ليس جديراً، أن يتحوّل رئيس في دولة غربية إلى متهم، ويلاحق قضائياً أمام المحاكم، بتهم كثيرة، أبرزها، مخالفة القوانين، الفساد، التمويل المشبوه للأحزاب، وأمور أخرى يندى لها الجبين، قليلا أو كثيراً.. برلسكوني ضرب الرقم القياسي، فهو على أبواب المحاكم مذ بدأ حياته السياسية، ولا يزال.. جاك شيراك، أمضى فترتي رئاسته ولعنة باريس تلاحقه. وفي اليوم الأول لتركه الرئاسة، دارت آلة القضاء ولا تزال، إلى أن عقد مع المرض صفقة النسيان، الذي يشبه من بعيد جداً، مرض الالزهايمر. أما دومينيك ستروس كان، الذي توّج «امبراطوراً» على عاصمة القرار المالي في صندوق النقد الدولي، فقد سيق، إلى محاكمة سريعة، متهماً باغتصاب جنسي، انتهى إلى إفلات، بفقه قضائي، عنوانه، الاغتصاب بالتراضي.
لا جديد في ذلك.. انما، تجدر الملاحظة، بأن الهيئات الاجتماعية هناك، الناس الأحزاب النقابات مؤسسات حقوق الإنسان، لم تتبرع بالدفاع المجاني عن المتهمين أو المذنبين. لا أحد دافع عن براءة شيراك مسبقاً. لا أحد تجرأ على اعتبار ستروس كان بريئاً،... الناس هناك، يحترمون قضاءهم بنسبة ملحوظة. وإذا صدف واكتشف الإعلام فضيحة قضائية، فإنه سيكسب سبقاً هاماً في فتح الملفات والسجلات...
القضاء هناك، في ما خصهم، يشبه امرأة قيصر. ولا نقول أبداً انه منزه تنزيهاً تاماً عن العورات السياسية. فلكل امرأة قيصر واحد.
لا جديد هناك. الديموقراطية تصون القضاء من الانزلاق إلى السياسة والفساد. وتحديداً، في ما خص مواطنيهم. أما إذا كان قضاؤهم يتعامل معنا نحن، فإن شذوذه بائن. قضية جورج ابراهيم عبد الله دليل على الاستنساب والخضوع... لأوامر الولايات المتحدة الأميركية.
عندنا، بعد الثورة الديموقراطية العربية، وإرهاصات انتصارها في تونس ومصر، ما يضعنا في مصاف استعادة الكرامة واحترام الحقوق ونصب قوس العدالة فوق الجميع: بن علي يحاكم غيابيا في تونس، ولو كان في حمى «الديموقراطية» السعودية. مبارك يحاكم في القاهرة، وفق الأصول القانونية، وفي أجواء من الحرية والجرأة على طلب شهادات يمثل لتقديمها رئيس المجلس العسكري الحاكم حالياً في مصر. وكأن التقليد الجديد يقوم على إعلاء شعار مبدئي، لا عدالة من دونه البتة، يقضي بأن لا سيد ولا سيادة فوق القانون.
اعتراضات كثيرة وجهت إلى حيثيات الحلف الذي اختصر الدعوى على مبارك وإبنيه وكبار معاونيه، بما أقدم عليه النظام إبان قمع التظاهر وقتل المناضلين، مستثنياً محاكمة عهد استبدادي وفاسد وعائلي وعصبوي، عاث في الناس ظلماً ونهباً وقمعاً وقتلا. برغم ذلك، فإن مشهد مبارك، مختبئاً في فراشه، من أعين الناس، دليل على ان تقليد العدالة، يسير بشكل مرض... والعبرة في الخواتيم والنهايات.
ومرشح قريباً، ان يحوّل معمر القذافي، إلى القضاء المحلي او محكمة الجنايات الدولية. عظيم جداً. هذا الذي حوّل ليبيا إلى سجن، والأحياء فيه إلى أموات يسيرون على أقدامهم في جنازاتهم البائسة، سيصبح سجيناً أو يلقى مصير الهروب إلى... أو اللجوء إلى مغارة أو جحر.
ومرشح قريباً أيضا، تحويل من يسقط من الملوك والرؤساء إلى محاكم لمعاقبتهم. فرأس الحكمة محاكمة الرؤساء والملوك.
الشعوب العربية الناهضة لرسم مصيرها بيدها، والتي انتفاضتها في تونس، أعادت للقضاء حصانته. لا ثورة ناجحة، بقضاء استنسابي أو قضاء غب الطلب، او قضاء خادم لسيده السياسي، او قضاء يحط من قدر القانون، ويجعله حذاء في قدميه في طريقه إلى لثم حذاء السلطات... لقد بدأت شعوب عربية تتذوق طعم الحرية بتعبيد الطريق امام سيادة القانون وإخضاع الجميع لناسوته ولاهوته.
عندنا في لبنان، لا شيء من ذلك. لدينا حريات زائدة عن اللزوم، تستعجل في دوس القانون، وإعلاء شأن الشبيحة المتوجين في رأس الهرم الطائفي الاستبدادي. لا قانون يعلو على زعماء الطوائف وأتباعهم. لا قانون يعلو على زبانية الطوائف وعلى عملائها.
جرت محاكمة فايز كرم، فمن يصدق ما اسفرت عنه، من عقوبة مخففة وبراءة مفروضة بقوة الصوت العالي والبهورة اللبنانية المعهودة؟ حصانة اللبناني، لا تأتيه من القانون، بل من الزعيم الطائفي. حصانة العملاء، الكبار جداً والصغار جداً، يؤمنها النصاب الطائفي. كل طائفة تحمي عملاءها وزعرانها ومجرميها ومهربيها وسلفييها ونهابيها وصناديقها ومجالسها ونوابها ووزراءها و... من لا نجرؤ على تسميتهم «لقدسية» مقاماتهم.
في لبنان، من هو مستعد ان يدافع عن عميل، بحماس وطني، وان يبرئ عميلاً بحماس جماهيري حتى. وفي الوقت نفسه، هناك في لبنان، من يجرّم البريء ويحمي شهود الزور، ويرتكب الموبقات جميعها، ويعتبر الخيانة، وجهة نظر. لا علاقة للبنان بما يجري في الشرق، ولا علاقة له، بما يجري في الغرب، رغم إعجابه الشديد به وانتسابه إليه، لا علاقة لعدالة لبنان بامرأة قيصر. فهذه المرأة، تنام مع قياصرة الطوائف وزناتها.
لبنان، هو الاستثناء، ولكنه المتفوق في ممارسة عقيدة التخلف. فمن سماته، ان دكتاتورية زعمائه، ليست اغتصابية. هذه الزعامات المتهتكة تحظى بتأييد أعمى من أتباعها. الناس عندنا، في أكثريتهم، من حملة المباخر. يقومون بأداء الولاء، بحرية تامة. إذا منعت أحداً عن هذه الممارسة، اعتد بحريته وكرامته، فيما هو أرخص كائن على مستويي الحرية والكرامة.
عيب لبنان الأكبر، انه يعتبر عيوبه وخطاياه وكوارثه، هي عيوب الآخرين. كل طائفة قديسة في نظرها، وشريرة بنظر غيرها.
وعليه، فإن فايز كرم، ليس له قانون يحميه او يعاقبه، وليس له رب يثيبه او يحاسبه. له طائفة تبرئه وطوائف تجندله عميلاً.
بيننا وبين العدالة، سنوات ضوئية. ولا أمل يرجى، خاصة اننا نعيش في عتمة سياسية لا ضوء فيها. وبالمناسبة، ان إصلاح القضاء، ليس بحاجة إلى مليار ومئتي مليون دولار كالكهرباء، يمكن إصلاحه بـ«بلاش»... ولكنه بحاجة إلى قيم وأخلاق ومبادئ، لا ثمن لها، وليس من عادة اللبنانيين ان يدفعوا فلساً لتأييدها.
هوذا قضاؤكم يترك لكم... خراباً.
[email protected]
لا جديد في ذلك.. انما، تجدر الملاحظة، بأن الهيئات الاجتماعية هناك، الناس الأحزاب النقابات مؤسسات حقوق الإنسان، لم تتبرع بالدفاع المجاني عن المتهمين أو المذنبين. لا أحد دافع عن براءة شيراك مسبقاً. لا أحد تجرأ على اعتبار ستروس كان بريئاً،... الناس هناك، يحترمون قضاءهم بنسبة ملحوظة. وإذا صدف واكتشف الإعلام فضيحة قضائية، فإنه سيكسب سبقاً هاماً في فتح الملفات والسجلات...
القضاء هناك، في ما خصهم، يشبه امرأة قيصر. ولا نقول أبداً انه منزه تنزيهاً تاماً عن العورات السياسية. فلكل امرأة قيصر واحد.
لا جديد هناك. الديموقراطية تصون القضاء من الانزلاق إلى السياسة والفساد. وتحديداً، في ما خص مواطنيهم. أما إذا كان قضاؤهم يتعامل معنا نحن، فإن شذوذه بائن. قضية جورج ابراهيم عبد الله دليل على الاستنساب والخضوع... لأوامر الولايات المتحدة الأميركية.
عندنا، بعد الثورة الديموقراطية العربية، وإرهاصات انتصارها في تونس ومصر، ما يضعنا في مصاف استعادة الكرامة واحترام الحقوق ونصب قوس العدالة فوق الجميع: بن علي يحاكم غيابيا في تونس، ولو كان في حمى «الديموقراطية» السعودية. مبارك يحاكم في القاهرة، وفق الأصول القانونية، وفي أجواء من الحرية والجرأة على طلب شهادات يمثل لتقديمها رئيس المجلس العسكري الحاكم حالياً في مصر. وكأن التقليد الجديد يقوم على إعلاء شعار مبدئي، لا عدالة من دونه البتة، يقضي بأن لا سيد ولا سيادة فوق القانون.
اعتراضات كثيرة وجهت إلى حيثيات الحلف الذي اختصر الدعوى على مبارك وإبنيه وكبار معاونيه، بما أقدم عليه النظام إبان قمع التظاهر وقتل المناضلين، مستثنياً محاكمة عهد استبدادي وفاسد وعائلي وعصبوي، عاث في الناس ظلماً ونهباً وقمعاً وقتلا. برغم ذلك، فإن مشهد مبارك، مختبئاً في فراشه، من أعين الناس، دليل على ان تقليد العدالة، يسير بشكل مرض... والعبرة في الخواتيم والنهايات.
ومرشح قريباً، ان يحوّل معمر القذافي، إلى القضاء المحلي او محكمة الجنايات الدولية. عظيم جداً. هذا الذي حوّل ليبيا إلى سجن، والأحياء فيه إلى أموات يسيرون على أقدامهم في جنازاتهم البائسة، سيصبح سجيناً أو يلقى مصير الهروب إلى... أو اللجوء إلى مغارة أو جحر.
ومرشح قريباً أيضا، تحويل من يسقط من الملوك والرؤساء إلى محاكم لمعاقبتهم. فرأس الحكمة محاكمة الرؤساء والملوك.
الشعوب العربية الناهضة لرسم مصيرها بيدها، والتي انتفاضتها في تونس، أعادت للقضاء حصانته. لا ثورة ناجحة، بقضاء استنسابي أو قضاء غب الطلب، او قضاء خادم لسيده السياسي، او قضاء يحط من قدر القانون، ويجعله حذاء في قدميه في طريقه إلى لثم حذاء السلطات... لقد بدأت شعوب عربية تتذوق طعم الحرية بتعبيد الطريق امام سيادة القانون وإخضاع الجميع لناسوته ولاهوته.
عندنا في لبنان، لا شيء من ذلك. لدينا حريات زائدة عن اللزوم، تستعجل في دوس القانون، وإعلاء شأن الشبيحة المتوجين في رأس الهرم الطائفي الاستبدادي. لا قانون يعلو على زعماء الطوائف وأتباعهم. لا قانون يعلو على زبانية الطوائف وعلى عملائها.
جرت محاكمة فايز كرم، فمن يصدق ما اسفرت عنه، من عقوبة مخففة وبراءة مفروضة بقوة الصوت العالي والبهورة اللبنانية المعهودة؟ حصانة اللبناني، لا تأتيه من القانون، بل من الزعيم الطائفي. حصانة العملاء، الكبار جداً والصغار جداً، يؤمنها النصاب الطائفي. كل طائفة تحمي عملاءها وزعرانها ومجرميها ومهربيها وسلفييها ونهابيها وصناديقها ومجالسها ونوابها ووزراءها و... من لا نجرؤ على تسميتهم «لقدسية» مقاماتهم.
في لبنان، من هو مستعد ان يدافع عن عميل، بحماس وطني، وان يبرئ عميلاً بحماس جماهيري حتى. وفي الوقت نفسه، هناك في لبنان، من يجرّم البريء ويحمي شهود الزور، ويرتكب الموبقات جميعها، ويعتبر الخيانة، وجهة نظر. لا علاقة للبنان بما يجري في الشرق، ولا علاقة له، بما يجري في الغرب، رغم إعجابه الشديد به وانتسابه إليه، لا علاقة لعدالة لبنان بامرأة قيصر. فهذه المرأة، تنام مع قياصرة الطوائف وزناتها.
لبنان، هو الاستثناء، ولكنه المتفوق في ممارسة عقيدة التخلف. فمن سماته، ان دكتاتورية زعمائه، ليست اغتصابية. هذه الزعامات المتهتكة تحظى بتأييد أعمى من أتباعها. الناس عندنا، في أكثريتهم، من حملة المباخر. يقومون بأداء الولاء، بحرية تامة. إذا منعت أحداً عن هذه الممارسة، اعتد بحريته وكرامته، فيما هو أرخص كائن على مستويي الحرية والكرامة.
عيب لبنان الأكبر، انه يعتبر عيوبه وخطاياه وكوارثه، هي عيوب الآخرين. كل طائفة قديسة في نظرها، وشريرة بنظر غيرها.
وعليه، فإن فايز كرم، ليس له قانون يحميه او يعاقبه، وليس له رب يثيبه او يحاسبه. له طائفة تبرئه وطوائف تجندله عميلاً.
بيننا وبين العدالة، سنوات ضوئية. ولا أمل يرجى، خاصة اننا نعيش في عتمة سياسية لا ضوء فيها. وبالمناسبة، ان إصلاح القضاء، ليس بحاجة إلى مليار ومئتي مليون دولار كالكهرباء، يمكن إصلاحه بـ«بلاش»... ولكنه بحاجة إلى قيم وأخلاق ومبادئ، لا ثمن لها، وليس من عادة اللبنانيين ان يدفعوا فلساً لتأييدها.
هوذا قضاؤكم يترك لكم... خراباً.
[email protected]