أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بكركي لكونيللي: لكم هواجسكم ولنا هواجسنا

السبت 24 أيلول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 851 زائر

بكركي لكونيللي: لكم هواجسكم ولنا هواجسنا

تعكس رعاية بكركي، اليوم، القداس السنوي الذي تحييه القوات اللبنانية في ذكرى شهدائها صورة مختلفة عمّا يريد الاحتفال تصويره إياها. الرعاية من البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، والقداس من سلفه البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الذي سيكتفي بترؤسه من دون إلقاء عظة أو كلمة في المناسبة. بل سيتولى أحد الكهنة تلاوة رقيم بطريركي باسم الراعي وصفير معاً بمضمون يتسم بالعمومية، من أجل أن لا يُفسح في المجال أمام أي إيحاء بوجود بطريركين في بكركي لخيارين متناقضين، وتبديد الانطباع، تالياً، بأن ترؤس صفير القداس سينعش اعتقاداً تتمسّك به القوات اللبنانية، هو أن تكون بكركي على صورة هذا التنظيم، أو على صورة قوى 14 آذار. إلا أن الأمر ليس كذلك.
منذ نتائج زيارته باريس، تشعّب الجدل في الخيارات الجديدة التي يعبّر عنها الراعي. تحمّس لها البعض، ونفر منها البعض الآخر. إلا أن البطريرك ثبّت مواقفه تلك وأكد الإصرار عليها، ورسم حدوداً جديدة لطريقة تعاطيه مع الأفرقاء اللبنانيين، وأخصّهم الموارنة. لا يتجاهل أحداً منهم أو يهمله، ويثابر على الحوار معه، ولكنه لا يرتب أولويات بكركي ومواقفها تبعاً لما يرضي هذا الفريق أو ذاك.
حدّد، في المرحلة الجديدة مع انتخاب بطريرك جديد، ثوابت جديدة لبكركي تجبه التحدّي الذي يضعه الراعي في رأس أولوياته، وهو مواجهة الخطر الذي ينذر الوجود المسيحي في المنطقة ويهدّده ويستهدف جذوره فيها. تحدّث عن هذه الثوابت أمام الرئيس نيكولا ساركوزي والمسؤولين الفرنسيين في باريس، وأعاد تأكيدها لدى عودته إلى بيروت، ثم قالها للسفيرة الأميركية مورا كونيللي لدى استقباله إياها في 19 أيلول، والسفير الفرنسي دوني بييتون في 21 أيلول. وستكون الثوابت نفسها في صلب الجولة التي سيقوم بها البطريرك، في أول تشرين الأول المقبل، على الولايات الأميركية، وفي صلب محادثاته المقرّرة مع المسؤولين الأميركيين.
كان هذا الموضوع في قلب محادثات الراعي مع كونيللي في ضوء المعطيات الآتية:
1 ـــــ حضرت كونيللي إلى بكركي مزوّدة أحكاماً مسبقة حيال مواقف البطريرك في باريس، متبنّية وجهة النظر التي تحفظت عن تلك المواقف، وأخصّها من أفرقاء مسيحيين في قوى 14 آذار، وراحت تعرب عن قلق بلادها ممّا بلغها من كلام البطريرك. بعد اجتماعها بالراعي خرجت بانطباع مغاير متفهّم لما سمعته، وخصوصاً من بكركي التي قالت للسفيرة: لكم هواجسكم ولنا هواجسنا.
2 ـــــ رغم أن واشنطن كانت قد أبلغت إلى بكركي 3 تشرين الأول المقبل موعداً لاستقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما البطريرك الماروني في البيت الأبيض، أتت السفيرة كي تحمل إلى الراعي علامة استفهام حول هذا الموعد، انطلاقاً من تعليمات في هذا الشأن زوّدتها إياها الخارجية الأميركية، بما يشير إلى تحفّظ أولي حيال هذا التاريخ. لم تقل إن الموعد ألغي، إلا أنها لم تثبّته، وأبقت الأمر معلقاً ريثما تحصل من البطريرك على ما سمّته إيضاحات ترسلها إلى إدارتها، كانت في الواقع تأكيد البطريرك كل ما كان قد قاله.
كان ردّ فعله لكونيللي على التشكيك في اجتماعه بالرئيس الأميركي، أنه سيزور الولايات المتحدة لتفقد الجالية اللبنانية وأبناء كنيسته، سواء اتفق على الاجتماع بأوباما أو لا. إلا أن أياً من المواعيد الرسمية الأخرى التي تشمل اجتماعات ولقاءات مع مجلسي النواب والشيوخ لم يطرأ عليه تعديل، ولا تزال مثبتة في برنامج زيارة البطريرك واشنطن. وهو سيلتقي أيضاً في نيويورك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
3 ـــــ ترغب واشنطن، في ضوء ما بلغ إلى الصرح البطريركي من قنوات سوى السفيرة، في سماع موقف من الراعي ينتقد حزب الله بعنف ويندّد بسلاحه.
كان ردّ الفعل أن لا يتوقع أحد هناك سماع موقف كهذا من البطريرك، يتوخّى ظاهراً حملة سياسية دعائية على حزب الله، وضمناً توفير سبب إضافي لأزمات داخلية ووطنية في لبنان. فضلاً عن أن معالجة مشكلة سلاح الحزب متكاملة وغير مجتزأة، تتناول السلاح ودوافعه ومبرّراته.
وشأن ما قاله في باريس عندما عبّر عن هواجس مزدوجة المنحى، سواء بالنسبة إلى حزب الله أو إلى سوريا، تأخذ في الحسبان المسؤولية الوطنية في لبنان ومسؤولية المجتمع الدولي لإيجاد الحلول، يحمل إلى الجولة الأميركية القلق نفسه والهواجس نفسها التي تترجمه.
ما أبلغه الراعي إلى كونيللي سبق اجتماعه الأخير بالسفير الفرنسي الأربعاء الماضي. كان البطريرك قد امتعض من موقفين متناقضين لبييتون اتخذهما على أثر عودته من باريس: أولهما تحدّثه عن نتائج إيجابية وزيارة تاريخية، وثانيهما الذي لم يفصل سوى ساعات عن سابقه عن استياء فرنسي ممّا سمّاه تصريحات البطريرك وموقفه من سوريا، متبنّياً ردود الفعل السلبية عليه. وعندما تبلغ الراعي قبل أكثر من أسبوع طلب السفير الاجتماع به لاستيضاحه ما قاله في العاصمة الفرنسية، تعمّد تأخير استقباله يومين على الأقل ترجمة لذلك الاستياء من تصرّفه، قبل أن يستقبله ويصارحه بانزعاجه.
سرعان ما وزّع السفير بياناً عن هذا الاجتماع تراجع فيه عن الإشارات السلبية التي كان قد ضمّنها في موقفه الثاني، كي يسهب في الكلام مجدّداً عن العلاقات التاريخية بين فرنسا والكنيسة المارونية واستمرار تقليد لا مساس به، ولا يرى مبرّراً للضجة التي رافقت مواقف البطريرك. مع ذلك، لم يتردّد بييتون في بيانه في تأكيد موقف حكومته من سوريا، وهو رفض القمع وأعمال العنف الجارية فيها وانعكاساتها الخطرة على الأقليات، كي يؤكد الخلاف مع بكركي حيال هذه المسألة.

Script executed in 0.034073114395142