أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العراق... نموذج عن بلدان نكبتها أميركا وبريطانيا بالعنقودي

الخميس 15 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,214 زائر

العراق... نموذج عن بلدان نكبتها أميركا وبريطانيا بالعنقودي

ولم ينسحب التغيير في «أبو الخصيب» على الاسم لتصبح «بلدة البتران»، بل طالت الحياة نفسها والمشهد العام للمنطقة. حولت القنابل العنقودية «بلدة البتران» اليوم إلى منطقة قاحلة بعدما ترك المزارعون أراضيهم «بوراً»، فيما أصبح أهلها مجموعة من المعوقين العاطلين عن العمل، والأهم المفتقدين لأي نوع من المساعدات الرسمية والإغاثية الدولية، إلا في ما ندر. 

«بلدة البتران» و13 محافظة عراقية ملوثة بالقنابل العنقودية الأميركية والبريطانية، لم تفلح في فرض نفسها كأولوية ملحة من ضمن المداخلة الرسمية العراقية في إجتماع الذخائر العنقودية المنعقد في بيروت منذ اول من امس. 

فبالكاد كان وكيل وزارة البيئة العراقية والمدير العام لدائرة شؤون الألغام في العراق الدكتور كمال حسين لطيف قد أنهى كلامه عن مأساة الشعب العراقي مع القنابل العنقودية التي «زرعتها» دول التحالف في ثلاثة عشر محافظة عراقية، وعلى رأسها أميركا وبريطانيا خلال حروبها المتكررة على العراق، حتى خرج سفير بلاده في لبنان عمر البرزنجي ليحمل المسؤولية «للنظام السابق الذي قصف شعبه بالذخائر العنقودية». 

كان لطيف، الذي يشارك في الوفد الرسمي العراقي في الاجتماع الثاني للذخائر العنقودية الذي ينعقد في بيروت منذ أول من أمس، يتحدث إلى الصحافة، فيما ألقى البرزنجي الكلمة الرسمية للعراق أمام ممثلي 123 دولة مشاركة. 

ولم يكتف البرزنجي، القادم من المناطق الكردية في العراق، بتجاهل مسؤولية اميركا وبريطانيا في مأساة الشعب العراقي التي أدت إلى تلويث ثلث مساحة العراق البالغة حوالي 435 الف كيلومتر مربع، والتسبب بوقوع آلاف الضحايا لغاية اليوم، بل أمضى نصف الوقت المخصص له، والبالغ أربع دقائق، في تفصيل « المجازر التي ارتكبها النظام السابق في حلبجة»، ومناطق كردية أخرى، وغيرها من ارتكابات الرئيس السابق صدام حسين، رغم ان الحديث كان مخصصاً لمشاكل القنابل العنقودية والآلغام. 

صحيح ان حروب النظام العراقي السابق، وبالتحديد حربه مع إيران، تسببت في تلويث العديد من الأراضي العراقية الحدودية، وخصوصاً بالألغام، ولكن المأساة الكبيرة التي ضربت العراق وشعبه أتت على يدي اميركا وبريطانيا اللتين رمتا العراق بملايين القنابل العنقودية خلال حرب الخليج الأولى، المعروفة بعاصفة الصحراء، لتكملا عدوانهما عبر غزو العام 2003، وذلك وفق ما أكده مساعد وزير البيئة العراقي، والمدير العام لدائرة شؤون الألغام في العراق الدكتور كمال حسين لطيف لـ«السفير». 

واستغرب لطيف تجاهل مسؤولي اميركا وبريطانيا تحديداً، ومعهما الدول الأخرى في التحالف، مسؤوليتها الأساسية في مصاب العراق وشعبه، وعدم اضطلاعهم بدورهم في تنظيف الأراضي الملوثة من جهة، وفي مساعدة ضحايا القنابل العنقودية واسرهم من جهة ثانية. 

ومن بين وفد المجتمع المدني العراقي، يقول رئيس تجمع المعوقين في العراق موفق الخفاجي لـ«السفير»، ان العدوان الدولي على العراق ترك قنبلتين عنقوديتين ولغماً لكل مواطن من سكان البلاد البالغ عددهم حوالى ثلاثين مليون عراقي. 

وبحسب إحصاء للأمم المتحدة، يبلغ عدد المعوقين في العراق اليوم حوالى مليونين و300 ألف معوق، بعضهم ولدوا بإعاقات خلقية، فيما أصيب معظمهم نتيجة للحروب التي عرفتها البلاد، وخلال الفترة التي تلت تلك الحروب، وصولاً على اليوم. 

وما يفاقم من الكارثة العراقية ليس حجمها الكبير فقط مع وجود حوالى خمسين قنبلة عنقودية و25 مليون لغم ارضي، بل الجهود التي ما زالت بدائية تفتقر إلى التمويل والمساعدة التقنية والبشرية والمالية. 

ويشير لطيف إلى «ان المشكلة المتأتية عن الحرب العراقية الإيرانية موجودة منذ الثمانينات ولكنها قليلة جداً ومحصورة بالمناطق الحدودية، وبعيداً عن المناطق السكنية»، ليؤكد ان كارثة الذخائر العنقودية ضربت العراق مع حرب الخليج الأولى في العام 1991 حين قصفت دول التحالف، وعلى رأسها اميركا وبريطانيا العراق، وخصوصاً جنوبه بملايين القنابل العنقودية. 

يومها شمل التلوث بالعنقودي سبع محافظات على رأسها البصرة والمثنى والميثان وذيقار وواسط، والأهم انه لم يميز بين موقع عسكري وحي سكني ومدرسة وحقل زراعي. 

ومع حرب الخليج الثانية في العام 2003، اكملت اميركا وبريطانيا مهمتهما في تلويث ارض العراق بطريقة «أكثر شراسة»، واتسعت المناطق الملوثة لتشمل 13 محافظة، من بينها بغداد العاصمة وكربلاء والنجف وبابل والديوانية. 

وتضاعفت مشكلة التلوث بالعنقودي، وفق لطيف، «اضعافاً مضاعفة»، ووصلت الخسائر البشرية إلى الآلاف، والمادية إلى ملايين الدولارات. 

تقول الأرقام عن الضحايا من البشر ان العدد لا يقل عن 12 الف ضحية في ظل انعدام أي إحصاء وطني رسمي، فيما تعطل القنابل العنقودية استثمار الأراضي الزراعية في مساحة لا تقل عن سبعين الف كيلومتر على امتداد العراق، كما تعيق استثمار ما لا يقل عن عشرة آلاف كيلومتر من الحقول النفطية. 

وفي حين يؤكد لطيف ان وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين مدعومتين بالمجتمع المدني العراقي، تقومان بما وسعهما لتنظيف الأراضي الملوثة، و«لكنها جهود صغيرة مقارنة مع ضخامة حجم المشكلة»، مستغرباً إدارة الظهر الأميركية والبريطانية و«كأنهما ليستا سبب المشكلة، كما تقفان وراء موت وإعاقة آلاف العراقيين». 

ويشير لطيف إلى بعض المساعدات من منظمات اهلية اميركية «ولكنها تبقى دون المطلوب والواجب»، مشيراً إلى ان الإصابات كبيرة، والأهم انها مستمرة في ظل إستمرار التلوث على الأرض». 

وبالإضافة إلى التقصير الدولي في الدعم التقني والمادي والبشري، يتوقف رئيس تجمع المعوقين في العراق موفق الخفاجي عند القصور في الإحصاءات لتحديد المشكلة وفي التشريعات الخاصة بالمعوقين، «حيث يفتقر هؤلاء إلى أي خصوصية تشريعية في البلاد، وجل ما يستفيد منه البعض منهم هو الإعانات التي تعطى للأرامل والأيتام ليس اكثر». 

ويؤكد الخفاجي ان المجتمع المدني العراقي يناضل لتحصيل حقوق المعوقين ويضغط على الجهات الرسمية لإصدار قانون لحمايتهم وتسهيل حياتهم ، وخصوصاً للاهتمام بهم بسبب التدمير الحياتي والصحي والمعنوي والمعيشي الذي يلحق بهم نتيجة إصاباتهم. 

وامس تابع المشاركون في الاجتماع الثاني للذخائر العنقودية جلساتهم حيث توالى على الكلام ممثلو 24 دولة مشاركة في جلسة الصباح، فيما خصصت الجلسة المسائية لوضع وتنفيذ اتفاقية اوسلو الخاصة بمنع وحظر القنابل العنقودية واعمال التطهير ومساعدة الضحايا. كما تابعت المنظمات غير الحكومية جلساتها تنفيذ الإتفاقية والتوعية على المخاطر وحول مرصد الألغام والقنابل العنقودية. ويستمر الاجتماع اليوم وغداً حيث يختتم بـ«إعلان بيروت».

Script executed in 0.038971900939941