أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الراعي الصالح... هو من ينقذ الرعية

السبت 24 أيلول , 2011 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,259 زائر

الراعي الصالح... هو من ينقذ الرعية

اما نحن فإننا نرى ان ردات الفعل على مواقف البطريرك منطقية ومنسجمة مع نظرة هؤلاء وأولئك الى المسيحيين ودورهم أو وظيفتهم في لبنان والشرق عامة، هذه النظرة التي تندرج هي الأخرى تحت عنوانين مختلفين بحيث نجد:
1) النظرة الكيانية الذاتية الدائمة وهي نظرة مسيحية الى الذات تقوم على اعتبار المسيحيين مكون من مكونات الوجود الانساني في الشرق، وهو متجذر فيه ومتمسك به بصفته صاحب حق في الاستمرار متساوٍ مع غيره من المكونات الانسانية الاخرى بصرف النظر عن القومية، والعِرق والدين والمذهب. وقد قادت هذه النظرة المسيحيين الى تحمل مسؤوليات جسام في النهضة المشرقية عامة والعربية خاصة (يشهد لهم التاريخ القديم كما في التاريخ المعاصر على ذلك) وتنكّب رجال منهم مسؤوليات عظام في المحافظة على الحقوق والمقارعة مع الأجنبي الذي كان يريد مد اليد والسيطرة على بلدانهم. وهنا لا بد ان نلفت الى ان كثيرا منهم ممن عمل في هذا الإطار تخطى مسيحيته من دون ان يتنكر لها، وعمل بقوميته او بإقليميته المشرقية عاملا من اجل الجميع. وقد تمحور خطاب المسيحيين هنا حول المناداة بالحرية والمساواة والعدالة وحق الجميع (مهما كان حجمهم) بالاستمرار في العيش الأمن والوجود من غير الاضطرار الى الهجرة او الذوبان في المحيط الاوسع.
2) النظرة الوظيفية المرحلية، وهي نظرة اجنبية الى المسيحيين ارتضى بها بعض المسيحيين هنا، وهي تقوم على اعتبارهم اقلية يمكن استعمالها باباً للتدخل الخارجي في البلاد، وأداة لتنفيذ المشاريع الأجنبية التي تهدف للسيطرة واستثمار الثروات المحلية (عقدت صفقة مع من ارتضى الوظيفة: انت تحرس مصالحنا ونحن نحفظك في السلطة). وكانت الذريعة الظاهرة للتدخل تنطلق دائما من فكرة الخطر المستوجب للحماية الأجنبية، والحرص على وجود الأقليات، وتترجم الصفقة عمليا بإقامة نظام حكم الأقلية التي تحتاج الى الدعم والمساعدة الأجنبية الدائمة لمنع الغالبية من الإطاحة بها. وانتجت هذه النظرة خوفا دائما لدى بعض الفئات المسيحية التي صدّقت المقولة فسلمت زمامها للخارج، ما أثار حفيظة الآخرين من المذاهب والأديان الأخرى لسببين:
- اولا لأن التدخل الاجنبي وإقامة حكم الفئة الممتازة وخلق الامتيازات أخلّ بقاعدة المساواة بين المواطنين.
- وثانيا لأنه مع غياب العدالة واستشراء الظلم ينعدم الاستقرار.
وفي السنوات الخمس الأخيرة شهد لبنان صراعاً مريراً بين هاتين النظرتين تبلور في مواقف سياسية حادة اتخذها فرقاء اساسيون على الساحة المسيحية، انقسام بين مَن يقول إن المسيحيين مكون ثابت من مكونات شعوب المنطقة، تكون حمايتهم باندماجهم فيها وقيام العدالة في ما بينهم، وبين من يرتضي وظيفة الأداة ويعتمد على الغرب في الاستمرار في السلطة واستمرار وجوده.
وقد جسّد التيار الوطني الحر النظرة الاولى ودعا الى "إصلاح وتغيير" للنظام والسياسات في لبنان من اجل اجتثاث الفساد وإقامة العدالة الاجتماعية وتعميق انتماء المسيحيين وتجذرهم في المنطقة، وتنفيذا لذلك اعتمد "التيار" على الذات واطلق حركته الإصلاحية وانفتح بقيادة العماد ميشال عون على الآخر في الوطن والعرب والمنطقة ما قاده الى تفاهم مع حزب الله وانفتاح على سورية وتفهّم للسياسة الإيرانية.
وفي المقابل جسّدت الاحزاب اليمينية المسيحية (خصوصاً المتطرفة) والتي انتهت في ايامنا الحاضرة لتختصر تقريبا بحزب "القوات" (مع وجود شكلي لمن تبقى من احزاب اخرى) جسّدت النظرة الثانية وقادها تفكيرها هذا، الى اعتبار فرنسا اولا الأم الحنون التي لن تتخلى عنهم (فخذلتهم لحظة الحشرة)، وعندما اشتد الخطر عليهم كما روجوا مدوا اليد الى "اسرائيل" واتخذوها حليفاً استراتيجيا وعملوا معها ضد الآخر في لبنان، ولكن النتيجة ارتدت عليهم سلبا، فأضاعوا ما كان لهم من امتيازات في السلطة وتراجع دورهم في لبنان بشكل عام وباتوا يخشون من التهميش امام فئة لبنانية (المسلمون السنّة) انتزعت منهم بعضا مما كان لهم من صلاحيات.
ومع هذا التناقض بين النظرتين كان يعوّل على دور مرجح للمقام الديني الاعلى للمسيحيين في لبنان "البطريركية المارونية" وهي التي يحفل تاريخها (خصوصاً القريب منه) بمحطات لا يمكن إدراجها تحت عنوان واحد، لكن المميز في ربع القرن الأخير كان موقف البطريرك نصرالله صفير الذي انحاز بشكل واضح الى النظرة الوظيفية واحتضن اليمين المسيحي وأحزابه وبشكل خاص "القوات" احتضانا قاده الى الجفاء والخصومة مع قوى اقليمية اساسية (سورية وايران) ولبنانية فاعلة (حزب الله كما واليسار اللبناني بكل أحزابه تقريبا).
لكن ظروفا معقدة مركبة منعت البطريرك صفير من إكمال عمله وتحمّل مسؤولية سدة البطريركية، ما ادى الى حلول بشارة الراعي مكانه بطريركاً للموارنة في لبنان وسائر المشرق، وهنا كان التحدي الكبير امام البطريرك الجديد: هل يتابع من حيث انتهى السلف ام يختط لنفسه طريقا في مختلف؟
قبل عرض السلوك البطريركي الجديد نرى التذكير بثوابت ووقائع واجهها غبطته:
- في الفكر المسيحي الثابت، يُعتقد بأن السيد المسيح هوالمخلص وهوالذي افتدى الانسان بنفسه، ما يعني ان الراعي يتحمّل عن الرعية حتى يخلّصها ويقودها الى برّ الامان والنجاة.
- وفي الواقع العملي رأى البطريرك الجديد ان تيار "المسيحيين أداة للغرب" وقع في مأزق - كارثة حيث ادى اعتماد المسيحيين على الأجنبي او تصديق المسيحيين بحماية الاجنبي، ادى ذلك الى اقتلاع المسيحيين من فلسطين على يد "اسرائيل" ولم تحمهم اوروبا او اميركا، كما ادى الى اقتلاع المسيحيين من العراق في ظل الاحتلال الاميركي، إن لم نقل على يد الاحتلال الاميركي نفسه أو برعايته، والآن هناك مخاطر كبرى تتهدد المسيحيين في سورية في ظل ما استشرى فيها من حركات تدّعي العمل على "إقامة حكم الإسلام" ولا تعترف للآخر بحقه في الوجود اوبالحقوق في اقل تقدير(الاسلام دين الاعتراف بالآخر والعيش والحوار معه).
- في الوثائق الكنسية الحديثة قرأ الراعي ما صدر عن السينودس الأخير الذي عقد للبحث في موضوع لبنان ومسيحيي الشرق وتوقف عند التركيز على "المحبة" والانتماء والانفتاح والعيش مع الآخر بأخوّة ومساواة وان يكون العدل هو ما يحكم ميزان العلاقات مع الآخر.
لقد رأى البطريرك الراعي ان فكرة الاعتماد على الخارج لحماية المسيحيين هي فكرة عقيمة ومفجعة في نتائجها حيث تسببت في لبنان حتى الآن بخسارة المسيحيين لمواقعهم في السلطة وتهجيرهم من 40 % من المناطق التي سكنوها (سببتها فئة الأدوات) وان الاستمرار فيها سيؤدي الى مزيد من التهميش المؤدي الى الاقتلاع والانقراض، وفي المقابل وجد الفكر الآخر، بدأ يؤتي ثماره بإرساء نوع من طمأنينة وإعادة الى بعض من نفوذ وسلطة ويؤمل ان يبعد الخطر عن الوجود. ولان وظيفته الكنسية هي التمثل بسيده " المسيح" فقد كان عليه ان يسلك طريق الإنقاذ عبر الانفتاح والشركة والمحبة للآخر وان يجاهر بتأييده للمقاومة التي حررت ارضا في لبنان، ويجاهر برفضه إسقاط الحكم في سورية الذي لا يميز بين مواطنيه حسب الدين ويكون صلبا في ان يسقط عن رعيته ما يريدونها لها من "دور الاداة" ليكرس لها صفتها الحقيقية بأنها "مكون ثابت من المكونات الانسانية في الشرق.
وعندما بادر وفعل ما رآه فعل إنقاذ كان طبيعيا ان يغضب في الداخل "فئة الادوات"، ويثير في الخارج جماعة السيطرة والهيمنة، لكنه ثبت على مواقفه بصرف النظر عمن غضب واستنكر، لأن همّه إنقاذ الرعية وهي وظيفة الراعي الصالح.

Script executed in 0.038604021072388