أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

القوات «حزب المدارس» في زحلة: مقبرةُ الأحزاب مقبرةً للعائلات

الثلاثاء 27 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,753 زائر

القوات «حزب المدارس» في زحلة: مقبرةُ الأحزاب مقبرةً للعائلات

تستفز عبارة «زحلة مقبرة الأحزاب» حزب القوات اللبنانية. فالقوات، لا زحلة، هي المقبرة الفعلية للأحزاب: اسألوا عما بقي من أحزاب الكتائب والوطنيين الأحرار وحراس الأرز والكتلة الوطنية. هي، أيضاً، مقبرة العائلات السياسية التي تتحالف معها: اسألوا عما بقي لنسيب لحود ونايلة معوض وبطرس حرب وفارس سعيد وآخرين في مناطقهم. تنشط القوات في زحلة، إذاً، للدفاع عن اللقب والصيت، فتحرص على عدم دخول المدينة من باب «الهمروجة الشعبية» كما فعلت قوى أخرى، مفضلة أن يكون لها جيلها الخاص في المدينة. هي في زحلة، حزب المدرسة.
عبثاً يبحث المراهق الواقف قرب ثانوية مار الياس عن السبب الذي يدفعه إلى تأييد الياس سكاف. ينزل حقيبته عن كتفه والبحث مستمر عن سبب آخر غير «كلنا، نحن في العائلة معه». سبب يقنع زملاءه بالانضمام إلى خياره السياسي. إلياس بيك: لا كاريزما ولا خطاب غرائزياً ولا بطولات أخّاذة. أن تكون مراهقاً وتحب سكاف، يعني أن ترتدي يوم الأحد ثيابك الرسمية لتزور «كنيسة البيك» مع العائلة، فترى والدك ينحني فوق يد البيك ولا يقوم إلا بنكزة غيرة من والدتك. يعني أن تعود لاحقاً لتجتهد في الدرس أملاً بوظيفة يهديك إياها البيك.
ومن العائلات السياسية، إلى التيار الوطني الحر. حفاظاً على السلامة والمعنويات، لا تسألوا من هم في هذه السن عن خطة الكهرباء، ولا عن سلسلة الرتب والرواتب أو إنجازات نقولا صحناوي الإنترنتية. هذه، جميعها، آخر همهم. إصلاح وتغيير؟ هذا تحديداً ما تكرهه غالبية من تراوح أعمارهم بين 14 و19 عاماً. يتحدث الشباب بالقرب من ثانوية حوش الأمراء عن التيار الوطني كمن يتحدث عن جمعية دينية. يضحك أحدهم، مشيراً إلى أن مسؤول التيار في حيه عسكري متقاعد أكثر صرامة من والده، كان يلاحقه حين كان في التيّار كظله ليملأ الثُّغَر في تربيته. بالعربي الدارج: «العونيون بدهم يربونا، يصلحونا ويغيرونا». مع هذا الجيل، تؤدي سنّ العماد ميشال عون دوراً سلبياً، ولا يقدم التيار (حتى على تلفزيونه وموقعه الإلكتروني وإذاعته) ما يجذب هؤلاء.
يصل السؤال إلى القوات اللبنانية، فتطفو على وجوه معظم الطلاب ملامح ثقة مفرطة بالنفس. تكثر هنا الأجوبة: «أن أكون قواتيّاً يعني أن أمنع بقوتي الشخصية وحضوري أي اعتداء على المسيحيين». «أن لا أخشى أحداً». «أن تمتلئ جدران غرفتي بصور قائدي على الجبهات». «أن يكون لي على موقع حزبي كل يوم أغنية جديدة ونشيد وشعار». أن «تفعل الأم تي في المستحيل لاستقطابي». أن «يكون لي دور أساسي في تنظيم المهرجانات ودعوة أهلي إليها». «أن أكون قواتياً يعني أن تتبعني العائلة بدل أن أتبعها». سؤال الشباب عن ميشال عون وسمير جعجع كسؤال مراهق عما إذا كان يفضل المطالعة أو كرة القدم، ارتداء بذلة رسمية أو «فيلد» وجزمة عسكرية، شراء أسطوانة موسيقى كلاسيكية أو أسطوانة لكارلوس. آخر هم هؤلاء هو المشروع السياسي والرؤية الاقتصادية والاجتماعية، هم أصلاً لا يحبون القراءة ولا النصوص الجافة. يكفيهم من السياسة صيحات جعجع: لا للسلاح، لا للسوريين، لا لغلبتنا نحن المسيحيين.
هؤلاء ولدوا بعد 1990، فتحوا عيونهم وجعجع ناسك متنسك يدفع وحده عن المسيحيين فاتورة الحرب الأهلية. هؤلاء شهود على «رفض جعجع التسوية» وعلى «نضال شبابه في بعض الجامعات والمناطق ضد وحدة المسار والمصير». وهم يرون أمامهم يومياً «قائداً بطلاً لا يكف إصبعه عن التهديد والوعيد. نظرته ثاقبة تخيف». قلة من هؤلاء سمعت تفاصيل الماضي، فالذي يرويها لهم، غالباً يروي بحقد يفقده الصدقية. قلة منهم تعلم أين سبق لـ«حيث لا يجرؤ الآخرون» أن أوصلت مجتمعهم. لم يختبر هؤلاء مرارة التهجير والحروب العبثية، بالكاد سمعوا عنها. بالنسبة إليهم، «الاتفاق الثلاثي كان جريمة»، و«اتفاق الطائف بطولة». لا تحمل الأسماء التي ترد لمن قتلوا على يد قوات جعجع أي معاني بالنسبة إلى هؤلاء. «ما فعلته القوات كان بطولة»، هناك إعلام وإعلان قويان جداً، يؤكدان هذه المقولة.
كل ما سبق لا علاقة له بالمال الذي تنفقه القوات بسخاء على طلابها، فيما يبخل به العونيون جداً، ولا بالمبررات التي يرددها العونيون. يشير ما سبق إلى عدم مراعاة العونيين لشروط استقطاب هؤلاء. وهذا كله من خارج المدرسة. عند دخولها، تظهر تفاصيل أخرى.
في مدينة زحلة وحدها 13 مدرسة ثانوية، ثلاث منها رسمية. المصادر في منطقة البقاع التربوية تفيد بوجود نحو سبعة آلاف تلميذ ثانوي في زحلة، أكثر من 90 في المئة منهم مسيحيون. يتيح ذلك كلاماً طائفياً أكثر حدة في الصفوف، في ظل استمرار بعض المدارس في طرد أبناء الطوائف الإسلامية من الصف في ساعة التعليم الديني لـ«يأخذ الأستاذ وتلامذته راحتهم في الكلام». هنا لا يمكن المزايدة طبعاً على النَّفَس القواتي في التعبير عن هواجس الأقليات والخشية من السلاح ووجوب حماية المسيحيين والذود عنهم. نَفَس الصف إذاً قواتيّ بامتياز. وفي هذه المدارس يمنع ممارسة أي نشاط سياسي. الطالب سيعاقب إذا ربط خيطاً برتقالياً حول معصمه، لكن لن تكون أية مشكلة مع الصليب المشطوب في عنق تلميذ آخر احتراماً لـ«الشعائر الدينية». الأمر نفسه على طاولات الصف، لن تطلب الناظرة محو الصلبان، لكنها ستجد مشكلة كبيرة مع الشعار العوني، سواء على الطاولة أو على اللوح. النفس قواتيّ والجوّ أيضاً.
النقطة الثالثة تتعلق بالإدارة. في المدارس الرسمية نفوذ القوات أكبر بكثير من نفوذ خصومها، استفادت القوات من تحالفها مع تيار المستقبل الذي كان قابضاً على وزارة التربية لتعزز موقعها في المدارس، فيما خصومها يتفرجون. أما في الخاصة، فتتوزع الكلمة الأولى بين مطران سابق انتقل هو والدائرون في فلكه من يسار القوات إلى يمينها، ورهبانيات ابتعدت عن القوات في الاستراتيجية السياسية العامة، لكنها بقيت قربها في الأفكار والشعارات وقراءة الأحداث القريبة.
ومن الإدارة إلى الأساتذة، تكتفي لجنة الأساتذة في التيار الوطني الحر بتنظيم عشاء هنا والإعداد لانتخابات مجلس النقابة هناك. فيما يتابع مكتب المعلمين في القوات أوضاع جميع الأساتذة ليقتنص الفرصة لاصطياد كل من يحتاج خدمة. وفي وقت ينقطع فيه التواصل نهائياً بين مجموعة التلامذة والأساتذة العونيين في المدرسة نفسها، يسجل تواصل وتنسيق يوميان بين أساتذة القوات وطلابها. يسجل هنا أيضاً تجنب الأساتذة العونيين غالباً الدخول في أي نقاش سياسي داخل الصف، فيما يتصيد الأساتذة القواتيون كل فرصة ممكنة ليعبّروا عن آرائهم السياسية.
نصل إلى الطلاب. في زحلة تحديداً، اختار التيار الوطني الحر العمل في المدارس من خارجها. وركز مسؤول المدارس في زحلة عمله في أحياء المدينة ليصبح اجتماع التلامذة الأساسي في مكتب التيار. مع العلم بأن ديناميكية المسؤول هنا تجعل وضع التيار أفضل منه في مناطق أخرى. لكن بينما يقول العونيون إن طموحهم هو استقطاب 25% من طلاب المدارس الزحلاويين بعدما أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة أن 25% من الناخبين يؤيدون التيار، تعمل القوات على أساس أن «كل مسيحي هو قواتي». مع العلم بأن 75 شاباً زحلاوياً فقط شاركوا في المخيم الذي نظمه التيار أخيراً في البقاع. وأكثر ما يضعف التيار هنا هو لامبالاة الأهل المحسوبين على التيار تجاه انتماء أبنائهم السياسي، مقابل استنفار الأهالي المقربين من القوات لتنسيب أبنائهم وتعزيز فاعليتهم داخل الحزب.
حزب المدرسة استفاد أيضاً من تراجع المجموعات التي كانت تستقطب غالبية الشباب الزحلي وتبقيه «في أمر البيك». فنسبة الناشطين في الجمعيات الكشفية لا تتجاوز اليوم 40 في المئة من عدد هؤلاء قبل خمس سنوات. وفي الصليب الأحمر يسجل تراجع كبير في عدد المتطوعين مقارنة مع خمس سنوات مضت، مع العلم بأن المسؤولين في هذه الجمعية متفائلون بعد دورة التطوع الأخيرة بتحسن الأوضاع قليلاً. أما المجموعات الشبابية التي تتبع للكنائس، فتحول معظم من بقي منها إلى مجرد جناح كنسي للقوات. لمصلحة من كل ما سبق؟ لمصلحة الحزب الأقرب في تنظيمه وطبيعة نشاطاته للكشافة، لمصلحة من يخبر الشباب أنهم يؤدون بانتسابهم إليه خدمة لمجتمعهم أكبر بكثير من التي يقدمونها في الصليب الأحمر، لمصلحة من يخبرهم أن «الكنيسة هي الشعب المسيحي».
في النتيجة، تشهد المدينة التي لا يكاد الصيف يحمل كؤوس عرقه ويغادرها حتى تعاود النوم، صراعاً بين قوات تريدها مقبرة للعائلات وعائلات تريدها مقبرة للأحزاب. المشكلة أن القوات تجتهد لتحقق مرادها، فيما العائلات تستيقظ فصلاً وتنام ثلاثة: اسألوا «إيلي بيك الأول» و«إيلي بيك الثاني» ونقولا الأول (المؤيد لتيار المستقبل) والثاني (المؤيد لحزب الله) والثالث (المؤيد للكسارات أياً كان حاميها).

Script executed in 0.040463924407959