أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لبنان يستضيـف 123 دولـة لحظـر الذخائـر العنقوديـة.. وعينـه علـى التمويـل

الأربعاء 14 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,457 زائر

لبنان يستضيـف 123 دولـة لحظـر الذخائـر العنقوديـة.. وعينـه علـى التمويـل

قبل خمسة عشر عاماً من اليوم، انفجرت قنبلة عنقودية بسميّة وشقيقتها، فعاشت إبنة الثلاثين عاماً برفقة إعاقات في قدمها ويدها، كما فقدت إحدى عينيها. أما شقيقتها فقد توفيت على الفور.

يومها، باع والد سميّة البقرة التي تعتاش منها العائلة ليستكمل علاج ابنته، ولكن الموت سرعان ما «خطف» الأب الحنون، وترك صبيته «أمانة» في أعناق أشقائها.

تتعرض سميّة اليوم لضغوطات عائلية كي تتنازل عن حصّتها من إرث المنزل العائلي، لكي يتاح لإخوتها التصرف به، ورميها خارجه، بطبيعة الحال، وهي العاجزة عن القيام بأي وظيفة.

تقول سميّة المصابة بإعاقات كثيرة نتيجة انفجار العنقودية، إنها تتلقى مساعدة صغيرة من إحدى الجمعيات التي تهتم بالمصابين، ولكنها لا تعرف «لون القرش الرسمي»، في إشارة إلى عدم تقديم الدولة أي مساعدة لها.

يقول رئيس «المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام» العميد محمد فهمي إن «التحدّي الأكبر الذي يواجه لبنان جنباً إلى جنب مع تنظيف أراضيه، هو العناية بمصابي الألغام والقنابل العنقودية».

يفخر الرجل، الآتي من مدرسة الجيش اللبناني، بما أنجزته البلاد على صعيد تنظيف الأراضي من القنابل العنقودية، على الرغم من تعقّد المشكلة وضخامتها، «حيث قصفتنا إسرائيل بأكثر من اربعة ملايين قنبلة عنقودية»، ولكــنه يرفع الصوت مطالباً بالتمويل ليس للتنظيف فقط، بل للعناية بالضحايا الذين يخسرون حيواتهم، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، في حال تركوا لمصيرهم بعد الإصابة.

وبقصفها لبنان بحوالى أربعة ملايين «عنقودية»، تكون إسرائيل قد خلّفت وراءها قنبلة لكل مواطن في لبنان، مع الإشارة إلى أنها استهدفت الجنوب، الذي لا تتجاوز مساحته ربع مساحة البلاد.

ويقول العميد فهمي إن» الدولة تؤمن تطبيب المصاب فوراً، وقد يحصل على تعويض مادي وفقاً لحجم الإصابة وقوتها»، ولكن غالباً ما يترك المصابون، وقد أصبحوا في معظمهم من الأشخاص المعوقين في بلد لا يطبّق الدمج، لمصيرهم في مواجهة الحياة ومتطلباتها. ومن بين هؤلاء، أطفال وشباب ورجال من أرباب الأسر، وممن يأخذون على عاتقهم إعالة عوائلهم، وتأمين متطلبات أطفالهم.

يمكن القول إذاً، إن لبنان نجح أمس في الخطوة الأولى، وخصوصاً على مستوى الشكل، وهي: تنظيم الاجتماع الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الذخائر العنقودية، إذ وصل عدد الدول المشاركة إلى 123 دولة، بزيادة تصل إلى حوالى 25 دولة عن الاجتماع الأول الذي عقد في جمهورية لاوس الديموقراطية قبل عشرة اشهر من اليوم.

ويرغب المسؤولون السياسيون والمعنيون بالدولة أن يعطوا للمؤتمر بعداً قانونياً وتشريعياً، يرتبط بدور لبنان وصورته في وقوفه بوجه الأسلحة التي تفتك بالأبرياء، لناحية توقيعه وتصديقه اتفاقية اوسلو لحظر ومنع الذخائر العنقودية. ولكن أساساً، وكدولة ضحية وليست معتدية، يبقى التحدي الأبرز في حصول لبنان على التمويل اللازم الذي يمكّنه من متابعة تنظيف أراضيه. ويحدد العميد فهمي حاجة لبنان لتنظيف حوالى 33 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التي لا تزال ملوثة بـ«العنقودية»، من أصل 55 كيلومتراً مربعاً كانت ملوثة، أي ما يوازي حوالى ثمانين مليون دولار، تغطي كلفة العمل من اليوم ولغاية العام 2016، وهو الموعد المبدئي المحدد للانتهاء من المشكلة في حال توفر التمويل.

ويؤكد فهمي أن «التمويل المطلوب، أي الثمانين مليوناً، يغطي التنظيف، ولا يشمل الاهتمام بالضحايا وخصوصاً متابعتهم ومساعدتهم على استئناف حياتهم من دون معاناة إضافية على الصعد المعيشية والحياتية والنفسية والاقتصادية». ويؤكد فهمي أن «أعمال التنظيف مستمرة اليوم، بفعل تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة سبعة ملايين يورو».

وعقد اجتماع على وقع الأنباء التي تؤكد استمرار استخدام سلاح القنابل العنقودية في ليبيا، خلال الأحداث الأخيرة، وفي الصراع الذي دار بين تايلند وكمبوديا، في ظل استمرار تمنّع الدول الكبرى المصنعة للقنابل العنقودية في العالم عن توقيع الاتفاقية، وهي أميركا وروسيا والصين وإسرائيل.

وفي ظل المعطيات المتوافرة، وخصوصاً تلك المتعلقة بوضع لبنان، يطرح بعض المهتمين سؤالاً جوهرياً حول وضع لبنان حيال إسرائيل، التي تعتبر نفسها غير معنية بأي شرائع أو قرارات دولية، والتي تتابع اعتداءاتها في ظل غض نظر دولي عما تقترفه من جرائم، وغياب أي نوع من أنواع المحاسبة، خصوصاً أن ملف الادعاء على إسرائيل ومطالبتها بالتعويض عن كل ما تسببت به من خسائر بشرية ومادية خلال عدوانها على لبنان، لم يبصر النور الدولي الرسمي بعد. ولا يزال الملف عالقاً بين ادراج الوزارات المعنية، ومن بينها وزارتا العدل والخارجية.

استهل الاجتماع، الذي تنظمه وزارة الخارجية بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي، وبرعاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وبمشاركة ممثلي 123 دولة، ومنظمات الامم المتحدة، والمنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، وناجين، بكلمة لرئيس الاجتماع الاول للدول الاطراف تونغلون سيسوليت الذي نوه بـ«اتفاقية الذخائر العنقودية وبزيادة عدد الدول المنضمة اليها، ولا سيما تلك التي ستلتزم معالجة الآثار الناتجة من الذخائر العنقودية».

وناشد سيسوليت «الدول المتبقية الانضمام الى الاتفاقية في أسرع وقت من أجل إزالة الذخائر العنقودية في العالم أجمع»، معلناً أنه تم «الاتفاق على زيادة الخدمات الموفرة للضحايا والموارد المخصصة لعمليات التنظيف».

وبعد انتخابه رئيساً للاجتماع الثاني، ومعاونته الممثلة الدائمة للبنان لدى الامم المتحدة في جنيف نجلا عساكر، أكد وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور أن «استخدام هذا السلاح اللاإنساني ضد لبنان في عدوان تموز 2006، كان بمثابة الشرارة التي أدت الى إطلاق «مسار أوسلو» الذي أفضى بعد قرابة سنتين الى اعتماد اتفاقية القنابل العنقودية».

ورأى أن «هذه الاتفاقية شكلت مقاربة جديدة للقانون الدولي، وتضع الاعتبارات الإنسانية في صلب أولوياته»، مؤكداً ان «لبنان كان من بين الدول الأولى التي وقعت الاتفاقية في كانون الأول 2008، في أوسلو، وقد دخلت حيز النفاذ في لبنان في الأول من أيار من العام الحالي».

وعرض منصور لجهود لبنان في التخلص من التلوث العنقودي، «حيث اجتاز شوطا كبيرا في تنظيف مساحاته المبتلاة منها، وتقديم العون لضحاياه وعائلاتهم»، متوقفاً عند «حجم المعاناة والالم اللذين سببتهما الذخائر العنقودية في لبنان». ولفت الى «التحديات التي تطرحها لجهة إزالتها والتعافي من آثارها السلبية، ولا سيما على المستوى التنموي».

وبعدما هنأ جمهورية اللاوس الديموقراطية الشعبية، بالعمل الناجح الذي أنجزته خلال العام المنصرم، أقر منصور بأنه «ما زال أمامنا الكثير من الخطوات التي تنتظر الانجاز، ما دام خطر القنابل العنقودية ماثلا ويتهدد حياة الكثيرين حول العالم».

 

مشروع إعلان بيروت 

 

في كلمته، توقف وزير الخارجية اللبناني عند «مسودة مشروع إعلان بيروت، المنتظر تبنيه بالاجماع في ختام اعمال هذا الاجتماع، تمهيدا لاعتمادها كوثيقة اجتماعية ستكون بمثابة رسالة موحدة من هذا المؤتمر الى العالم».

ولخص منصور مشروع إعلان بيروت بـ«تأكيد الالتزام بوضع حد للضرر الناتج عن الذخائر العنقودية من خلال برنامج «العمل معاً من اجل حياة آمنة»، والسعي للبناء على هذه الالتزامات والارتقاء بها من خلال اجتماع بيروت والاجتماعات التالية، والاستمرار في تدمير المخزون من العنقودي وتطهير الأراضي الملوثة، وتوسيع نطاق الخدمات ليشمل الضحايا والناجين ورفع الموارد المخصصة لهم، والارتقاء بالأنشطة من اجل معالجة مشاكل الذخائر العنقودية لدى الشعوب التي تعاني منها، وتأكيد الوفاء بكل الالتزامات من دون تأخير أو تأجيل، واعتبار حجم المساعدات الضرورية التي تستفيد منها المجتمعات المتضررة عنصراً اساسياً للنجاح، ومناشدة مصنعي ومنتجي ومطوري ومستمثري القنابل العنقودية التوقف فوراً عن هذه الأنشطة والانضمام إلى الاتفاقية والجهود الرامية إلى التخلص من الذخائر العنقودية، والتوصية بالحفاظ على الشراكة المثمرة بين الدول المصدقة على الاتفاقية، وبذل المزيد من اجل الوصول إلى عالم خال من الذخائر العنقودية».

ورأى الممثل الاعلى لشؤون نزع السلاح في الامم المتحدة سيرجيو دوراتي، في كلمة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون، أن «اجتماع بيروت سيساهم في تعزيز التعاون والمساعدة بين الاطراف من أجل القضاء على الذخائر العنقودية التي لها أثر سلبي كبير على المواطنين».

 

الضحايا.. الأطفال

 

في كلمتها التي مثّلت فيها المجتمع المدني في لبنان، تحدثت رندة بري عن الأطفال، «ضحايا القنابل العنقودية الذين قتلتهم إسرائيل وحالت بينهم وبين أن يكونوا هنا معنا»، وعن الآثار الكارثية على الصعد الإنسانية والاقتصادية والحياتية للعدوان الإسرائيلي، ولاستخدام الذخائر العنقودية على 185 بلدة ومدينة وقرية في الجنوب اللبناني.

وطالبت بري بـ«العمل من اجل انضمام كل الدول من دون استثناء لا سيما الدول الصناعية الكبرى الى اتفاقية القنابل العنقودية، وإتلاف كل مخزونها والالتزام اخلاقيا وقانونيا بعدم انتاجه او بيعه او استخدامه، وحث الدول التي صنعت على المساهمة في تمويل مشاريع ازالة الالغام والقنابل العنقودية، وإيلاء الاعلام الدور المحوري في عملية الترويج والتوعية من مخاطر استخدام القنابل العنقودية، والعمل من اجل خلق وعي عالمي حيال القنابل العنقودية، وتخصيص يوم عالمي لضحايا هذه القنابل من قبل الامم المتحدة، وإنشاء صندوق للتعويض عن الخسائر التي تسببها القنابل العنقودية على مستوى الافراد والممتلكات، وإنشاء ناد او منظمة دولية للمصابين والناجين من القنابل العنقودية والألغام يكون على عاتقها ملاحقة حقوقهم القانونية والانسانية امام المحاكم الدولية المختصة».

 

لاوس وصربيا.. وبريطانيا

 

عرضت نائبة رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر كريستين بيرلي لتجربتي لبنان ولاوس في التعامل مع الأثر القاتل للقنابل العنقودية على شعبيهما. وأشاد أحد ضحايا الحرب الصربية، برانسيلوف كابيتينوفيك، في كلمة ألقاها باسم «الائتلاف العالمي ضد القنابل العنقودية» بالتزام 109 دول بالاتفاقية وبانضمام 61 دولة كدولة طرف، داعيا «الدول التي وقعت ولم تصادق بعد الى القيام بذلك في أقرب وقت ممكن، تجنبا لوقوع المزيد من الضحايا الذين هم في غالبيتهم من المدنيين وفي الأغلب أطفال».

وعرض السفير البريطاني في لبنان طوم فلتشر، بصفته رئيس بعثة المملكة المتحدة، لما أنجزته بريطانيا على صعيد الالتزام بالاتفاقية: «سن قوانين تضمنت إنزال عقوبات شديدة بكل من يخرق الحظر المفروض، ووضع نظام تصدير منضبط، وسحب ما يفوق 38 مليون قنبلة عنقودية من التداول والتخلص منها تدريجيا، وحثّ الآخرين لينضموا إلى الاتفاقية، والإسهام بتمويل اعمال تنظيف وإزالة الذخائر العنقودية والعناية بالمصابين».

وشهد المؤتمر ورش عمل جانبية لمنظمات المجتمع المدني والوفود غير الرسمية في فندق مونرو، تمحورت حول المصابين وحملات التوعية والضغط المدني على الدول المصنعة والمنتجة والمستثمرة والمستخدمة للقنابل العنقودية.

Script executed in 0.035109996795654