أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سهل البقاع: الإسمنت يقضم آلاف الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية

الخميس 29 أيلول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,530 زائر

سهل البقاع: الإسمنت يقضم آلاف الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية

منذ سنوات، وعلى الرغم من قرارات «المجلس الأعلى للتنظيم المدني»، التي تحدّ من الهجمة العمرانية على سهل البقاع، مع التحفظ على بعض القرارات، فإن بعض الوقائع الميدانية والعشوائية، وضغط الأهالي والتجمعات السكنية، تبقى هي الأقوى في ظل تراخي الأجهزة الرسمية عن تطبيق القوانين، التي تسقط بحجة طلبات، و«أمر واقع»، يحمل في طياته «عوامل إنسانية»، تترافق مع تخطيطات للتنظيم المدني، يصفها بعض المهندسين بـ«التنظير البعيد الذي لا يجدي». وتتجلى المعالم الإسمنتية والأبنية والفيلات في مختلف أراضي البقاع الزراعية، بدءا من رياق، التي استبدلت مساحات كبيرة وواسعة من سهلها الزراعي بمشاريع عمرانية، تحمل أسماء جديدة، وتستوطن قلب السهل، الذي لطالما اشتهر بزراعة حقول البصل والبطاطا، المترنحة تحت وطأة خسائر متلاحقة دفعت بأصحابها إلى التوجه نحو بيعها، لفرزها كأراض مخصصة للبناء! فاستبدلت المساحات الخضراء بالأبنية التي تشاد حالياً في عمق السهل الزراعي. ثم نحو «الأرض الجميلة»، كما يطلق على بلدة تربل المجاورة لرياق، والتي تعرف منذ القدم بأهميتها الزراعية، وتربتها التي باتت حفرا لأساسات الفيلات والأبنية السكنية، ومنازل حجرية، وبعض «المزارع»، التي تشبه المضافات، مع مجمعات سياحية تقضم المزيد من المساحات الخضراء. وعلى طول الطريق الرئيسية في تربل، التي كانت تحاط بجوانب من الحقول الزراعية، يمكن لأي عابر أن يشاهد العمران الجديد عندها، التي تفتقد حقول الحشائش، والخضار، والفاكهة، بعدما حلّت مكانها بعض المصانع والأبنية لأبناء المزارعين السابقين. 

لا يختلف الحال في بر الياس كثيرا، فالبلدة التي تعد أكبر منطقة زراعية، تروي اليوم حكاية أكبر سهل زراعي في البقاع الأوسط، الذي خسر أجزاء منه، إلى ما يشبه أحياء من الفيلات القرميدية، المزينة بالحدائق الكبيرة، بعدما عانى مزارعو بر الياس الأمرّين من التراكمات والسياسات الزراعية، التي همشت الشمندر السكري. تلك الزراعة التي كانت تحتل مساحات شاسعة من السهل، إلى جانب حقول البصل والبطاطا والحشائش. وفي سعدنايل ارتأى عدد من المزارعين أن الاتجار بالشقق السكنية بات مربحاً أكثر من الزراعة. وساعدهم في ذلك ارتفاع ثمن أراضيهم الزراعية، التي حلت مكانها شقق سكنية، لأن السكن والبناء في أعالي البلدة المحاذية لزحلة عروس البقاع، بات مكلفاً مع وصول سعر المتر المربع الواحد من البناء إلى أكثر من ألف ومئتي دولار، لارتفاع سعر المتر المربع من الأرض إلى 200 دولار.

ويتحدث أصحاب الأراضي، التي كانت زراعية، عن حوافز أكثر تشجيعا يتلقونها للاستغناء عن الزراعة، أهمها استراحتهم من عبء الخسائر المتواصلة، التي تتراكم من سنة إلى سنة، وخصوصا في ظل قرارات رسمية لم تجلب إلا الدمار للقطاع الزراعي، بالتزامن مع نهضة زراعية في البلدان المجاورة، حدّت من عامل التصدير ومن فتح أسواق جديدة للإنتاج الزراعي اللبناني، الذي يتكدس في البرادات والمستودعات. عوامل كثيرة تسببت باجتياح سهل البقاع الزراعي، أبرزها «كثرة المال الموظف في العقارات وغياب البنى التحتية في الأراضي الزراعية»، في مقابل ارتفاع العائدات المالية الموظفة في القطاعين التجاري والصناعي، والأهم غياب الأمان، والضمان المالي، الذي تفتقده الأعمال الزراعية والحقول، والبساتين التي تقع غالباً ضحية أو أسيرة الكواراث الرسمية أو الطبيعية أو السياسية الداخلية والخارجية، عدا حاجة الأهالي للأراضي لبناء مساكن جديدة لهم ولأبنائهم. ومنذ سنوات حاول «التنظيم المدني» خفض عامل الاستثمار للبناء في الأراضي الزراعية، إلا أنه قوبل باستفحال العشوائية وضغوط البلديات والأهالي والتجمعات السكنية، التي تريد رفع عامل الاستثمار من أجل رفع سعر الأراضي «الزراعية». 

كثيرة ومتعددة هي القرارات التي صدرت للحدّ من العمران في الأراضي الزراعية من قبل «التنظيم المدني»، ولكن القانون لم يطبق في قرى وبلدات البقاع، باستثناء مدينة زحلة، فالقراران اللذان حملا الرقمين 7 و11 عام 2005، لم يسلكا الطريق الصواب للحد من العمران في الأراضي السهلية. وهما يقضيان بوضع أقسام من الأراضي الزراعية قيد الدرس، مع خفض عامل الاستثمار لأراض أخرى إلى حدود 5 في المئة من مساحة العقار. إلا أن الحاجة الإنسانية، وعدم تقسيم الأراضي البقاعية وفرزها، حالا دون تطبيق القرارين. ووجد «التنظيم المدني» نفسه أسير الطلبات المتراكمة والمتعددة من البلديات ومن الجهات السياسية على تنوعها، من أجل «التلاعب والضغط» لتمرير وتسهيل إصدار رخصة غير مطابقة للمواصفات وسوى ذلك، مع العلم أن الكثير من أصحاب الرخص لا يطبقون المواصفات والمساحات الموجودة على الرخصة، فإن التطبيق الفعلي على الأرض وعلى موقع البناء، بعيد كل البعد عن تحديد المساحات العمرانية وضبطها.

وتبلغ مساحة سهل البقاع 428 ألف هكتار، أي ما يعادل 42 في المئة من مساحة لبنان الإجمالية، البالغة نحو مليون هكتار. ونجد في أراضي البقاع 167 ألف هكتار صالح للزراعة (39 في المئة). و79659 هكتاراً هي عبارة عن أراض مهملة، (18.5 في المئة)، لكنها قابلة للاستصلاح والزرع. و61623 هكتاراً، عبارة عن أراض بعلية (14.5 في المئة). و25718 هكتاراً هي مساحة الأراضي المروية (6 في المئة). أما نسبة المساحات المبنية من السهل فتصل إلى 22 في المئة، وهي في تصاعد مستمر على حساب المساحات الأخرى، وذلك ما يؤكده أكثر من مهندس مدني ورسمي، لا سيما أن أعداد الرخص في تصاعد، ولا سيما أن التجارة في بناء العقارات باتت الأكثر رواجا في البقاع، حيث ترتفع عشرات الأبنية قبالة الطرق الرئيسية، التي كانت سهولا خضراء فتحولت اليوم إلى أبنية سكنية. «المتبقي من السهل لم يعد يتجاوز الثلث من مساحته»، كما يؤكد المهندس وسام ترشيشي، الذي يتحدث عن زيادة كبيرة في عدد الأبنية أفقيا وليس عموديا، مع تمدد العمران عشوائيا حتى داخل الأراضي الزراعية المصنفة. والمطلوب حسب الترشيشي تحجيم البناء الأفقي عبر تشريعات تعزز وتحفز البناء العمودي، بعكس ما يحصل اليوم حيث يعمد التنظيم المدني إلى تحديد العلو الأقصى للبناء، الأمر الذي يحدّ من الاستفادة من زيادة العلو للبناء».

ويحدد التنظيم المدني علو بعض الأبنية بحد أقصى ما بين 6 أمتار و12 متراً، في حين الأجدى أن يكون العلو الأقصى للبناء 20 مترا، الأمر الذي يحدّ من الحاجة المتصاعدة للأبنية السكنية والتجارية. وغالبية أصحاب الأملاك والأراضي الزراعية هم من أبناء البقاع، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لاستعمال قسم من أراضيهم لبناء منازل لأبنائهم الذين يتجهون إلى الاستقلال عن أهلهم، على خلاف السنوات الثلاثين الماضية، في ظل تزايد سكاني. ويشير الترشيشي إلى وجود «تخطيطات ملحوظة على الخرائط، صدرت ضمن مراسيم منذ عشرات السنين، أبرزها مرسوم 16 حزيران 1977، الذي يصيب منطقتي تعلبايا وسعدنايل بالتخطيط، الذي لم ينفذ، بل عمل على حجز الأراضي، مسهلاً عملية البناء غير الشرعي، لاستحالة الحصول على رخصة من التنظيم المدني، كما أنه عمل على إجبار العشرات من العائلات التوجة نحو السهل للبناء. 

ويحدد الترشيشي العوامل الأكثر تأثيراً في رفع نسبة العمران في الأراضي الزراعية، بالإشارة إلى غياب التصاميم التوجيهية، والتصنيف للمناطق، والتخطيطات التي مرّت عليها عشرات السنين، وتراجع نسبة المزارعين، وقلة المردود المالي من الزراعة، والأهم الفوضى التي تعيشها القرى والبلدات البقاعية، من عدم وجود مناطق صناعية تعمل على الابتعاد عن الأماكن السكنية، حيث يجد العشرات من أصحاب الأراضي الزراعية في البقاع مرادهم في البناء في السهل للابتعاد عن الضجة والضوضاء. ويطالب الترشيشي بـ«ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة على البلديات، التي تساهم في استباحة السهل عبر ما يعرف بالرخص البلدية التي تعطى للبناء في أراض زراعية، ومصنفة، في ظل غياب المتابعة الفنية، وعدم وجود حسيب على كيفية البناء والالتزام حتى بمواصفات الرخصة البلدية». وعن الحلول، يتحدث الترشيشي عن ضرورة «إلغاء كل مراسيم التخطيطات، وزيادة عوامل الاستثمار السطحي والعام وعدد الطوابق في الأراضي غير المصنفة زراعية، وإصدار مرسوم للتسويات التي تشجع على البناء العمودي». والأهم وفق الترشيشي، إنشاء وزارة للتخطيط مع تأمين جهاز فني في كل بلدية.

قد تكون عبارة «إهراءات روما»، التي كانت تطلق من مئات السنين على السهل، الذي ذاع صيته في العالم مهددة اليوم بالاندثار والتآكل، إذ تقدر المساحات السهلية المستهلكة في البناء، خلال الأشهر الستة الأولى من السنة الحالية بأكثر من 645458 مترا مربعا، مقابل 521614 مترا مربعا في الأشهر الستة الأولى من العام الماضي. أرقام يؤكدها المهندس وسام الترشيشي، كونها مسجلة في نقابة المهندسين، إلا أن الأرقام، أو الأمتار المربعة المستعملة في البناء، تتجاوزها بكثير، كون البقاع معروفا بالعمران العشوائي، وبعدم الالتزام البناء برخصة، في ظل السماح للبديات بإعطاء رخص لا تسجل في نقابة المهندسين، وهي رخص غير شرعية. هي هجمة عمرانية تسببت بتقليص المساحات الزراعية والخضراء إلى درجة ان المساحات الفاصلة بين المدن البقاعية الرئيسية لم تعد خضراء، خصوصا على جوانب الطرق الرئيسية، وانتقلت القرى إلى محاذاة الطرق لتأكل الكروم والبساتين.

Script executed in 0.037398099899292