أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حبــوب مخــدّرة.. اختــطاف ســريع.. وانتحــال صفــة أمنيــة: 567 عمليــة ســلب فــي 9 أشــهر علــى الأراضــي اللبنانيــة

الخميس 29 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,897 زائر

حبــوب مخــدّرة.. اختــطاف ســريع.. وانتحــال صفــة أمنيــة: 567 عمليــة ســلب فــي 9 أشــهر علــى الأراضــي اللبنانيــة

وفي حين ينشغل المسؤولون اللبنانيون «بشجون السياسة وشؤونها»، متجاهلين الحوادث الأمنية غير السياسية، ثمة مجموعات محترفة باتت تمتهن عمليات السلب على نحو علني، من دون استخدام أي لثام. 

وتشير أرقام قوى الأمن الداخلي، إلى وقوع حوالى 567 عملية سلب، منذ بداية العام الحالي حتى اليوم، من بينها أكثر من 57 عملية سلب انتحل خلالها السالبون صفات أمنية عدة، من قوى أمن داخلي إلى مخابرات جيش، وغيرهما. وتختلف عمليات السلب عن عمليات السرقة التي تتم في الغالب في غياب الضحايا. أما عمليات السلب، فتتم عن طريق الخداع المباشر للضحايا. 

واللافت، وربما ليس مفاجئاً، أن معظم عمليات السلب التي وقعت خلال العام الحالي ضحاياها ليسوا من الميسورين، و«غنائمها» غير مجدية.

وتوزعت عمليات السلب، وفقاً للمحافظات، كالتالي: 381 في جبل لبنان، 93 في بيروت، 30 في الشمال، 42 في البقاع، و21 في الجنوب. وفيما تعلن القوى الأمنية كافة، في كل يوم، عن توقيف العشرات من المخالفين وأصحاب السوابق الأمنية، إلا أن منفذي عمليات السلب المجهولين يستكملون مهامهم في نسق تصاعدي، لا يدل على أنهم اعتبروا من أسلافهم، أو بالحد الأدنى، لجأوا إلى التخفي مؤقتا. 

في الآتي، نماذج عن قصص عمليات سلب، وقعت في الأسبوع الفائت، وتفاوتت أساليب تنفيذها، فيما الرابط الوحيد بينها هو الخداع. 

وتحاول «السفير»، من خلال طرح الموضوع، تنبيه المواطنين من عمليات سلب خادعة ترتفع نسب وقوعها شيئاً فشيئاً، ثم تُبرّر، في الوقت ذاته، من قبل المسؤولين الرسميين: «الأولوية الأمنية.. للأمن السياسي».

سائقان.. ضحيتان

قبل انتصاف الليل بساعة، كان شاب نحيل، طويل القامة، يقف بالقرب من السفارة الكويتية، عندما سأله سائق الأجرة الأربعيني ر. ز.: «إلى أين؟»، فأجابه بهدوء: «إلى منطقة الجناح، لكن سأعطيك ألف ليرة فقط». وافق السائق، واستقل الشاب السيارة، محيياً الأربعيني بتهذيب. 

سار السائق صامتاً، بينما كان الشاب يحاول استفزازه، بالقول «إنني أفكر بأنك أنت من سيزودني بالمال، وليس أنا»، فابتسم السائق ابتسامة ماكرة، ظناً منه أن الشاب أطلق دعابة خفيفة. 

فجأة، شعر السائق بفوهة مسدس تلامس صدغه، فتجمد جزعاً قائلا: «سأركن إلى جانب الطريق. ماذا تريد؟». ركن الرجل سيارته قبل المستشفى الحكومي الجامعي بأمتار، ووجد يد الشاب اليُمنى تمتد إلى أسفل بطنه. «أعطني غلّة اليوم، وما تملك من مال» قال الشاب. 

امتثل السائق لطلبه: أعطاه غلّة نهاره التي بلغت قيمتها 30 ألف ليرة، بالإضافة إلى هاتفه الخلوي. ظل السائق متجمداً، فيما كان السارق يترجل من السيارة، ثم يلوذ بالفرار مسرعاً. 

«نحيل وطويل». هكذا يتذكره السائق، الذي وافق على أن يقله بنصف التسعيرة، لأنه «فقير ومعتّر». 

وفي مشهد مماثل، استقل ثلاثة أشخاص سيارة أجرة من نوع «هيونداي»، حديثة الطراز، من أمام مستشفى «مار يوسف» في الدورة. سأل أحدهم، بلكنة بقاعية، السائق هـ. ب.: «هل تقلنا إلى محلة مجدلون لقاء مبلغ قيمته خمسون ألف ليرة؟». وافق الرجل من دون تفكير. 

كان الشبان يتجاذبون أطراف الحديث، لمّا قاطعهم السائق متسائلاً: «هل أنتم من مجدلون؟»، فأجاب أحدهم هازئاً: «نعم، لكن هذه زيارتنا الأولى». حينها، اعتكف السائق عن الحديث، مرهفاً أذنه لأحاديث الشبان الثلاثة. 

وما إن وصلت السيارة إلى طريق مجدلون الرئيسية، مع غروب الشمس، حتى رفع شابان من المجموعة، مسدسين حربيين بوجه السائق. وعندما تأكد أفراد المجموعة أن غلّة السائق تساوي صفرا، سددوا له ضربة على رأسه، وأجبروه على الترجل من السيارة، ثم لاذوا بالفرار على متنها، إلى جهة مجهولة.

قفزت من السيارة!

تعوّدت الفتاة العشرينية س. س. على رحلة روتينية، تبدأ يومياً من «برج البراجنة» إلى مقرّ عملها في الحمراء، تستقل خلالها سيارتي أجرة، ذهاباً وإياباً. 

غير أن رحلتها العادية شهدت، قبل ثلاثة أيام، مفاجأة غير عادية: استقلت سيارة أجرة من الحمراء، عند الثالثة من بعد الظهر، بغية توصيلها إلى طريق المطار. كان رجل ثلاثيني يجلس إلى جانب السائق، استمر في رمق الفتاة أكثر من نظرة غامضة، من خلال المرآة. 

وكعادتها مع سائر الشبان في سيارات الأجرة، تجاهلت الفتاة نظرات الرجل الغامضة، إلى أن انتبهت لانعطاف السيارة عن مفرق طريق المطار، واتجاهها إلى أوتوستراد خلدة. قالت: «لقد أخطأت بالمفرق يا أستاذ». لم يرد السائق عليها، بل صديقه الذي قال: «اعذريه. همومه كثيرة، وهو دائماً شارد الذهن. سنعود». 

تسارعت دقات قلب س. توجساً من نبرة الرجل، إذ بدت ملتبسة وغامضة، وازداد خوفها بسبب سكوت السائق المريب. «ثمة مفرق يؤدي إلى نفق للعودة إلى طريق المطار، هنا بعد أمتار قليلة» قالت. إلا أن الرجل لزم الصمت، واكتفى بنظرة أكثر غموضاً، تلتها حركة عنيفة: انتزع من الفتاة هاتفها الخلوي، وزف لها خبر اختطافها. 

كانت السيارة قد تخطت الطريق الذي تتوزع عند طرفيه محال تجارية، سالكةً الطريق السريع، فعمدت الفتاة إلى فتح باب السيارة بهدف رمي نفسها. 

بدأ الرجل بالصراخ، وتمكّن من إغلاق الباب في المرة الأولى، لكن الفتاة نجحت بالقفز.. في المحاولة الثانية.

حبّة دواء.. مخدّرة

انتهت قصة س. بإصابتها برضوض في أنحاء جسدها. أما قصة سلب ر. ص. فقد بدأت بود وتهذيب مع سائق الأجرة، الذي أقله من محلة الكولا، بغية توصيله إلى طرابلس، قبل انتصاف الليل بساعة ونصف الساعة. 

كان ر. قد فرغ من نهار ماراتوني، عرّج خلاله على أكثر من محل لتصليح السيارات، بغية تأمين قطع ميكانيكية لحافلته الصغيرة، التي كانت مركونة في القلمون. 

أفضت جولة الرجل إلى إصابته بصداع قوي في رأسه، سرعان ما عبّر عن قوة آلامه لسائق الأجرة، الذي تنهد قائلاً: «يا رجل، لقد اندثرت أوجاع الرأس في هذه الأيام، في ظل وجود الأدوية الفعّالة». 

لم يتفاعل الزبون مع عبارة السائق الفضولية، مكتفياً بفتح نقاش عادي، عبّد الطريق، شيئاً فشيئاً، لسكة حديث شخصية: أسرّ الرجل للسائق عن كل المصائب التي تهبط عليه في كل يوم. أبدى السائق، بود، تضامنه مع «مصائب» الزبون، وعرض عليه المساعدة، غير أن الرجل رفض رفضاً قاطعاً. 

حينها، أوضح السائق: «بحوزتي، الآن، دواء فعّال ومجرّب، ليس له أي عوارض سلبية، من شأنه أن يخفف آلام الرأس بدقائق سريعة». تردد الزبون في أول الأمر، ثم وافق. 

بعد ساعات، عثرت الأجهزة الأمنية على الزبون، مرمياً عند قارعة الطريق، فاقداً للوعي، بالقرب من حافلته الصغيرة، خالي الوفاض: اختفت محفظته التي كانت تحوي على مبلغ من المال، وتبخّر هاتفه الخلوي.

«دقائق.. وتعود»

كان العامل م. أ. ع.، وهو سوري ثلاثيني، يقف عند ناصية طريق عاليه الرئيسية، ينتظر «طلب مهمة»، أي أن يطلبه أحد الأشخاص للعمل لقاء أجر يومي. 

تمرّ أيام طويلة على الثلاثيني لا يحظى خلالها بأي عمل، وقد تعوّد على الأمر في عاليه. وفيما كان شارد الذهن، يتذكر أيام العمل المرهقة التي قضاها في إحدى ورش البناء، ركنت سيارة زرقاء اللون قبالته، وبداخلها شخص واحد: سائق ضخم البنية. 

فرح العامل بطلب السائق، الذي قال بسرعة: «هيا، اصعد، ثمة مهمة سريعة. دقائق وتعود، لقاء أجر جيّد». استقل العامل السيارة الخصوصية، وجلس بالقرب من السائق. 

بعد دقائق قليلة، وصلت السيارة إلى «مكان مجهول». لم يتوجس الرجل من غرابة المكان النائي، فهو تعوّد على العمل في أماكن عدة، كما أنه لم يخطر في باله يوماً أن يكون «مطلوباً»، أو مستهدفاً.. مالياً! 

هو العامل البسيط، الذي يكد في الليل والنهار، كي يرسل إلى ذويه إعانة مالية، تساعدهم في استكمال حياتهم البسيطة. كان في المكان أربعة أشخاص، قال له أحدهم، وكان فارع الطول «ترجل من السيارة يا حبيبي». ظل السائق في السيارة، مطلقاً ضحكات خبيثة. 

وبينما كان العامل، الذي تحوّل إلى فريسة، يترجل من السيارة، شهر أفراد المجموعة مسدسات حربية في وجهه، وأفرغوا جيوب سرواله بهدوء. النتيجة: سلبوه مبلغاً قيمته خمسمئة دولار ، كان العامل سيرسله إلى ذويه، بالإضافة إلى مبلغ خمسمئة ليرة سورية، ثم لاذوا بالفرار. 

دقائق، وعاد الرجل إلى الناصية ذاتها، بانتظار من يوكل إليه عملا.

«تجربة».. وانتحال صفة أمنية

ثمة أساليب متعددة، كان السالبون يعتمدونها في تنفيذ عملياتهم، تختلف «كمية» الخداع في تفاصيلها. فقبل تطوّر عمليات السلب في سيارات الأجرة، وتفاقم انتشارها، كان السالبون يلجأون مثلا إلى توقيف سائق سيارة، بهدف مساعدته في تصليح عجلة سيارته. 

تبدأ العملية برصد للسائق، وللتوقيت (ليلاً أم نهاراً)، ونوع السيارة (ثمينة أم عادية)، والمكان (طريق سريع أم مزدحم). وعندما ينتهيان من تحديد الهدف، يستقلان دراجة نارية، وتبدأ الرحلة. «مدام، دولابك على الأرض» يصرخان، فتركن السيدة سيارتها لتفحص العجلة، ثم: ضربة على الرأس، ويستقل أحدهما السيارة. 

لكن، في الأشهر الأخيرة، راجت سبل مغايرة، كتوقيف سائق سيارة بهدف شرائها منه. ثمة من يوافق، وثمة من يعترض على تجربة السيارة من اللقاء الأول. غير أن نسبة الموافقين تزيد عن المعترضين، خصوصاً في حال ركن الشاري سيارته بالقرب من صاحب السيارة المعروضة للبيع، كدليل على حسن نياته. 

يستقل الشاري، اللص، السيارة أو الدراجة النارية، من دون أن يعود. ثم يتبين لاحقاً أن السيارة، أو الدراجة النارية - الوديعة، مسروقة. 

غير أن سبل تنفيذ عمليات السلب التي تزداد عددا مع مرور الأيام، هي تلك التي ينتحل منفذوها صفة أمنية، وغالباً ما تستهدف الأجانب. 

وعلى الرغم من أن الأجهزة الأمنية، طلبت أكثر من مرة، عبر «السفير»، من المواطنين اللبنانيين والعمال الأجانب وغيرهم، أن يسألوا عن البطاقة الأمنية لرجل الأمن، إلا أن السالبين «الأمنيين» ينبتون كالفطر، والمسلوب لا يطالب بالتأكد من صحة صفة الرجل الأمني. 

وتشير أرقام قوى الأمن الداخلي إلى وقوع أكثر من 57 عملية انتحال صفة أمنية منذ بداية العام الحالي، علماً بأن مصادر أمنية تشير إلى أرقام تفوق نسبتها الأرقام الرسمية. 

ويجمع الأمنيون، على أن الحل الأساسي في الوقت الراهن، يكمن في ضرورة عدم الامتثال لأي رجل أمن إن لم يبرز بطاقته الأمنية، حتى لو كان يرتدي بزة رسمية. ومعروف أن بعض المواطنين جوبهوا بالشتم والإهانة من قبل رجال الأمن، لمّا سألوهم عن بطاقاتهم الأمنية.

Script executed in 0.1954619884491