كانت الساعة العاشرة والنصف ليلاً، لمّا اقتحم، قبل أسبوع، شبان مسلحين أحد أحياء منطقة «برج البراجنة»، للانتقام من شاب رفع صوته بوجه رجل كان يقود سيارته. حينها، قال السائق عبارة واحدة: «انتظروني. دقائق.. وسأعود».
عاد، وبصحبته المجموعة المسلحة. سأل أحد رجال المجموعة: «من الذي شتمك؟»، فأشار بيده إلى شاب كان واقفاً أمام محل سمانة. «هيا، أبرحه ضرباً، حتى الموت». قال الرجل، ثم طلب من المجموعة شهر أسلحتها، أمام سكان الحيّ، الذين احتموا في منازلهم، وأغلقوا نوافذها.
انهال الرجل بالضرب على «شاتمه» من دون هوادة، بينما كان جزع الأسلحة المرفوعة يكبّل شباب الحي. وفيما كان الشاب يلتقط ما تبقى من أنفاسه، لملمت المجموعة نفسها منفذة انسحاباً تكتيكياً، تحسباً لأي هجوم مباغت.
غير أن خطتها باءت بالفشل، وذلك بعدما تنفس بعض شباب الحيّ الصعداء، وقرروا الثأر لصديقهم، فعمدوا إلى رشق المجموعة بالحجارة. آنذاك، عاد الغضب ليسيطر على أفراد المجموعة المسلّحة، فعادوا أدراجهم في ثوان، وتولى أحدهم مهمة الهرولة بين المتجمهرين، كأنه في ماراتون يوم أحد مشمس، وأخذ يطلق النار كيفما اتفق.
في تلك الأثناء، كان ح. س.، وهو شرطي في بلدية برج البراجنة، ماراً على دراجته النارية في الحيّ، فأصيب بطلق ناري في قدمه. ولم تردع الإصابة نهم المجموعة للاستمرار في البحث عن فريستهم، إلى أن استشعرت بأن معركة مستعرّة ستقع إذا طال الانتظار في الحيّ الذي بدأ يكشّر عن أنيابه.
وبعد حوالى ساعة ونصف الساعة، وصلت دورية للجيش اللبناني: كان الجريح قد جُرح، والأطفال قد أصيبوا بالرعب، والأمهات قد خفن وتوجسن على أبنائهن، والشباب قد بدأوا يبحثون في سبل الثأر المؤجل.
كل يوم وفي كل المناطق
يكاد لا يمرّ يوم إلا وتشهد أكثر من منطقة لبنانية إشكالات «فردية» (أي أن أسباب وقوعها غير سياسية أو طائفية)، يمكن أن تبدأ بخلاف على أفضلية المرور، أو بسبب نظرة غامضة ملتبسة رمقها شخص لآخر، ثم تنتهي بمشهد حركي فيه الكثير من التشويق: تبادل إطلاق نار من أسلحة رشاشة، أو مسدسات، أو قنابل يدوية، أو حتى قذائف!
وبما أن الإشكال الفردي بعيد كل البعد عن السياسة والطائفية، فإن حصته من الإعلام تكون خبراً «عادياً» كسائر الأخبار، فيما لو كانت أسباب اندلاعه سياسية، لكان سيحمل تأويلات ويتحول إلى حديث البلد اليومي.. على الرغم من أن نتائج الإشكالات السياسية، أو الفردية، صنوان، من حيث البشر والحجر.
وغالباً ما تكون الأسلحة، التي تتحول بين يدي مطلق النار إلى ما يشبه السيجارة، يسهل التقاطها، ومن ثم إشعالها بهدوء، مرخصة من الجهات الأمنية المعنية.
أما حملة السلاح غير المرخصة، فإنهم غالباً ما يتسلحون بعلاقاتهم مع مسؤولين في الدولة أو في الأحزاب، بما يمكنّهم من شهر السلاح بكل ثقة وطمأنينة، ثم تلقيمه أمام الملأ، فإطلاق النار إما في الهواء، أو بوجه الطرف الخصم.
والطرف الخصم، ربما يكون قد تسبب بإزعاج مطلق النار لأنه ركن سيارته في مكانه الخاص، كما حصل الأسبوع الماضي، مع هـ. ع. وم. ح. في محلة الناعمة، حيث أقدم الأخير على تصويب المسدس بوجه سائق السيارة «المخالف»، قبل أن يتجمهر أهالي الحي.
في تلك الأثناء، أصيب الرجل بحيرة: هل يطلق النار أمام كل هؤلاء الشهود، أم يوجه فوهة المسدس إلى قدم الخصم، فيصيبه بجرح خفيف، عوضاً عن قتله؟ تنهد قليلاً، ثم أطلق النار في الهواء، وتفرّقت الحشود، من دون أن «يزور» المنطقة أي جهاز أمني.
وأبعد من ذلك، فإن مطلقي النار ما عادوا يشهرون أسلحتهم بهدف الترهيب فحسب، أو حتى بسبب موقف سيارة: قبل أسبوع، وقع حادث سير بين سيارتين في تبنين التحتا، أدى إلى احتراق سيارة م. ع. ج..
ولمّا نجح السائق بالخروج من السيارة، مستعيناً بنجدة المارة، قرر الانتقام من سائق السيارة الصادمة، فأطلق النار وأصاب زوجة السائق ب. ح. بطلق ناري في فخذها!
وثمة من قرر، في لحظة غضب، أن يشهر سلاحاً من نوع «كلاشنكوف» في الطريق الجديدة، أمام منزله، وأخذ يطلق عيارات نارية في الهواء، حتى نفدت ذخيرته المؤلفة من ثلاثين طلقة، ثم عاد إلى غرفة نومه كأن شيئاً لم يكن.
وعلى الرغم من أن مخفر المنطقة يجاور منزل مطلق النار، إلا أن القوى الأمنية لم تعرف أسباب إطلاق النار المباغت، ولم تداهم المنزل، لأسباب «سياسية».
وفي منطقة المعامليتن في جونيه، قصد أربعة شبان ملهى ليلياً ذائع الصيت. تعرّف الشبان على فتاة أجنبية، شقراء، وجلست إلى جانبهم. اتفق أحد الشبان مع الفتاة على تحديد موعد خاص، وسدد لها مبلغاً نقدياً سلفاً، مشترطاً «أريد منك أن تعرّفي صديقي على إحدى زميلاتك الآن».
وافقت الشقراء على طلب الشاب، وغابت حوالى نصف ساعة. ولمّا قصد أحد الشبان المسؤول عن الملهى، أبلغه الأخير بأن الفتاة غادرت إلى موعد خاص.
ساد هرج ومرج بين المجموعة الشبابية، وبين حراس الملهى. وعندما اكتشف الشبان بأنهم وقعوا في الفخ، وأنهم قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة أمام الحراس المفتولي العضلات، استقلوا سيارتهم، وراحوا يطلقون النار على واجهة المحل التي تحولت إلى فتات زجاجي، ثم لاذوا بالفرار ... من دون أي موعد خاص.
ولم تقتصر الإشكالات، في الأسبوع الماضي، على اندلاعها بين مدنيين، بل إن أمنيين كانوا شركاء فيها: فقد امتعض شاب يملك محلاً خلوياً في الشويفات، من المفتـــش الثالث في الأمن العام ع. ح. هـ، لأنه ركن سيارته أمـــام المحل.
بدأ الإشكال بتلاسن بين الطرفين، ثم تطوّر عندما شهر المفتش سلاحاً من نوع «بومب اكشن»، وأطلق النار في الهواء. لم يتوجس صاحب المحل من «الطلقات الهوائية»، بل إنه حذا حذو العسكري، فشهر مسدسه الحربي.. وأطلق النار في الهواء!
ثم: تفرّقا، وانتهى الإشكال، من دون وقوع أي إصابات بشرية، واقتصرت الأضرار على بث حال من الذعر عند سكان الحيّ.
وفي محلة المنكوبين في طرابلس، وقع إشكال «فوري»، وهو مصطلح «أمني» يُستخدم عندما يكون سبب الإشكال خلافا مروريا، بين ب. م.، وبين و. ع.، سرعان ما استدعى تجمع أهالي الحي الذين حاولوا تفريق الرجلين.
نجح السكان في إبعاد الأول عن الثاني، غير أن الأخير، استشاط غضباً من شتائم الرجل الأول، ولمّا صار بعيداً عن البصر واليد، قرر الانتقام بطريقة حديثة وسريعة: فتح قنبلة يدوية (رمانة)، وألقاها، كأنها حبّة فاكهة، بين المتجمهرين، حتى وقعت بالقرب من «الخصم»، إلا أنها لم تنفجر!
أما في بلدة الحلانية البقاعية، فقد وقع إشكال بين مجهولين وبين ح. م. ح.، بدأ بتبادل الشتائم، ثم تطوّر إلى تضارب بالعـــصي.
ولمّا انتهى الإشكال، وتفرّق المتخاصمون، عاد «المجهولون» إلى محيط الإشكال، وقرروا الانتقام، من خلال إطلاقهم قذيفة حربية على منزل ح.، الذي شاء القدر أن يكون غائباً عنه.
وقبل ثلاثة أيام، قرر شابان كانا يستقلان سيارة فارهة من نوع «رانج روفر»، في شارع الحمراء، أن يشهر كل منهما مسدسه الحربي، ويطلق النار كيفما اتفق، بعدما عرف أحدهما أن شقيقته حامل!
وأدت فرحتهما إلـــى إصابة شابين، أحــدهما كان ماراً على دراجة نارية.. والآخر كان يمشي على الرصيف.
تبرير.. وتهديد
لا يستغرب مرجع أمني واسع الاطلاع، وقوع إشكالات يتخللها إطلاق نار، بقدر استغرابه لـ«وقوع إشكال.. لا يتخلله إطلاق نار». يعبّر عن رأيه على نحو كوميدي، قبل انتقاله بجدية إلى المعضلة الأساس: «ما دام هناك هاتف خلوي عند مطلق النار، فإن الحل يصبح سهلا يسيرا، إذ ما عليه إلا أن يتصل بأي جهة سياسية حتى يُطلق سراحه». ويعزو المرجع الأمني ارتفاع نسبة وقوع الإشكالات في الآونة الأخيرة، إلى الوضع الاقتصادي في البلد، وارتفاع معدّل نسبة البطالة، بالإضافة إلى أن «غياب التشدد في منح تراخيص الأسلحة، يساهم باستخدام الأسلحة في الإشكالات الفردية».
ولا ينكر المرجع الأمني «وجود عقبات عدة في بعض المناطق، بسبب تعدد الأحزاب في داخلها وسيطرتها على المنطقة. الأمر الذي يؤدي إلى تأخر في وصول الدوريات، الذي يجب أن يسبقه تنسيق مع الأحزاب»، لافتاً إلى أنه «إذا ألقينا القبض على مطلق نار مدعوم سياسياً، فإنه لا يُحاكم، بل يخرج من المخفر في اليوم الثاني!».
وعلى الرغم من الصعوبات التي يشكو منها المرجع الأمني، فإنه يعد بتكثيف الدوريات في المناطق اللبنانية كافة، مشيراً إلى أنه «اتصلت بأكثر من مسؤول سياسي، ووضعته في الصورة الجديدة: إما أن تكبحوا هدر الدماء، وإلا فإننا سنتدخل من دون أدنى رحمة، وبذلك تكون الدماء مسؤوليتكم أنتم».
جعفر العطّار