أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جعجع والجميّل يطيحان النسبية

الأحد 25 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,266 زائر

جعجع والجميّل يطيحان النسبية

في الأسابيع القليلة الماضية، تحول قانون الانتخابات وفق نظام النسبية من قانون يصحح التمثيل الشعبي في المجلس النيابي، إلى مجرد قانون يصحح التمثيل المسيحي في المجلس النيابي. وتصبّب الباحثون عرقاً في اجتهادهم لاحتساب «المقاعد المسيحية» التي «يحررها» النظام النسبي من «الصوت المسلم»، لكن فجأة أطل نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي مع بيضته السحرية: كل مذهب ينتخب نوابه. لا يمكن أيّ قانون انتخابي في العالم أن يصارع قانون الفرزلي على صعيد التمثيل الطائفي للبنانيين. لا نسبية ولا one man one vote ولا أي شيء آخر. الفرزليون واثقون بأن «الزعيم الذي يرفض قانونهم يفتقد الثقة بتمثيله لطائفته». وهذا الزعيم «مدان (ليس فقط متهماً) بإيصال نواب من طائفته إلى المجلس النيابي بأصوات مقترعين من طوائف أخرى». يا للكارثة. مصيبة اللقاء الماروني الذي اجتمع أمس أن من تقدم بمشروع «كل مذهب ينتخب نوابه» كان اللقاء الأرثوذكسي أو لقاء الطائفة التي غالباً ما وقفت بأكثريتها في القضايا السياسية على يسار الطائفة المارونية لا يمينها. وبالتالي يدخل الموارنة إلى لقائهم محرجين: كيف سنقف متفجرين على هذه المزايدة الأرثوذكسية علينا، كلما وقف إيلي الفرزلي أمام المرآة يضطر إلى تذكر سمير جعجع. الآن كلما فكر جعجع في الانتخابات تذكر الفرزلي. قدم الفرزلي القانون الانتخابي الذي لطالما حلم به جعجع. كل طائفة تنتخب نوابها: فدرالية، كونفدرالية، نيابيفدرالية (...) سموها ما شئتم. يفتح جعجع كتب نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة ليبحث عن المقاعد المارونية التي يعتقد أن عون قد فاز بها بفضل الصوت الشيعي. يضرب على رأسه، ممكن إذاً هزم عون (من دون ربما، هو واثق بهزمه) في بعبدا وجبيل وكسروان. كل مذهب ينتخب نوابه، يحصي جعجع أصوات الموارنة عام 2009: في جزين، عكار، زغرتا، كسروان، بعبدا، جبيل وعاليه تقدم التيار الوطني الحر وحلفاؤه على خصومه وسط المقترعين الموارنة. أما في بعلبك والمتن وطرابلس والشوف والبترون وبيروت وزحلة ومرجعيون والكورة وبشري، فتقدمت القوات اللبنانية وحلفاؤها على التيار وسط المقترعين الموارنة. يمكن الآن جعجع أن يتصالح مع ماضي الفرزلي، يمكنه حتى التحول ناطقاً باسم الأخير في اللقاء الماروني، لكن ثمة ملاحظة سلبية واحدة في مشروع الفرزلي، هي أن انتخاب كل مذهب العدد المخصص له من النواب سيؤدي إلى ظهور زعماء جدد في الطوائف التي كانت منضوية في عباءة الطائفة المارونية، وستضعف بذلك هالة الزعماء المسيحيين الذين سيصبحون بفضل قانون الفرزلي زعماء موارنة فقط. يعدلها جعجع قليلاً: فينتخب المسيحيون نوابهم والمسلمون نوابهم، بغض النظر عن المذاهب. ولنبرر ذلك بواجب كنسي: الحرص على وحدة الطوائف المسيحية. يمكنه حتى (جعجع) أن يطلب تعزيزاً لاقتراحه أن يؤدي المجتمعون صلاة وحدة الكنائس المسيحية.

نسبية؟ اسألوا لاحقاً عنها. وفّر الفرزلي لجعجع وحزب الكتائب فرصة تطييرها. تطير الآن النسبية التي لا تلائم أبداً تيار المستقبل وحليفه غير المعلن وليد جنبلاط، بحجة وجود قانون آخر يوفر تمثيلاً أفضل للمسيحيين. ويطير لاحقاً اقتراح الفرزلي الذي سيفقد تيار المستقبل نحو نصف كتلته النيابية («نواباً مسيحيين» منتخبين بأصوات «سُنية») بحجة تعريضه السلم الأهلي للخطر ورفض الطوائف الأخرى له. أحياناً يثبت جعجع عيب التشكيك في ذكائه ودهائه. اِنقاد أمس كل من شارك في اللقاء الماروني إلى لعبته: نعى بنفسه النسبية، ودفنها سامي الجميّل لعدم تلاؤمها مع مصلحة الأخير الانتخابية. ثم تبرع العماد ميشال عون بنعي قانون الفرزلي لتعريضه السلم الأهلي للخطر، ودفن النائب سليمان فرنجية هذا القانون حفاظاً على مشاعر الطوائف الأخرى، وبروتوكول العيش المشترك، ليبقى في القاعة صدى لسؤال وجهه النائب سيمون أبي رميا إلى لجنة قانون الانتخابات المنبثقة من اللقاء الماروني: لماذا أسقطتم من حساباتكم القانون السابق؟ في وقت كان فيه الوزير السابق زياد بارود الذي «يلقطها على الطاير» يقنع المجتمعين بوجوب اهتمامهم أكثر بالإصلاحات الانتخابية التي تصحح التمثيل عبر الحد من تأثير المال الانتخابي والتزوير. وأسهم بارود خير إسهام في خدمة جعجع عبر تمنيه أخذ علاقة قانون الانتخاب بالسلم الأهلي وطبيعة الخطاب السياسي بالاعتبار عند النقاش. وفي النتيجة كل من شارك في لقاء أمس الماروني خرج متفائلاً بالنقاش الإيجابي، وردد: أجّلنا الحسم. أما فعلياً، فقد حسم رفض مسيحيي 14 آذار النسبية بحجة أن قانون الفرزلي (مع بعض التعديلات طبعاً) يوفر تمثيلاً مسيحياً أفضل، فيما حسم تكتل التغيير والإصلاح رفضه قانون الفرزلي بحجة مسّه بالسلم الأهلي، وتعزيزه الخطاب المذهبي والأصولي. وبالتالي وداعاً للإجماع على النسبية، فليستعدْ جنبلاط هدوءه والحريري علاقته الانتخابية الودية مع جعجع. مرة أخرى، أثبت جعجع أمس أنه مناور من الدرجة الأولى. بدا واضحاً أن عون وفرنجية لم يتنبها إلى المناورة الحاصلة، أما البطريرك، فهو الأعلم بهذه الألاعيب. بدوره، جلس الرئيس أمين الجميل يتفرج على جعجع وابنه سامي، من دون التلفظ بأية كلمة.
في تفاصيل الاجتماع، حدد الراعي بدايةً هدف اللقاء: «استكمال البحث عن قواسم مشتركة بشأن القانون الانتخابي الأفضل». يقرأ جورج عدوان بزهو التقرير الذي أعدته اللجنة التي تضمه والنائبين آلان عون وسامي الجميّل والوزير السابق يوسف سعادة، بعد انتدابه لهذه المهمة التاريخية المقدسة باعتباره الأكبر سناً. أوضح عدوان وجود 4 قوانين انتخاب تقترح اللجنة مناقشتها للاتفاق على أحدها. أقل هذه الاقتراحات ملاءمة بحسب اللجنة هو مشروع توفيق الهندي. يليه، من حيث السوء في نظر اللجنة دائماً، مشروع «one man one vote» المقدم من مركز عصام فارس للدراسات، فمشروع النسبية (لبنان 15 دائرة انتخابية)، وأخيراً مشروع اللقاء الأرثوذكسي. واكتفى عدوان بعرض ملخص لكل مشروع، من دون إعلام الحاضرين بأية تفاصيل، سواء بشأن عدد النواب الذين يتيح كل مشروع لـ«الصوت المسيحي» أن يوصلهم إلى المجلس النيابي، أو بشأن دستورية كل مشروع وميثاقيته، أو بشأن إيجابيات كل مشروع وسلبياته. ولم يحاول عدوان كممثل للجنة تنظيم النقاش أو تحديد عناوينه العريضة ليكون منتجاً أو ليحقق المجتمعون هدف اللقاء كما حدده الراعي. بعد علك عدوان نحو نصف ساعة الورقة التي تتطلب قراءتها خمس دقائق، تبيّن أن اللجنة كلها ترغب في الكلام. فتحدث النائب آلان عون ببعض العموميات. بعده، شغّل أحدهم أسطوانة سامي الجميّل: «بدنا نتوحد، يا جماعة لازم نتوحد (...) نحنا (...) وهيكي سيدنا ما بيسوى (...)».
انتهى الخبراء. بدأ دور النواب. الأول من دون شك بطرس حرب. يشعر «فخامة النائب» بالغبن في مناسبات كهذه، حين يجلس الجميّل وجعجع وعون وفرنجية على كرسي أعلى من كرسيه، ويستحيل بالتالي على أحد ممن كراسيهم بمستوى كرسيه، أن يسبقه إلى الكلام. عظة التنورينيّ، يسمي بعض زملاء حرب مداخلاته. إميل رحمة الخائف على مقعده النيابي من حماسة جعجع لانتخاب كل طائفة نوابها، فيفقد الصوت الشيعي تأثيره في بعلبك ـــــ الهرمل على الصوت الماروني ويصبح وصول رحمة إلى المجلس النيابي مستحيلاً، ينبه من تعزيز الأصولية ووجوب التمسك بالاعتدال المسيحي. تنظير. وتنظير إضافي: «البطريرك والمدى الوطني». وإضافةً إلى التنظير الإضافي: «الالتزام بخط العماد عون وسليمان فرنجية».
كل شيء، كل شيء، إلا نديم الجميّل. يسائل الأخير البطريرك عن مواقفه الباريسية التي أثارت «استياء المسيحيين». يبتسم البطريرك، مذكِّراً نديم بأن للنقاش اليوم عنواناً، متعهداً توضيح موقفه أكثر في ختام الاجتماع. سامر سعادة تعلم مهنة التنظير بعيداً عن الموضوع أيضاً. جعجع يناقض كل كلامه في الاجتماع السابق: كان يشكك في جدوى هذه الاجتماعات البعيدة عن أساس المشكلة في لبنان، صار معجباً بها ومشجعاً عليها. كان مع النسبية صار ضدها. صار مؤيداً للانقسام المسيحي السياسي الحاصل، ومشجعاً على تحالف كل مجموعة سياسية مسيحية مع طائفة. يقاطع إسطفان الدويهي، مشيراً إلى أن التنافس المسيحي ـــــ الإسلامي، أو الإسلامي ـــــ الإسلامي أضمن للمسيحيين بكثير من التنافس مع جعجع. تضحك القاعة فيما تكز أسنان جعجع. عظة وطنية وقّعها روبير غانم. عظة ثانية وقّعها نبيل نقولا «العلماني» الذي «لا يجد في القوانين المقدمة ما يراعي علمانيته». أما العماد عون، فأظهر تمسكاً بالنسبية التي تؤمن أكثرية تحكم وأقلية تمثل في مجلسي النواب والوزراء. بدوره، شدد النائب فرنجية على وجوب احترام مقتضيات السلم الأهلي وعدم تقديم رسالة «أغرسيف» للطوائف الأخرى. إبراهيم كنعان رأى أن النسبية توسع مساحة العمل من دون ذوبان الأقليات في الأكثريات، لكن كلما تحدث أحد عن النسبية، عقّب جعجع. قالها بوضوح هذه المرة: «على المسيحيين أن يثقوا بأنفسهم، ويطالبوا بحقوقهم. يعطينا الدستور 64 نائباً، يجب أن نطالب بهم لا بنصفهم ولا بثلثهم. الطوائف الأخرى لا تخجل من المطالبة بحقوقها، فلماذا نخجل نحن؟». وهنا يسارع سامي الجميّل إلى طلب الكلام، مؤكداً أنه يؤيد كل كلمة قالها جعجع. وسواء عن قصد أو عن غير قصد يجاريهم آلان عون في رده على زميله سيمون أبي رميا، الذي دعا إلى تحديد المجتمعين هويتهم: قوى سياسية أم مجموعات طائفية؟ فأكد عون أن «المجموعات السياسية حولنا تأخذ الهوية الطائفية، ولا نستطيع الجلوس مكتفين، لأن ذلك سيفقدنا حقوقنا».
قبيل انتهاء الاجتماع، طلب حرب عدم تسريب النقاشات التي حصلت، فأيده بسرعة جعجع: أكيد أكيد أكيد. وإذ بحرب يخرج ليكون أول المصرحين، وتبعه في التصريح جعجع. فيما كان النائب أنطوان زهرا يقول موقف القوات بصراحة: «بعد دراسة كل الصيغ المتداولة، نجد أن اقتراح اللقاء الأرثوذكسي قدم التصور الأفضل للتمثيل الصحيح على صعيد الطوائف».
لاحقاً، حين انتقل المجتمعون إلى مائدة الغداء، غادر جعجع فجلس المطران رولان أبو جودة على كرسي البطريركية، الذي كان مخصصاً لقائد القوات، فإذا بالكرسي يقع والمطران. حتى من حفر كهذه ينجو جعجع.


نطقت جيلبرت

بدا واضحاً خلال النقاش أمس أن البحث سيبقى ناقصاً لتغيب فؤاد السعد ودوري شمعون وستريدا جعجع. الأول لأسباب صحية، والثاني لأن الانتخابات مضيعة للوقت «في ظل استمرار غلبة السلاح»، وقد دعا شمعون أمس إلى «عدم إجراء انتخابات في المربعات الأمنية والدوائر الانتخابية المرتبطة بها» (يقصد ربما دوائر بعبدا ـــــ مربع حزب الله)، بيروت (مربعات تيار المستقبل والسفارة السعودية وقصر ... )، الشوف (مربعات تيار المستقبل) عكار (مربع خالد ضاهر) ومعظم الدوائر الأخرى. أما غياب ستريدا، فكان ذريعة لتطلب النائب جيلبرت زوين الكلام، وتعبّر عن افتقادها الشديد لزميلتها.

Script executed in 0.16703510284424