أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كيف استقبلت مصر الثورة أردوغان

الخميس 15 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,396 زائر

كيف استقبلت مصر الثورة أردوغان

وبرغم الجدل الذي أثارته اللافتات، «خصوصاً الجهة التي تقف وراءها»، وهو ما فتح باب التخمينات واسعاً ليد «إخوانية» في الموضوع ـ ثبت عدم صحتها عندما تبين أن أصحابها هم مؤسسة رجال الأعمال المصريين والأتراك والسفارة التركية ـ فان أهم ما جاء في المشهد رمزيته التي لخصت الدلالات السياسية للزيارة في مصر الثورة، وفي هذه المرحلة تحديداً. 

فمصر التي ما زالت بلا قائد في انتظار انتخابات برلمانية ورئاسية تنهي المرحلة الانتقالية الحالية التي يديرها العسكر، تبدو بلا بوصلة في غياب جدول زمني واضح لانتقال السلطة للمدنيين عبر الانتخابات. كذلك تتشكل فيها ملامح مشهد سياسي تقترب فيه القوى السياسية والثورية ـ التي كانت على طرفي النقيض منذ شهر ـ من تبني موقف ضد المجلس العسكري وحكومة عصام شرف اللذين صعدا منذ أيام ضد الإعلام، وعززا حالة الطوارئ، بعد حادث اقتحام السفارة الإسرائيلية من قبل متظاهرين يوم الجمعة الماضي، وفرار السفير الإسرائيلي من مصر بسبب ذلك. 

وإذا باردوغان يهبط على القاهرة، في زيارة رسمية كانت مقررة سلفاً وتم تأجيلها (بسبب الظرف المصري)، وشاء القدر أن تحدد منذ أسابيع، لتتزامن صدفة مع الوضع المتأزم في مصر الآن، والذي تمحور حول إسرائيل. 

وبرغم الاستقبال الرسمي الذي حظي به رئيس الوزراء التركي، الذي اصطحب معه وفداً كبيراً، وتوقيعه 11 اتفاقية مع مصر، بالإضافة إلى إعلان «سياسي»، كما وصفته «الأهرام»، بشأن إنشاء «مجلس أعلى للتعاون الإستراتيجي»، لم يخف عن المراقبين هذا التفاوت بين الحفاوة الشعبية والرسمية للزيارة. وكان الاهتمام بها واضحاً في مواقع التواصل الاجتماعي مثل «تويتر» و«فيسبوك»، حيث طغى خبر وصوله مساء الاثنين على ما يتناقله المصريون هناك، وتلى ذلك شغف بخطابه صباح الثلاثاء في الجامعة العربية والذي كان ينقل بالحرف على «تويتر»، بالرغم من انه كان يبث على الهواء مباشرة. 

وازداد الهوس بالرجل عندما أعلن عن منع كاميرات التلفزيون من نقل خطاب ثان له مساء اليوم ذاته، أمام ألفين من المثقفين والشخصيات العامة والسياسية والناشطين والصحافيين في دار الأوبرا، حيث تفاعل الحاضرون معه في أجواء من العفوية والحماسة مقارنة بلقائه بالمسؤولين العرب في الجامعة العربية. وكما غازل أردوغان الحضور ببعض العبارات بالعربية مثل «السلام على شعب مصر... السلام على شباب مصر»، وقد بادله جمهور الأوبرا المشاعر بمقاطعته مرات عديدة بتصفيق حاد وحار. 

ودلالة هذا المشهد، كما تقول أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية منار الشوربجي، أن هؤلاء المصفقين لأردوغان في الأوبرا «ليسوا النخبة، بل الجمهور المنصت والواعي. ولأن القاعة التي تم فيها اللقاء لم تسع لأكثر من ألفي شخص، فقد كانت هناك معارك للحصول على دعوة من السفارة التركية. وتقول الشوربجي إن «التنافس كان شديدا لضمان كرسي واحد فقط، ولم أتحدث مع احد هذا اليوم إلا وتحدث بإعجاب عما يقوله الأتراك». 

ومن المصادفات اللافتة أن قناة «التحرير» التي دشنت بعد الثورة والمعنية بالوضع الجديد في مصر، كانت تبث مسلسلاً تركيا بعدما انتهى خطاب أردوغان. 

لكن ما بين احتفاء «الائتلاف العام لضباط مصر»، وهو كيان شكل بعد الثورة من قبل 1500 ضابط إصلاحي ـ بالرجل الذي وصفوه بـ«صلاح الدين الجديد» على صفحتهم في «فيسبوك»، وقلق البعض من بشائر «غزو عثماني»، اتفق الجميع على أن أهمية الزيارة تقارن بزيارة الرئيس الأميركي باراك اوباما إلى مصر في حزيران العام 2009، عندما اختار مخاطبة العالم الإسلامي من جامعة القاهرة. والفارق، كما تقول أمينة البنداري، وهي مدرّسة تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية، أن اوباما جاء لمصر «ليتحدث إلى مسلمي العالم، لأسبابه الخاصة، وليس لمخاطبة مصر ذاتها». أما أردوغان، فله شعبية في مصر التي تمر بمرحلة حساسة جداً في تاريخها، و«للمصريين الذين يتطلعون إليه لأنهم يستطيعون مقارنة بلادهم بتــركيا التي تقــع في المحيط الإقليمي ذاته، وتشاركهم الخصوصية الثقافية والدينية». 

وبرغم دعمه الواضح للثورة المصرية وحديثه المتكرر عن أهمية صعود مصر لتحتل مكانتها التاريخية، تقول الشوربجي، فإن إسرائيل من أهداف زيارة أردوغان، مشيرة إلى أن «من مصلحة أنقرة دعم القاهرة حتى ولو بشكل غير مباشر في هذا السياق لأن ذلك يخدم الموقف التركي من إسرائيل». وكان هذا سبباً أيضاً في تحفظ بعض القوى السياسية التي هاجمت بشدة اقتحام السفارة الإسرائيلية مؤخراً. والمثير انه بالرغم من أن الزيارة كان من المفترض عن تصب في مصلحة التيار الإسلامي، كما قال البعض، فقد أثار أردوغان حفيظة «الإخوان المسلمين» عندما امتدح العلمانية، الأمر الذي دفع بالمتحدث الرسمي باسم «الإخوان» إلى اتهامه بأنه «يتدخل» في الشأن المصري. 

«لم تخدم زيارته أي تيار سياسي في مصر»، تقول الشوربجي، «ولا نعلم سبب شح المعلومات إن كانت الزيارة قد تركت أثراً لدى أصحاب القرار في ما يخص العلاقة المصرية المتوترة مع إسرائيل، لكنها كانت ملهمة جدا». 

البعض رأى في هجومه على إسرائيل من القاهرة، مزيداً من الإحراج لدى المجلس العسكري الذي لم يستجب لتظاهرات 19 و20 و21 آب الماضي أمام السفارة الإسرائيلية، والتي طالبت بسحب السفير المصري من تل أبيب احتجاجاً على مقتل 6 جنود مصريين في رفح بسبب اختراق الطيران الإسرائيلي الحدود مع مصر وقصفه المنطقة. ولان المجلس لم يستدع السفير أو يصر على اعتذار إسرائيلي، عادت التظاهرات مرة أخرى يوم الجمعة الماضي أكثر شراسة، خاصة بعدما طردت أنقرة السفير الإسرائيلي قبل ذلك اليوم بأسبوع واحد. «المجلس أحرج نفسه عندما لم يتصرف على مستوى المطلب الشعبي» قالت الشوربجي. 

ولكن مع انتهاء الزيارة التي استغرقت 48 ساعة، والتي تأتي في سياق جولة ستشمل ليبيا وتونس، تعتقد البنداري أن أردوغان أحيا «التعطش لفكرة الزعامة والثقة السياسية وكرامة الشعب. فهو يقدم نموذجا يثير إعجاب الشباب، كون زعامته تبدو براغماتية وليست ديماغوجية».

Script executed in 0.033620119094849