أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سترجع يوماً... لن ترجع؟

الجمعة 23 أيلول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,339 زائر

سترجع يوماً... لن ترجع؟
نحلم، نحن المضطرين إلى العيش هنا، بأن نبرهن كذب الحدس اللبناني العام والراسخ. هذا الحدس المتشائم دائماً من أي امكانية للتقدم. حدس ينبئنا بأن تطبيق هذه الخطة سيذهب في الطريق نفسها التي نصر على اتخاذها من دون غيرها في كل ما نفعل. طريق بتعرجات كثيرة وبحفر لا تعد. طريق لا تودي إلى مكان.
لماذا علينا أن نثق هذه المرة، أن الأمر مختلف وأن السلطة ستسلك في موضوع الكهرباء سبلاً مختلفة عما سلكت في كل مسائلها الاخرى. ربما من الاحسن لنا ألا نثق، على الاقل كي نحمي انفسنا من الخيبات التي تنتظرنا. لن نثق، ببساطة، لأن مجموعة الناس التي تدير شؤوننا لا تستحق الثقة. المجموعة نفسها، وهي نتاج اصواتنا واوهامنا وأطماعنا وهواجسنا، وهي في اسوأ نواياها فاسدة اخلاقياً وسياسياً، وفي أحسن نواياها عاجزة لا تملك مقومات أن تغيّر ما في ذواتها قبل أن تغيّر ما في البلد. مجموعة تسيّر شعباً على هذه الدرجة من التعقيد بلا خطة سير. حمله على كتفيها ثقيل وحملها على كتفيه أثقل. يمضيان هكذا، جسمين متلاصقين يهوي الواحد منهما بالآخر في منحدر بلا قعر.
ننهي منحدراً ليتلقفنا منحدر، ولا يكف هذا الجسد المنهك عن التحطم أكثر، حتى لا نعود نفعل إلا محاولة إصلاح حطامنا الرابض على زماننا كله، عظيماً كجبل، يقطع النفَس.
وحطامنا كثير، ولا أمل. حطام سياسي وثقافي واقتصادي واجتماعي واخلاقي. بلد ديموقراطي أحزابه ليست ديموقراطية، ومعظمها يوّرث. يعيش صراعاً سياسياً هجيناً بين أطراف تتشابه إلى حد التطابق. تعيث به عشوائية لا تصدق، تجعل استمراره على ما هو عليه، عقاباً بلا نهاية. يحكمه نظام انتخابي يشبه كتاباً سماوياً مقدساً جامعاً لمصالح الطوائف كلها، كي تكرر أخطاءها إلى ما شاءت آلهتها. بلد مرهق ومحبط لا شيء يتطور فيه بثبات واضطراد إلا غباره، ويتراجع فيه كل امر آخر.
دعونا لا نصدق أن الكهرباء سترجع، كما لن نصدق أن الغاز الذي سيصعد من بحرنا سيعود علينا بأي خير، كما أننا لن ندفع يوماً فاتورة خلوية منطقية، وليست خرافية، كما أننا لن ننال يوماً مدرسة وجامعة رسميتين يمكن الركون اليهما. كما لن نستحق حياة لائقة في بلد لائق. كما أننا لن نقلع يوماً عن إدماننا على التخبط.
بعد أكثر من عقدين، ما زالت شرور البيت الذي نعيش فيه تحاصرنا وتنقضّ علينا، بسببنا. لا السقف مستو ولا الجدران قوية، ولا شيء في هذا البيت يبدو صالحاً للبقاء، حتى نحن. نحن الذين ما زلنا ندفع كل الفواتير مضاعفة، فواتير أمننا اليومي، من مياه الشفة إلى مقعد المدرسة إلى الحق بالمشي على الرصيف... الى القدرة على تقرير المصير. ندفع فواتير فشلنا المعيب في الخروج من ركام الحرب الأهلية. ندفع ثمن تذاكينا المفرط وحقدنا الدفين وتكاذبنا المعلن واحتيالنا المفضوح. ندفع للدفع، كأننا نعيش لندفع الاثمان، كأننا ملعونون.
لا نريد أن نصدّق أن الكهرباء سترجع، هكذا، بلا محاصصة وبلا هدر. ترجع، من دون غيرها، من خارج السياق العام، العشوائي، الذي لا ينبئ بأن جيداً ما من الممكن أن يحصل معنا. ترجع لتخبرنا بأن البديهيات، ستكون، ولو بعد عقود من حقنا.
لا نريد أن نضيف إحباطاً على احباط. لا نريد تغيير عادتنا على عدم الايمان المطلق بالبيت وما فيه، ومن فيه.
دعونا من الآن نرتاح إذ نقول: لن ترجع الكهرباء.

Script executed in 0.034489870071411