أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أحمد الحريري في الشـمال بدلاً من غائب

الجمعة 26 آب , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,282 زائر

أحمد الحريري في الشـمال بدلاً من غائب

إيلاء قيادات المستقبل هذا الاهتمام للشمال يأتي في زمن صعب يعاني فيه المستقبليون على كل الصعد، سياسياً وتنظيمياً ومادياً، ويعود ذلك إلى اعتبارين: الأول أن الخطر الكبير الذي يواجهه تيار المستقبل لاستعادة السلطة والنفوذ يكمن في الشمال، بعد «الانقلاب» الذي أوصل الرئيس نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة. ويرى المستقبليون أن من الخطأ «إخلاء» الأرض هناك كي يملأها ميقاتي وغيره، ما سيجعل استعادتها لاحقاً مكلفة للغاية.
أما الاعتبار الثاني الذي جعل تيار المستقبل يعطي أهمية للشمال على غيره من بقية المناطق ذات الغالبية السنيّة، فهو أن تلك المناطق، حتى وإن غاب عنها آل الحريري ونوابهم وكوادرهم بعضاً من الوقت، تبقى استعادتها أسهل من الشمال، نظراً إلى الثقل الشمالي الموجود في الحكومة حالياً.
في ضوء هذه الحسابات، آثر تيار المستقبل النزول بما يرى أنه ثقله في طرابلس والشمال، متجاوزاً أزماته الداخلية والخارجية، لدرجة أن أحمد الحريري بات شبه مقيم في هذه الأيام في الشمال. وهو لا يفعل ذلك للاعتكاف بطبيعة الحال، بل محاولاً لملمة أوراق تيّاره التي تبعثرت أخيراً في أكثر من اتجاه.
أكثر من رسالة حاول أحمد الحريري توجيهها خلال مواقفه التي أطلقها في إفطارات الشمال، حيث يسعى جاهداً إلى ملء الفراغ الذي تركه الرئيس سعد الحريري عن لبنان. وهي دلّت على أن ما يقوم به هو إبقاء عصب تيار المستقبل قائماً، وإن تراخى، وإعادة مدّ الخطوط مع حلفاء وكوادر ابتعدوا عن الراية الزرقاء.
الحريري شارك في 4 إفطارات حتى الآن في الشمال، مع حديث أنه قد يحضر إفطارين أو ثلاثة في الأسبوع الأخير من رمضان. بدأ جولته بإفطار خاص في المنية أقامه أحمد الخير، أحد المقرّبين من التيار في المنطقة، وأثار حوله لغطاً لا يزال يتفاعل في منطقة ذات حساسية عائلية بالغة. فالحريري تجاوز نائب المنطقة كاظم الخير المحسوب على التيار، ومنسّق التيار في المنية بسام الرملاوي، ما رسم علامات استفهام حول ما إذا كانت خطوة الحريري فردية، أو لها علاقة بتوجه التيار نحو تبنّي وجه جديد في انتخابات 2013.
أما الإفطار الثاني فشهدته زغرتا التي زارها الحريري ووفد من نواب التيار بدعوة من رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، حيث كان «لقاء مصارحة واعتراف بالأخطاء، وتأكيد لتحالف لن يفرّقه إلا الموت»، حسب وصف أُعطي للقاء جاء بعد طول انقطاع. وفُسّر اللقاء بأنه موجّه ضد رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، حيث أُطلقت خلال اللقاء مواقف منتقدة لما أدلى به أخيراً، كذلك مثّل نهاية لفترة الهدنة التي طبعت العلاقة بين المستقبل والمردة منذ زيارة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري إلى بنشعي قبل نحو سنة.
بدورها عكار، الخزان الشعبي الكبير لتيار المستقبل، خصّها الحريري بإفطارين وهي موعودة بثالث، ومن هناك لم يتوانَ عن إطلاق مواقف سياسية تصعيدية في وجه حزب الله وميقاتي وسوريا عندما تساءل: «هل سنشهد ربيعاً لدى الطائفة الشيعية في لبنان؟»، ولدى قوله إن «انقلاب القمصان السود أتى بحكومة اللون الواحد»، ولدى وصفه من سمّاهم «المشعوذين باسم العروبة والوحدة والتحرير» بأن «تاريخكم أسود ملطّخ بدماء الأبرياء كله في حماه وكل سوريا».
غير أن الحريري الذي ردّد في خطاباته الرمضانية شعار «بناء الدولة» الذي يسعى إليه تياره، لم يُدن بكلمة واحدة حادثة بلدة عيّات العكارية في 17 الجاري، التي كادت تسبّب مجزرة كان سيذهب ضحيتها عدد ممن شاركوا في إفطار أقامه فيها رئيس ندوة العلماء المسلمين الشيخ عبد السلام الحراش. وفسّر ذلك بأنه تجاهل من الحريري للتهمة الموجهة إلى تياره، لناحية أن ما يحصل هو نتيجة التحريض والشحن السياسي والمذهبي الذي بات عدّة التيار.
كل هذا النشاط الذي يقوم به الحريري هو تمهيد لمشاركته في الإفطار الثالث الذي ستقيمه منسقية طرابلس في 28 الجاري، حيث لم تخفِ أوساط مقرّبة منه قولها لـ«الأخبار» إن التيار «يعتبر مواجهة ميقاتي في طرابلس هي الأهم له، لأنه على ضوئها سيتقرر حجم كل طرف، سياسياً وشعبياً». لكن سبق حضور الحريري إلى طرابلس إشارات غير مشجعة، أولاها أن عدداً من كوادر التيار غابوا عن الإفطار الأول الذي رعاه النائب سمير الجسر ومنسّق طرابلس مصطفى علوش، وأن موظفين في مؤسسات التيار غابوا بعدما أسمعوا المسؤولين فيه انتقادات من نوع: «بدل إقامتكم الإفطارات، ادفعوا لنا رواتبنا التي لم تُدفع منذ أشهر!».
أما ثانية هذه الإشارات التي حملت دلالات سياسية لافتة، فهي أصداء النقاشات الداخلية التي وصلت إلى أسماع الحريري، وملخّصها أن «إدارة فؤاد السنيورة زمام الأمور داخل التيار ستجعلنا نتسول، وأن محاولتكم تعويض غياب الشيخ سعد ستكون أفضل هدية نقدمها إلى ميقاتي وبقية خصومنا».
وفي الإطار ذاته، لا ينظر خصوم التيار إلى زيارات أحمد الحريري سوى من باب مراقبة مقدار التوتير المذهبي والسياسي الذي يحمله في خطابه. فمعظمهم، في الشمال وخارجه، لا يأخذون «ابن العمة على محمل الجد».

Script executed in 0.033765077590942