أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قانون الفرزلي الانتخابي: الطوائف الأخـرى هي الجحيم

الأربعاء 14 أيلول , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,098 زائر

قانون الفرزلي الانتخابي: الطوائف الأخـرى هي الجحيم

خلال عرضه اقتراح القانون المقدم من «اللقاء الأرثوذكسي»، أمس، بدا نائب رئيس مجلس النواب السابق، إيلي الفرزلي، واثقاً بأن حل أزمة الانتخاب اللبنانية، يكمن في تقليص الأصوات إلى حدود الطائفة. ذهب إلى حد الجزم بأن هذا هو «الحل الوحيد». وفي كلمة له، كانت الوحيدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده اللقاء في مقره بالأشرفية امس، استعاد الفرزلي تاريخ الطائفة الأرثوذكسية، محاولاً تعليل لجوء اللقاء إلى هذا الخيار. هكذا، اقترح الفرزلي أن ينتخب الأرثوذكسي أرثوذكسياً والماروني مارونياً. القانون لا يحتاج إلى شرح. وربما، لهذا الأمر، لم يتدخل أحد من الحاضرين، ويشارك في تقديم مداخلة واحدة حتى، رغم حضور شخصيات أرثوذكسية وازنة، كنائب رئيس مجلس الوزراء الحالي، سمير مقبل، والوزير السابق مروان أبو فاضل.
ورغم أن كلمة الفرزلي كانت قصيرة نوعاً ما، فإن الأسئلة لم تأتِ من الصحافيين المشاركين. فقد وفى وقع المصطلحات المستخدمة بالمضمون. عملياً، بدت النقطة الأولى من القانون المقترح النقطة الأقرب إلى العصرية: لبنان دائرة انتخابية واحدة. فهذا طرح مألوف. الجديد في قانون الفرزلي يكمن في النقطة الثانية: تنتخب كل طائفة ذاتها. وإذا استثنينا الوقع «الانعزالي» للجملة، فمعناها يظل واضحاً. ومع ذلك، استفاض الوزير السابق، شارحاً التفاصيل، مرتكزاً إلى أمثلة في المنطقة «قضمت حقوق الأقليّات» رغم علمانيتها. سرعان ما أوضح أنه يقصد تركيا أتاتورك لا سواها. في تركيا «العلويون مظلومون والأكراد أيضاً».
هنا في لبنان، الوضع مختلف. ووفقاً للنظام الحالي، الطائفة حاكم أبدي. تنتخب نفسها وتحكم أهلها الملزمين بها فطرياً. الحراك يكون في داخلها لا على أطرافها أو خارجها. لذلك، لم يبدُ مفهوماً الأمر الذي دفع الفرزلي إلى الاعتقاد بأن قانونه «عصري». فنظرياً، من شأن انتخاب الطائفة لنفسها أن يؤهلها للتحول إلى كتلة صلبة في مواجهة الكتل الأخرى، أي الطوائف الأخرى، الحاكمة أيضاً. نفى الفرزلي تهمة الانعزال عن نفسه، معلّلاً ذلك بإمكان القانون المطروح «ضمان التمثيل الطائفي المناسب عبر اعتماد النسبية في العملية الانتخابية والاحتفاظ بتمثيل كل المناطق اللبنانية وفقاً للمعمول به». حتى في قياسات الطوائف، التبدل الديموغرافي العددي ليس مهماً، بالنسبة إلى «اللقاء الأرثوذكسي». فقد بدا لافتاً أن الفرزلي لم يأتِ على ذكر غير المسيحيين في عرضه لـ«فوائد» القانون الجديد. تحدث عن آلية الحصول على المقاعد على أساس طائفي، يضمن توازن «ما قبل الاستقلال». فجأةً، في منتصف كلمته، اكتشف الفرزلي، أحد «وجوه» اتفاق الطائف الرئيسة، وهو أن «قانون 1926 المعد في منزل النائب شبل دموس (الأرثوذكسي طبعاً) أفضل من الطائف نفسه». فجأةً، اكتشف العلماني «أوهام العلمانية»، واستفاق ليعود إلى «الطائفة».
وفقاً لحسابات اللقاء الأرثوذكسي، فإن قانوناً ثميناً مثل هذا سيعيد حقوق الطوائف. قد يزيد من سطوتها على أي متمرد على هذا الواقع، لكنه، تالياً، سيكرّس دخول اللبناني إلى المجتمع كجزء من جماعة لا كفرد. وهذه مسألة انقسام آخر. ففيما يرى كثيرون أن مشكلة لبنان هي ذوبان الفردية حد الاختفاء، يرى الفرزلي ضرورة مراعاة «خصوصية الجماعة». وربما، يلاقي هنا، الوزير بطرس حرب في طرحه الشهير، فكما «يستغني» الفرزلي عن انتخاب حليفه السابق الوزير السابق عبد الرحيم مراد في البقاع الغربي، تخلى حرب في وقت سابق، عن السكن مع الرئيس السابق سعد الحريري في منطقة واحدة. وفي استعراضه «حقوق المسيحيين»، بلغ الشبه بين الفرزلي وحرب مبلغاً كبيراً. دولة الرئيس علل طروحاته هو الآخر، جازماً بأن القانون الذي يقدمه سينقل «الصراع المرَضي» بين الطوائف الى تنافس «حي» ضمن الطوائف، وإلغاء الشعور بالتهميش لدى الطوائف والجماعات السياسية. يعني ذلك «الانتماء» إلى الطوائف وقطع أي علاقة بأي شيء آخر. ولهذا «الانعزال» فوائد جمة، تبدأ بـ«منع الذوبان في المساحات الكبرى وتبسيط العملية الانتخابية»، و«إنتاج قوى سياسية لدى كل طائفة تتحالف على الساحة الداخلية».
ببساطة، لم تعد «العلمانية» خياراً مقنعاً لنائب رئيس مجلس النواب السابق وأصدقائه في اللقاء. استيقظوا أخيراً «من هذا الوهم». أمس، أعلن الفرزلي ندمه بوضوح. السياسي البقاعي نادم على تاريخ الطائفة، الذي استعرضه بمرارة، خالصاً إلى أن «الطائفة» أضاعت وقتاً طويلاً في الحركات القومية والعروبية بلا جدوى. هكذا فصّل الفرزلي الأمر: «انتهى الأمر بميشال عفلق، مؤسس حزب البعث، مسلماً». وإلى أيتام أنطون سعادة اللاطائفيين، ووهبت الطائفة الأرثوذكسية الشهيد جورج حاوي لليسار اللبناني. لم يبق لها شيء إذاً. تبعثرت ولم تؤسس كياناً طائفياً، كما «توزع نوابها على الآخرين».
الغريب في الأمر أن الفرزلي، في فترات سابقة، خالف اليمين اللبناني المسيحي، متشبثاً بـ«عروبته»، لكن الأحوال تغيرت. وكان لا بد من العودة إلى القواعد، من باب القانون الانتخابي «العصري». أصر العلماني البقاعي في ختام كلمته على أن قانوناً يحصر الأصوات داخل الطائفة الواحدة هو قانون «عصري».

Script executed in 0.032516956329346