على الرغم من أن معظم اللبنانيين لا يعرفون أن في لبنان حزباً سياسياً هو «حزب البيئة»، وعلى الرغم من أن هذا الحزب يحضر بخجل في الحياة السياسية العامة، بسبب ضعف الموارد الناتجة من رفض التبرعات من كبار الملوّثين، إلا أنه يبادر منذ تأسيسه عام 2005 إلى عقد مؤتمرات تتعلق بقطاعات تنموية وبيئية متعددة، آخرها مؤتمر عقد في فندق البريستول أمس بالتعاون مع «مؤسسة فريدريش ايبرت»، بعنوان «أين أصبح تعهد لبنان بإنتاج 12% من الطاقة عام 2010 من مصادر متجددة؟».
وكانت الحكومة اللبنانية السابقة قد قدمت هذا التعهد في قمة تغيّر المناخ في كوبنهاغن نهاية عام 2009. فما مدى واقعية هذا الطرح؟ وكيف يستعدّ لبنان بعد أكثر من سنة ونصف على إطلاق التعهد لتحقيق هذا الهدف؟ سؤالان أجاب عنهما حزب البيئة عبر دراسة قدمت خلال المؤتمر أعدّها الأمين العام للحزب حبيب معلوف.
تخوف مهم طرحه معلوف خلال المؤتمر من أن تأكل مسألة «التنقيب عن النفط في لبنان» الاهتمام بالاستثمار في الطاقة المتجددة. ولم يتوان الحزب عن إطلاق توصية خلال المؤتمر بضرورة إعادة النظر بخيار التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وهي التوصية الوحيدة التي رفضت من معظم المشاركين، على عكس بقية التوصيات، وأهمها إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان وتأهيلها، وتعديل قانون الكهرباء لتشجيع إنتاج الطاقة المتجددة عبر السماح بنقل هذه الطاقة على الشبكة العامة، وإنشاء هيئة وطنية للطاقة المتجددة وصندوق دعم، والضغط الرسمي في المفاوضات المناخية على تبني مطلب نقل التكنولوجيا النظيفة، على أن يجري منحها مجاناً من الدول المتقدمة إلى الدول النامية كجزء من ضريبة تسببها بالتراكم التاريخي لغازات الدفيئة.
وبحسب الدراسة، إن إنتاج الطاقة في لبنان من مصادر متجددة ونظيفة، أمر مهم اقتصادياً، كما هو مهم بيئياً، لأن هذا الخيار استراتيجي وأكثر استدامة على المدى البعيد، ولا سيما مع المراهنة على الشمس والهواء غير الناضبين كالنفط والغاز.
ممثل مؤسسة فريدريش إيبرت في لبنان سمير فرح، انتقد «براعة اللبنانيين بالتغني والتغزل بجمال لبنان وطبيعته الخلابة، لكنهم يخفون وراء هذا التباهي مآسي كثيرة تجعل حياتهم صعبة؛ إذ إنهم يواجهون التحديات اليومية في الحصول على مقومات الحياة من كهرباء وماء وغير ذلك». وقال: «لبنان قادر على التوجه نحو الطاقات المتجددة، وهذا الأمر ممكن عبر وضع خطط وبرامج علمية».
ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إدغار شهاب، أشار إلى أنه «منذ كانون الأول 2009 بدأ البرنامج بوضع خريطة طريق قدمت بغالبيتها إلى وزير الطاقة جبران باسيل». وقال: «إن لبنان بحاجة لنحو 6 آلاف ميغاوات عام 2020 بسبب النمو السكاني». ولفت إلى «الطاقة المتجددة، ومنها الطاقة الهوائية وقدرتها 1500 ميغاوات، إضافة إلى 220 ميغاوات من المياه و80 ميغاوات من التفكك الحراري للنفايات الصلبة وأيضاً 100 ميغاوات من النفايات العضوية، معظمها في مطمر الناعمة، إضافة إلى إمكان الاستفادة من الطاقة الشمسية». وطالب بتجديد أولويات الاستفادة من هذا القطاع منها على سبيل المثال تحديد الكلفة وفرص العمل والجدوى الاقتصادية، لا المالية فقط.
بيار خوري، ممثل وزير الطاقة جبران باسيل، أعلن أن زيادة إنتاج الطاقة بنسبة 12% من الطاقة المتجددة تأخذ حيزاً واسعاً من ورقة سياسة الكهرباء، كذلك إن وزارة الطاقة تلتزم ضمن استراتيجيتها العمل بجدية لتنفيذ مبادرات زيادة الإنتاج ودعمها عبر الطاقة المتجددة، وهي تقوم بخطوات تثبت ذلك. وسأل خوري: «هل كان متوقعاً أن تساهم الحكومة اللبنانية بالاستثمار المباشر في مشاريع كفاءة الطاقة والطاقات المتجددة؟ علماً بأن قيمة الاستثمار بلغت 9 ملايين دولار بديلاً من أرصدة دعم المازوت». ولفت إلى أن مجلس الوزراء «وافق أخيراً على قرار عقد اتفاق مع كبرى الشركات العالمية للاستفادة من آليات التنمية النظيفة ودعم مشروع الثلاثة ملايين لمبة الموفرة للطاقة قبل نهاية عام 2012. كذلك إن إنجاز دراسة أطلس الرياح الذي أعده مشروع سيدرو بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه في 25 كانون الثاني 2011 حدد مواقع الاستثمار الأجدى، في حين أن ورشة عمل جدية تقام لدراسة القوانين والتشريعات ووضع التعديلات المطلوبة، مع العلم بأن نتائج الدراسة أظهرت إمكان استفادة لبنان بشكل كبير من طاقة الرياح».
بدوره، قال وزير البيئة ناظم الخوري إن الوزارة خصصت في برنامجها للعامين 2011 ــ 2013 محوراً للمشاريع المتعلقة بقطاع الطاقة، حيث «يجري التنسيق مع وزارة الطاقة والمياه لإعداد تقويم بيئي استراتيجي لعملية التنقيب عن النفط وتحديد التقنيات المناسبة لمواجهة تغير المناخ، وخاصة في قطاع الطاقة الذي يمثّل أكثر من 55% من انبعاثات الغازات الدفيئة في لبنان». وأشار إلى أن «الوزارة تنفذ حالياً عدداً من المشاريع، من بينها مشروع يهدف إلى تركيب نحو 900 سخانة مياه شمسية بقيمة إجمالية توازي 775,000 يورو في مؤسسات عامة للحد من الطلب على الكهرباء. وثمانية مشاريع حول التكيف مع تأثيرات التغير المناخي في الشمال، وذلك ضمن المرحلة الثانية من مشروع صندوق البيئة في لبنان».
تجدر الإشارة إلى أن أعمال المؤتمر تضمنت مناقشة خيار ألمانيا في الخروج من النووي، قدمتها مسؤولة برنامج الطاقة النووية في مؤسسة فريديريش ايبرت ـــــ برلين نينا نتزر، وتجربة المغرب العربي في إدخال الطاقات المتجددة في السياسات، من خلال نموذج تونس الذي عرضته د. جودة بو عتور.