المخطوفين، وطرد «حزب الله» من المنطقة وتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 1559 الداعي الى نزع سلاح كل الميليشيات في لبنان والداعي الى نشر الجيش اللبناني في سائر الجنوب اللبناني. 
بذلك كله، منح أولمرت «حزب الله» القدرة على ادعاء النصر. بالكاد شكل الأمر مفاجأة، عندما أعلن الأمين العام للحزب حسن نصرالله أن «حزب الله» هو من انتصر في الحرب.
وبرغم الدعم الذي حصلت عليه إسرائيل من اميركا وأوروبا والعديد من الدول العربية، فقد أدى الافتقار الى القدرة على التقدم في الحرب وارتفاع عدد الضحايا المدنيين في لبنان إلى تبدد هذا الدعم الدولي. فشل إسرائيل في إبطاء نيران الـ«كاتيوشا» او في تقديم خطة متماسكة للنصر حمل الولايات المتحدة على ان تدفع باتجاه تسوية يتم التفاوض عليها. 
كان دويّ الفشل في إسرائيل بقدر دويّه في العواصم الأجنبية. ومع الفشل في هزيمة «حزب الله» بشكل حاسم على الأرض أو في تحقيق الأهداف المذكورة للحرب، ترك الجيش الإسرائيلي الرأي العام هو من يقرر انه هُزم. روّجت وسائل الإعلام الإسرائيلية لهذا الخطاب بعد أن بدأت جهود الحرب تحتدم. قصة كتيبة المظليين رقم 890 ليس سوى مثال واحد. في طريقها إلى بنت جبيل، تلقت الكتيبة معلومات استخباراتية عن قوة نخبوية من «حزب الله» مستعدة للهجوم. نصبت لهم الكتيبة كميناً قتل فيه 26 من مقاتلي «حزب الله» من دون خسارة ولو جندي واحد. صبيحة اليوم الثاني، جاء عنوان صحيفة «معاريف» على الشكل التالي: «القوات البرية أخلت بنت جبيل». 
لاحقاً، بدت مصادر الإحباط الإسرائيلي خلال الحرب جلية. فبعد سنوات من القتال ضد الإرهابيين الفلسطينيين، والقيام بدوريات في الأراضي، وتحويل الأموال من الدفاع إلى الوزارات المحلية، فقد الجيش الاسرائيلي زخمه القتالي. كان ذلك قائماً خصوصاً لدى جنود الاحتياط، بعدما قلّصت الحكومة ميزانية تدريبهم على نحو دراماتيكي. تبنى الجيش الاسرائيلي في 2003 خطة «كيلا»، وهي خطة إنفاق تمتد على سنوات تضمنت اقتطاعاً مؤلماً للميزانية. وأغلق الجيش الإسرائيلي وحدات برمتها وطرد ستة آلاف من كوادره العسكرية النظامية. بعد شهر ونصف فقط من المصادقة على الخطة، خفضت الحكومة ميزانية الجيش بنحو 500 مليون شيكل، ما ادى إلى المزيد من التخفيضات في أعداد جنود الاحتياط وميزانية التدريب والمعدات.
التقليص في ميزانية التدريبات كان كبيراً على نحو استثنائي. بحلول 2006، كانت ميزانية التدريب قد أصبحت نصف ما كانت عليه في 2001. الاقتطاعات في تدريب الاحتياط كان أكثر حدة، وتراجعت بنسبة 70 في المئة. في الواقع، تراجعت الميزانية الموقتة لتدريب الاحتياط في 2003 إلى الصفر. ببساطة لم تجرِ أي تدريبات. 
مهارات الجيش النظامي تضررت هي الأخرى. وبدلاً من التقيد ببرنامج أُقر قبل العام 2000، لنشر الجنود لمدة أربعة أشهر، ثم التدريب بحسب الألوية لمدة أربعة أشهر، أجرت الوحدات العسكرية جولات في الضفة الغربية وغزة، طيلة العام، ونادراً ما خضعت لتدريبات. ضعف الاستعداد بدا واضحاً خلال القتال. أما العمليات المشتركة او الموحدة فكانت غالباً غير فاعلة. 
ولعل المثال الأكثر بلاغة الذي يظهر الحال المتدهور للعمليات الموحدة كان في معركة وادي السلوقي بين 11 و13 آب 2006. قائد كتيبة القوات المدرعة رقم 401 الكولونيل موتي كيدور أمر الكتيبة التاسعة بعبور نهر السلوقي، ثم التقدّم غرباً نحو الساحل. لبلوغ النهر، كان على الكتيبة أن تعبر أراضي مكشوفة تطل عليها القرى من كل صوب. تدخل قائد الكتيبة الكولونيل ايفي ديفرين وامر المدفعية بإطلاق الدخان لحجب تقدم الكتيبة، لكن الدخان تبدّد بعد دقائق فقط!
كما توقع ديفرين بأن تعد كتيبة هندسة طريق الكتيبة، ولكن قبل ان تتمكن المدرعات من التقدّم، تم سحب المهندسين من دون أن ينهوا عملهم. الطريق التي أخذها ديفرين عزلته عن الاتصال الإذاعي مع سرية جنود المشاة المكلفين بحماية قواته. أكثر من ذلك، بدا الجنود غير مدركين تماماً بأن مهمتهم هي حماية تقدم المدرعات، التي باتت مكشوفة أمام نيران مقاتلي «حزب الله» المختبئين في الجبال.
وبرغم ان قائد «كيدور» و«ناحال»، ميكي ادلشتاين وضع المقرات العامة للألوية العسكرية في المبنى ذاته، فقد كان التنسيق في ما بينها عند أدنى مستوى. وكنتيجة لذلك، لم يعلم ادلشتاين أن المدرعات كانت تحت رحمة النيران ومعزولة. عبور السلوقي كبّد الجيش الإسرائيلي 11 قتيلاً و50 جريحاً. «لم أكن أتخيل قط أن أداء الجيش كان رديئاً إلى هذا الحد»، قال جنرال اسرائيلي خلال جلسة مساءلة حول المعركة، بعد انتهاء الحرب. 
بعدما انسحبت إسرائيل من لبنان في أيار 2000، حذر رئيس الوزراء آنذاك ايهود باراك لبنان وسوريا بأن الهجمات العابرة للحدود ستعتبر «أعمالاً حربية». لكن باراك وأرييل شارون وأولمرت لاحقاً، صوتوا مراراً ضد توصيات الجيش الاسرائيلي للردّ بعنف، ليحموا الهدوء على الحدود فيما سمحوا لـ«حزب الله» أن يهجم وأن يبني ترسانته. كان غابي أشكنازي قائد المنطقة الشمالية قد كتب في آب 2000 رسالة إلى رؤسائه قال فيها إن استفزازات «حزب الله» المستمرة «ستؤدي إلى وضع لن يكون مقبولاً». بعد شهرين، اختطف «حزب الله» ثلاثة جنود (عملية مزارع شبعا). أراد الجيش الاسرائيلي توجيه ضربة لردع اي اعتداء مستقبلي، لكن الحكومة قررت شن هجمات محدودة وغير فاعلة. حرب 2006 كانت دليلاً على أن الردع من دون التصميم على ربط ذلك بالتهديدات لن يجلب لإسرائيل الهدوء إنما الحرب فقط (...).
يرى القادة الأميركيون التحدي المعقد الذي يمثله «حزب الله» كنموذج لنزاعات مقبلة ستواجهها الولايات المتحدة. ويقول رئيس الأركان الأميركي الجنرال جورج كايسي إن «أكثر نزاع يؤرقني هو النزاع الذي ينذر بما يمكننا أن نتوقعه في العقود المقبلة، وهو النزاع الذي وقع في لبنان في صيف 2006». 
أرسلت وزارة الدفاع الأميركي على الأقل 12 فريقاً لمحاورة المسؤولين الإسرائيليين الذين قاتلوا في 2006. وقال القيادي العسكري الأميركي فرانك هوفمان «ابتكرتُ خمس ألعاب كبيرة خلال العامين الماضيين. وجميعها ركّزت على «حزب الله».
في تقرير «ضُبِطنا غير مستعدين» الذي أصدره معهد «ليفينوورث كومبات ستاديز»، كتب المؤرخ مات ماثيوز أن إسرائيل تبنت عقيدة مستندة على «عمليات تستند على التأثيرات» (الملقبة بـ«أي بي او»)، جعلتها تعتقد أنه بالقوة الجوية وحدها ستتمكن من كسب الحرب. و«طوال ست سنوات أجرى الجيش الإسرائيلي حملة لمكافحة التمرد ضد الفلسطينيين وطوّرت عقيدة تعود في جذورها الى «أي بي او» والبراعة في مجال التقنيات». 
ومع ذلك، لم تعتمد إسرائيل قط على هذه العقيدة كما لم تفكر قط بأنها قد تكسب من الجو. لكن ماثيوز أخفق في وضع اصبعه على المشكلة الحقيقية: لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي أي عقيدة، وخاصة في الحرب البرية. ما يقلق أكثر هو أن ماثيوز اعتمد على مصادر ادته الى تقديم الحرب على انها نصر مدوٍّ لـ«حزب الله»! 
لعل أكثر الدروس التي يمكن للولايات المتحدة أن تستخلصها من «حرب لبنان الثانية» تتعلق بالميزانيات الدفاعية والاستراتيجية الواجب اعتمادها ضد المنظمات الإرهابية. ومع الدعوات الأميركية لسحب التمويل من الميزانيات الدفاعية، قد تجد القوات الأميركية المسلحة نفسها في وضع مماثل لما واجهه الجيش الإسرائيلي في 2006.
ومن دون تدريب وموارد ملائمة، حتى أكثر التشكيلات تدريباً ستعاني في مواقع قتالية معقدة تختلف بشدة عن عمليات مكافحة التمرد. وكما تعلّم الإسرائيليون، فإن مواجهة نوع محدد من النزاع طوال عقد ليست ضمانة للشكل الذي ستتخذه الحرب المقبلة.
في الواقع، قد تبدو قوة الردع إسرائيلية الطراز كبديل جذاب لاستراتيجية مكافحة التمرد في وسط مكتظ سكانياً. لا شك في أن خصوم الأميركيين يدرسون أو ربما يعدّون لمحاكاة استراتيجية «حزب الله» في 2006. درس نجاحات إسرائيل وإخفاقاتها يعتبر عنصراً أساسياً في الإعداد للنزاعات الأميركية المستقبلية».

Script executed in 0.03958797454834