أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عندما «خابت» آمال ساركوزي من الراعي.. و«نقشت» مع «سيدنا»

الخميس 15 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,617 زائر

عندما «خابت» آمال ساركوزي من الراعي.. و«نقشت» مع «سيدنا»

لا يمكن فصل «عاصفة» بشارة الراعي عن «رياح» العالم العربي. لم يزر بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق «الأم الحنون» من خارج زمن «اللحظة العربية». إنها الزيارة الأولى له كرأس كنيسة أمام رأس دولة. وقف أمام رئيس دولة تعدّ في حسابات الدول من بين «العظمى» ليقدّم الجواب «غير المنتظر». فالانتخابات الرئاسية الفرنسية الحاضرة في صباحات نيكولا ساركوزي ومساءاته وحتى صلواته وربما أحلامه، كانت هي «معدّة ومقدمة ومخرجة» زيارة «سيدنا». لم يفلت من بين أصابعها سوى مواقف الراعي. أرادتها متوافقة ومسارها الإنتخابي فخذلها سيد بكركي ليبقى متصالحاً مع شعار اختاره من لبنان وماضياً في ترجمته لبنانياً وعربياً «شركة ومحبة». 

صحيح أن ما يحصل على الساحة العربية يعبّر عن إرادة تغيير عند الشعوب ولكن منذ اليوم الأول لسقوط النظام التونسي حصل زلزال في مراكز القرار في الغرب، حيث «لا رؤية ولا ترقب ولا قراءة». فتونس والمغرب العربي هما الحديقة الخلفية والقريبة للأمن والعلاقات الديمغرافية منذ الحرب العالمية الأولى والاستعمار الغربي وفي مقدمه الفرنسي. وتكثر التحليلات المبنية على معلومات ووقائع بأن القاعدة تنمو تحديداً في هذه المناطق من بلاد المغرب العربي. «نكسة الياسمين»، على ما يحلو للبعض تسميتها، قابلها سقوط النظام الأمني ـ السياسي المصري الذي نشأ بعد كامب دايفيد، بهندسة أميركية إسرائيلية مصرية مموّلة من مال النفط العربي. السقوط المزدوج ضاعف المفاعيل وشكّل نواة عمل مشترك من مجموعة مراكز فاعلة في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا. 

في خضم هذين السقوطين، تعذر قيام مفاوضات أميركية عراقية لتمديد الوجود العسكري الأميركي في العراق بعد 31/12/2011، وضعت ليبيا فوراً كهدف للغرب لسببين: إسقاط النظام ونشوء نظام بديل يديره الغرب مباشرة لأسباب تتقاطع بين مصالح إسرائيل واستراتيجية المصالح الغربية وهي وضع قواعد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا المعروفة بـ«أفريكوم» في ليبيا وتموّل من النفط الليبي. فتؤمن ما قد لا تؤمنه بعد اليوم القواعد الأميركية في العراق في اتجاه مصر، السودان، الصومال، دول المغرب العربي، دول الصحراء الأفريقية الإسلامية وأمن إسرائيل مباشرة. 

على هذا الوقع أصبحت القيادات الغربية ترسم سياساتها وفي مقدمها فرنسا في أوروبا بالتنسيق بين الخلايا السياسية والعسكرية الفرنسية والأميركية والدول الأوروبية المنخرطة. تحرك «رادار» بعض القيادات المسيحية التي أدركت أنه منذ احتلال العراق تدهور الحضور والوجود المسيحيين في المنطقة وبدت مؤشرات التعدّي على المسيحيين تتنامى في أكثر من ساحة بالتزامن مع مسلسل الاستهداف الاسرائيلي للمسيحيين في فلسطين وخاصة في القدس. 

تاريخية العلاقة بين البطريركية المارونية وفرنسا أعطت للزيارة صفة «الطبيعية» منذ انتخاب السابع والسبعين. أما في تحديد الموعد والتحضير فهنا المغزى. إنه إنجاز «الخلية الديبلوماسية» المسماة بالفرنسية «شارتا» وتنظيم مثل هذه الزيارات يدخل في صلب اهتماماتها.

وضع الراعي أمام ما يشبه الامتحان وانهال عليه مطر الأسئلة والمنطلق من خلفية واضحة: «أصبحت سوريا أولوية أساسية في أولويات التغيير الاستراتيجي للنظرة الغربية للمتغيرات التي نشأت بعد سقوط النظامين التونسي والمصري وعدم الوصول الى أفق واضح في مسألة تمديد وجود القوات الأميركية في العراق في إطار الحفاظ على الهدف في فصل سوريا عن إيران ووقف دعمها لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق».

انتظر الفرنسيون من الراعي أن تساهم أجوبته «بتوفير تغطية للخطة الغربية من قبل ممثل مسيحيي الشرق، أي تبرير المخاوف المسيحية التي نشأت في المشرق العربي وتبديد المخاوف على الوجود المسيحي في الشرق من مسيحيين في الغرب الذين كانوا يحذرون من مخاطر السياسات الغربية في المشرق العربي والعالم العربي والدول الإسلامية وإحتضان الحركات الإسلامية وإسقاط الأنظمة العلمانية». 

في رده، خاطب الراعي مراراً ساركوزي بوصفه رئيس «الأم الحنون» على لبنان والموارنة، سائلا اياه ماذا تفعل الأم عندما تشعر أن أولادها بخطر؟ هل تحميهم من النار أم تحميهم برموش العيون، ليصل الى سؤاله الذي جعل ساركوزي يريد إنهاء اللقاء سريعاً: ماذا فعلت أيتها الأم الحنون لحمايتي كمسيحي لبناني ومشرقي؟ إذا كنتم تتمسكون بالقرارات الدولية لنزع سلاح «حزب الله» ماذا عن القرارات الدولية التي تعيد الحق لأصحابه في فلسطين وتعيد اللاجئين الى أرضهم؟ لا جواب فرنسياً.

أبدى البطريرك كل المخاوف التي يشعر بها مسيحيو الشرق من المتغيرات. من الأخطاء التاريخية التي وقع فيها الغرب في التعاطي مع أهل هذه المنطقة ونتائجها على الحضور المسيحي في الشرق منذ سقوط القسطنطينية عام 1453 الى اليوم. جاءت أجوبة الراعي مناقضة لـ«بيدر» الحسابات الفرنسية... وهنا كانت صدمة ساركوزي قبل أن تكون صدمة آلان جوبيه وزير الخارجية مضاعفة بحيث بدت تصريحات الراعي متعمّدة في معرض الرد ليس إلا. 

في الواقع، تلاقى كلام الراعي مع هواجس «فرنسيو الرعايا» وهي شريحة تمارس مسيحيتها وتصغي الى كنيستها وتتطلع الى الشرق وتخاف على مسيحييه والأهم، أن لصوتها في الاستحقاق الرئاسي الفرنسي ثقلاً وازناً جداً إذ أنها تضم نخباً وشخصيات علمانية ودينية ومجلس مطارنة وكرادلة والفاتيكان. هؤلاء من حصل على «تغطية» بكركي وليس حملة ساركوزي الرئاسية. وثمة من يترحم هنا على أيام الجنرال شارل ديغول الذي أمر وزير خارجيته بعيد وقف إطلاق النار عام 1967 بإدانة إسرائيل في الجمعية الوطنية الفرنسية وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بين فرنسا اليوم والأمس هناك «ثوابت» الفاتيكان. والعارفون في دهاليزه يصرّون على عبارة ان بعض الدوائر المؤثرة في الكرسي البابوي «معنية كثيراً الى حد القلق بما يجري للمسيحيين في الشرق ولمستقبلهم وغير مطمئنة من السياسات التي تقودها القيادات الغربية في المنطقة والتي لا تأخذ في الحسبان الحضور المسيحي، وإنما تهتمّ ببعض المصالح المادية في الطاقة والنفط وتضع في مقدم اهتمامها إسرائيل ومستقبلها». في هذا «الرحم الفاتيكاني» تكوّن الراعي بطريركاً. فالمسألة ليست تنسيقاً يومياً أو تشاوراً وإنما «التفكير في الفلك المسيحي نفسه». فضلاً عن ذلك «الراعي ليس متلقياً من الفاتيكان وإنما الأخير يطلب رأيه كبطريرك للموارنة ولسائر المشرق». 

ولعل المفتاح لسيد بكركي، للتمسك بمقولاته التي سيحملها أيضاً في رحلته الأميركية يكمن في التقرير السنوي الذي صدر أمس الأول عن وزارة الخارجية الأميركية حول الحريات الدينية في العالم والذي استندت اليه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في قولها: «الثورات العربية ألهمت الشعوب نحو الديموقراطية، ولكنها عرّضت الأقليات العرقية والدينية لأخطار جديدة».


Script executed in 0.030090093612671