وتعتبر زيارة الأمس من الزيارات النادرة التي تجمع بين الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي من جهة وبين الرئيس كرامي ونجله فيصل من جهة ثانية، حيث ان اللقاءات بين الرئيسين (ميقاتي وكرامي) كانت شبه مقطوعة طيلة السنوات الماضية، فبعد الزيارة البروتوكولية التي قام بها الرئيس ميقاتي يوم عيّن للمرة الأولى وزيرا للأشغال العامة والنقل في حكومة الرئيس سليم الحص في العام 1998 للرئيس كرامي في مكتبه في كرم القلة، انقطع التواصل بين الرجلين تماما ووقع الخلاف وترجم في محطات انتخابية وسياسية عدة، ولم تشهد كل السنوات الماضية أي لقاء خاص بين الرجلين أو تبادلا للزيارات بينهما باستثناء زيارتي ميقاتي البروتوكوليتين له يوم عين رئيسا للحكومة في عامي 2005 و2011 وتلبية كرامي دعوة ميقاتي الى حفل الغداء الذي أقامه على شرف السفير السعودي علي عواض العسيري في طرابلس، وبعض اللقاءات الاجتماعية العابرة. أما التوافق في الانتخابات البلدية الأخيرة فكان التنسيق كله يجري مع الوزير فيصل كرامي من دون أي لقاءات مع الأفندي.
كذلك، لم تسجل لقاءات خاصة بين الرئيس كرامي والوزير الصفدي طيلة السنوات الماضية إلا في ما ندر، باستثناء اللقاءات التي نتجت عن تجربة اللقاء الطرابلسي في العام 2000 الذي جمع الرئيس كرامي بالتكتل الطرابلسي برئاسة الصفدي لكنه لم يستمر طويلا، فضلا عن لقاء حصل قبل سنوات في بيروت، ولقاءات أخرى خاطفة في مناسبات اجتماعية مختلفة.
لذلك، فقد حملت زيارة الأمس سلسلة مؤشرات من المفترض، في ظل الظروف السياسية والحرب المفتوحة على الحكومة الميقاتية، أن تأخذ حيزا كبيرا من البحث والنقاش لدى الأوساط السياسية اللبنانية حول ما يمكن أن تحمله من نتائج، سواء على المستوى الطرابلسي أو على صعيد الطائفة السنية، خصوصا أن الحملة العنيفة التي يشنها تيار المستقبل على الأكثرية الجديدة بكل مكوناتها، والرسائل النارية التي وجهها الرئيس سعد الحريري ويوجهها اليوم أحمد الحريري ضد الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي على وجه الخصوص، لم تدع لـ «الصلح مطرحا» أقله في المدى المنظور، فضلا عن أن الرئيس كرامي لا يزال يحمل في نفسه غضبا شديدا على «القيادة الزرقاء» بسبب تنامي علاقاتها مع القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع، ويأخذ على سعد الحريري خرقه بروتوكول استقبالات رؤساء الحكومات عندما استقبل الرئيس ميقاتي بـ «وجه ناشف» وهذا ليس من عادات رؤساء حكومات لبنان مهما بلغت الخلافات بينهم (بحسب كرامي).
أمام هذا الواقع، يرى المتابعون ان اجتماع المكونات السياسية في طرابلس والموجودة ضمن الأكثرية الجديدة بات أمرا ضروريا وذلك بهدف تشكيل تكتل وازن يكون له حضوره على الصعيدين الطرابلسي واللبناني، وقد جاءت هذه الزيارة أمس لتفتح آفاق العلاقة مع الرئيس عمر كرامي ونجله الوزير فيصل وتياره الشعبي، وذلك في ظل تقارب تلقائي بين المكونات الشعبية التي تقف خلف الرئيسين ميقاتي وكرامي والوزير الصفدي منذ تشكيل الحكومة الميقاتية، والعمل بالتالي على تحصين طرابلس وتحقيق ما تحتاج اليه من إنماء ومشاريع، والسعي لإنقاذها من المشكلات والأزمات التي تتخبط بها، والاستفادة من الحصة الوزارية الوازنة والدعم السياسي الذي يمكن أن يضيفه وجود الرئيس عمر كرامي.
هذا على الصعيد المحلي، أما على الصعيد الوطني فترى بعض الأوساط أن هذا التكتل قادر على تشكيل قوة سنية ضاربة لا يستطيع أحد أن يشكك في سنيتها، أو في شعبيتها، أو في تاريخها، وهي من شأنها أن تكسر كل المحاولات الرامية الى تعزيز الآحادية السنية في لبنان وأن تفتح الباب أمام تكريس ثنائية وازنة أو أمام تعددية سنية باتت مطلوبة محليا وعربيا، تسحب البساط من تحت أقدام كل من يعمل على ضرب حالة التنوع القائمة ضمن الطائفة السنية، والسعي نحو التفرد بها وعزلها وصولا الى تقوقع لم تعتده في تاريخها اللبناني.
ثمة سؤال فرض نفسه أمس في طرابلس عقب الزيارة: أين الوزير أحمد كرامي وما هو موقفه من هذا اللقاء، وفي الوقت الذي غاب فيه الوزير كرامي عن السمع وكان هاتفه خارج الخدمة، أشارت مصادر مطلعة لـ«السفير» الى أن اللقاء الذي حصل يؤسس لتعاون جدي من أجل خدمة طرابلس وحماية وتحصين الطائفة السنية، وأن الوزير أحمد كرامي هو «وزير دولة لمتابعة شؤون طرابلس»، مؤكدة أن أي حديث آخر هو سابق لأوانه وكل الأمور مرهونة بأوقاتها، ومن المبكر أيضا الحديث عن تحالفات ضمن طرابلس.
وذكّرت هذه المصادر بتصريحات الوزيرين أحمد كرامي وفيصل كرامي حول التعاون بينهما كما سائر وزراء الحكومة.
الزيارة
فعند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر أمس وصل ميقاتي والصفدي الى دارة كرامي حيث استقبلهما مع نجله الوزير فيصل، وعقد اجتماع جرى خلاله البحث في التطورات الراهنة في لبنان والمنطقة، وأوضاع طرابلس والشمال وضرورة أن تنال عاصمة الشمال حقّها في المشاريع الإنمائية الحيوية وفي وظائف الدولة.
بعد اللقاء قال ميقاتي: «قمنا بزيارة الرئيس عمر كرامي بمناسبة قرب عيد الفطر السعيد متمنين له عيدا مباركا وأن تكون الأيام المقبلة مليئة بالصحة والسعادة والهناء، والأهم هو راحة البال على الصعيد الوطني، الحمد لله اطمأننا على صحة الرئيس كرامي وعلى شبابه الدائم وعلى حرصه على وحدة الطائفة السنية ووحدة لبنان وكيف يمكن أن نحمي لبنان من كل التداعيات التي تحصل في المنطقة».
من جهته قال كرامي: «رحّبنا بالرئيس نجيب ميقاتي والوزير الصفدي اللذين شرفانا بهذه الزيارة، وطبعا في لقاء كهذا لا بد من أن نتكلم سياسة، ونتكلم في مشاريع طرابلس، وبالواقع نحن منذ البداية مددنا يدنا من أجل التعاون والمساعدة في حلحلة كل المشاكل».
أضاف كرامي: «إن ما يحدث في قضية الكهرباء واضح أن الغاية منه شل الحكومة، وعلينا التعاون جميعا، ونحن نعرف أن الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل لهما خط وطني واضح، ونتمنى أن يقدرا المشاكل والمخاطر التي تحيط بالوطن ويجب عدم الوقوف تجاه أي مشكلة مهما كبرت، ونحن نقول بكل صراحة ووضوح انّ هناك أيدي تعمل من أجل تفتيت لبنان، وبتعاون كل القيادات الوطنية وعلى رأسها الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي ان شاء الله يتجاوز لبنان هذه المخاطر ويصل إلى شاطئ الأمان».
وقال كرامي: «أكّدت للرئيس ميقاتي أن أيدينا ممدودة للتعاون معه إلى أقصى الحدود وان شاء الله ننجح جميعا لتجنيب لبنان المخاطر التي نراها ونلمسها في كل يوم وهذه هي المؤامرة التي تنفّذ في هذا البلد، وقد بحثنا في المشاريع التي تخصّ طرابلس وتكلمنا في الأمور الصغيرة والكبيرة، وخاصة التعيينات في الدولة، وهذا يعني أننا نريد حصّة طرابلس لأنه لم يعد لنا أحد من الموظفين في الفئة الأولى في الدولة، وكل المشاريع التي تخصّ طرابلس يخلقون ثغرات من أجل تأجيلها، وبوجود الرئيس ميقاتي وزيادة الدسم الطرابلسي في هذه الحكومة نأمل أن تتحلحل كل هذه الأمور لأنه ليس مقبولا بحسب التقارير التي تأتي من الهيئات الدولية أن تكون طرابلس ليس أفقر مدينة ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة ككلّ».
وردّا على سؤال حول موافقة الرئيس ميقاتي لكلام الرئيس كرامي من أن الغاية من قضية الكهرباء هي شلّ الحكومة، أجاب ميقاتي: «الذي نراه اليوم أن كل الذي يقال هو نوع من أنواع شل الحكومة، قضية الكهرباء يدور حولها نقاش بنّاء لكي تصل الكهرباء بأفضل السبل وضمن الضوابط المطلوبة وبشفافية كاملة ومريحة للمواطنين. وحول شلّ الحكومة فأنا متأكد من أن الكل حريص على أمرين، على بقاء الحكومة وعلى إيصال الكهرباء إلى المنازل، وضمن هذين المعيارين ستكون لنا عملية وضع الضوابط الأساسية كي تصل الكهرباء بالطريقة السليمة».
وردّا على سؤال حول الحكومة إلى أين قبل 7 أيلول، فهل نشهد أزمة، أجاب ميقاتي: «نقول للناس كل عيد وأنتم بخير، وبالرغم من الأعياد ستكون هناك متابعة للموضوع وبإذن الله في 7 أيلول ستكون الأمور في نهايتها وتكون نضجت».
وردا على سؤال حول تخوّف الحكومة من إمكان تفجير الوضع الأمني في طرابلس ولبنان في ظل التطورات في المنطقة، أجاب ميقاتي: «الوضع الأمني مضبوط تماما بكل ما للكلمة من معنى، وأنا متأكد من هذا الكلام على كل الأراضي اللبنانية، وطبعا نرى بعض الثغرات الطبيعية وتتم ملاحقتها فورا ويتم وضع الحد لها».
وردا على سؤال حول التهجم على الجيش اللبناني، أجاب ميقاتي: «حتما الجيش اللبناني هو الأساس وهو رمز هذا الوطن، والأكيد أن الكل يرفض التعرض للجيش اللبناني الذي أثبت بكل الظروف تمسكه بوحدة الأرض ووحدة الشعب وعدم التمييز بين فريق وآخر»