أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إسرائيل: لا حرب، أو حرب قصيرة جداً... ضد حزب الله

الجمعة 30 أيلول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,446 زائر

إسرائيل: لا حرب، أو حرب قصيرة جداً... ضد حزب الله

«إن اسرائيل غير جاهزة لخوض حرب مع حزب الله وصواريخه النوعية». هذه هي خلاصة الكلمة التي ألقاها اللواء احتياط، غيورا ايلاند، في مركز أبحاث الأمن القومي ـــــ جامعة تل أبيب، في الخامس من الشهر الجاري. يطالب أيلاند بتقصير مدة الحرب المقبلة قدر الامكان، بل ومنع وقوعها إذا امكن، اذ لا طائل من حرب تطول، بلا تحقيق نتائج. ويرى ان صاروخاً واحداً، على سبيل المثال، يسقط على محطة الخضيرة للكهرباء، سيبقي اسرائيل في عتمة طوال ستة اشهر، وهي نتيجة لا تستطيع اسرائيل تحملها.

 

مع ذلك، ينادي ايلاند بأن تخوض اسرائيل الحرب المقبلة بعدوانية شديدة، ضد الحكومة والجيش والشعب في لبنان، الامر الذي يدفع بالمجتمع الدولي الى التدخل، وبالتالي إنهاء الحرب سريعاً، حيث المصلحة الاسرائيلية في ظل عدم جهوزية خوضها وتحمل أكلافها.

يكشف ايلاند عن ان الجبهة الداخلية الاسرائيلية، ليست فقط غير جاهزة لخوض الحرب المقبلة، بل لا تمتلك الحد الادنى من الجهوزية، مشيراً، للمرة الأولى في اسرائيل، إلى ان القصور في الجهوزية ليس مالياً، بل هو قصور في المفهوم وسوء رؤية للتحديات وعدم تشخيص الأولويات.

غيورا ايلاند محاضر وخبير في عدد من مراكز البحث الاسرائيلية المتخصصة بالشؤون الاستراتيجية والعسكرية. شغل في السابق منصب رئيس مجلس الامن القومي الاسرائيلي، ورئيس شعبتي العمليات والتخطيط في هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، ورأس طاقم تحقيق عسكري خاص في اخفاقات المؤسسة العسكرية في أعقاب عدوان 2006 على لبنان. في ما يأتي، نص لأبرز ما ورد في محاضرة أيلاند:

من الواضح لنا، تماماً، وجود تغيير في تهديد الصواريخ لإسرائيل في السنوات الاخيرة، ولا ترتبط المسألة بكميات الصواريخ وأحجامها، والتي تراكمت وازدادت، ولا بمداها ولا برؤوسها الحربية التي كبُرت أيضاً، بل إن التغيير الأكثر أهمية وتأثيراً، هو أن دقة اصابتها قد ازدادت. وما إن تزداد دقة الصواريخ، حتى تتحول من سلاحٍ عشوائي، إلى سلاحٍ دقيق الاصابة. وان تتحول الصواريخ الى سلاح دقيق الاصابة، فهذا يعني انهم لن يطلقوها على هدف كبير بحجم مدينة تل أبيب، بل سيطلقونها على أهداف نقطوية ومحددة، سواء كانت محطة طاقة كهربائية أو مستشفى أو محطة قطار أو مقر قيادة وسيطرة عسكرية أو مطاراً مدنياً. هذه هي الاهداف (الاسرائيلية) في الحرب المقبلة.

في مقابل ذلك، تقول نظريتنا الدفاعية بأن نوفّر دفاعاً مناطقياً في وجه الصواريخ، من خلال منظومة «القبة الحديدية»، او من خلال منظومات اعتراضية مشابهة (...). وهذا الدفاع، في أحسن الأحوال، لن يصد كل الصواريخ التي ستطلق في الحرب على اسرائيل. وإذا كان الدفاع ناجحاً جداً، وبالتالي عمل على صدّ ستين او سبعين او حتى ثمانين في المئة من الصواريخ، فإن عشرين في المئة ستخترق (الدفاعات). والعشرون في المئة، كما أشرنا، ليست عشوائية، بل هي دقيقة وموجهة الى أماكن محددة ومؤثرة جداً.

هنا يأتي السؤال: هل هذه الاماكن المحددة جداً محمية كما يجب؟ الجواب هو بالتأكيد لا. ومن دون أن أعرض لتفاصيل، لأن ما سأتحدث عنه حساس جداً، سأعطي مثالاً واحداً، وهو «ربع مثال». بالنظر الى محطات الطاقة الكهربائية المنتشرة في دولة اسرائيل، سنجد أن محطة الطاقة الرئيسية تقع في مدينة الخضيرة، التي توفّر للبلاد معظم الطاقة الكهربائية. داخل هذه المحطة مبنيان صغيران جداً نسبياً، لكن اصابتهما ستتسبب في ضرر بالغ لا يحتمل لدولة اسرائيل. اذا تعرضا للاصابة فلن تعود المسألة مسألة أضرار اقتصادية، أي كم تكلف عملية اصلاحهما من أموال، بل كم يأخذ ذلك من وقت. اذ من الممكن ان يستغرق ذلك ستة اشهر، وخلال هذه المدة، تكون دولة اسرائيل في وضع لا يمكّنها من توفير احتياجاتها من الطاقة الكهربائية.

السؤال حول ذلك يتمثل في الآتي: هل ينبغي إبقاء هذين المبنيين المكشوفَيْن في الميدان وتحصينهما مثل التحصين الذي نمنحه لكل حي أو منزل سكني أو أي موقع آخر، أو نقول كما نقول في مصطلحات الهجوم العسكري، ان هناك أهدافاً ذات أولوية، وإن هناك أماكن يجب مهاجمتها على نحو أكثر حدة من أماكن أخرى؟ هذا هو الوضع ايضاً في حالات الدفاع: هل نعمل على منح اهداف كهذه، أولوية دفاعية على غيرها، ونحصّنها بحيث يمكننا القول بأنه حتى الصاروخ الذي يخترق منظومات الدفاع الاعتراضية، لن يتسبب في ضرر لعمليات تزويد البلاد بالطاقة الكهربائية؟ أنا في الواقع لا أعتقد أن حماية الكهرباء هو الهدف الأكثر حساسية بالنسبة الينا.

ما يثير التعجّب في هذه المسألة، ليس السؤال إن كان يوجد مال أو لا يوجد، بل وجود سجال لا ينتهي حول مسألة من يتحمّل مسؤولية هذه المنشآت. لقد تحدثت شخصياً مع (وزير حماية الجبهة الداخلية) متان فيلنائي، ومع وزير المال (يوفال شتاينتس)، ومع وزير البنى التحتية (عوزي لانداو) والأخيران قالا الجملة الآتية: إن المسؤول عن توفير التحصين لتلك الأماكن هو وزير الدفاع. لأنه، في التوصيف، الدفاع عن دولة إسرائيل أمام تهديد الصواريخ يعود إلى وزير الدفاع. فليقرر الوزير كيف يدافع، إنها مسؤوليته، وهذا جزء من ميزانية الدفاع. اما متان فيلنائي، فيقول إن كل وزارة تتحمل المسؤولية في مجالها، اي حماية المستشفيات تقع على وزارة الصحة، وحماية محطات القطار تقع على وزارة النقل، وحماية محطات الكهرباء أو معالجة المياه على وزارة البنى التحتية. وكل طرف من الاطراف يعتقد ويؤمن بأنه المحق في هذا الشأن. وأقول انهم، ومنذ ما لا يقل عن عامين، لم يتوصلوا الى مستوى ان يجتمعوا معاً ليقرروا ما هي الآلية الصحيحة. وبعد تحديد الآلية، تأتي مسألة هل توجد اموال ام لا. لدينا سجال لا ينتهي، وأكاد أقول حوار طرشان، حول مسألة من هي الجهة المسؤولة عن تقرير ما يجب او لا يجب حمايته. وهذا أمرٌ مثير للاستغراب.

من هنا أنتقل إلى مسألة تفعيل القوة. إذا أخذنا حرب لبنان الثانية نموذجاً، يبدو لي أن هناك ثلاث عِبَر، من الصحيح إيرادها، وسأعرضها باختصار. عندما أُديرت حرب لبنان الثانية، أُديرت في ظل المفهوم الإسرائيلي المعتاد الذي يقول: كلما طالت الحرب، كانت لدينا فرصة أفضل. بعبارة أخرى، اسمحوا للجيش بأن ينتصر، أو بكلمات اخرى، أعطوا الجيش الهامش والزمن المطلوبين من أجل إنهاء مهمته. ونحن كلنا (نستحضر) صور حرب الأيام الستة، أو حرب يوم الغفران، أو عملية قادش عام 1956، ففي تلك الحروب تبدأ الساعة السياسية بالنفاد وليس بالتكتكة، لحظة بدء الحرب، وعندها تصبح المسألة كم لدى الجيش من وقت لكي يكمل مهمته، قبل أن يفرض علينا المجتمع الدولي وقفاً لإطلاق النار. بدأت حرب لبنان الثانية والحكومة في إسرائيل متخمة بشعور أن لديها دعماً دولياً واسعاً، ولا محدودية في الوقت، لذلك فضلوا اطالة زمن الحرب ما دام الامر يتطلب ذلك. لكن عندما تطيل الحرب إلى 33 يوماً من دون أن تفهم أنه خلال هذه المدة ثمة نحو مليون مواطن إسرائيلي في الملاجئ، فستفوح الروائح الآسنة من دون صلة بمستوى النجاح في ميدان المعركة، الذي كان، على أي حال، إشكالياً ايضاً.

أقول إن التغيير المترتب على هذه المسألة أغلبه جزئي ولمسناه في (عملية) «الرصاص المسكوب» (في قطاع غزة عام 2009). وهذا غير كافٍ. وآمل أن يكون مفهوماً أكثر، اليوم، أنه في الحرب المقبلة، وبالتأكيد إذا كانت حرباً ضد منظمة ـــــ دولة، مثل حماس في قطاع غزة أو حزب الله في لبنان، ليست لدينا رفاهية إطالة أمد الحرب لوقتٍ طويل، لأن استمرارها في الحقيقة، هو هزيمة.

العبرة الاولى من حرب لبنان الثانية، أن على اسرائيل ان تخوض حروباً قصيرة من ناحية زمنية، وان نكون مستعدين لدفع اثمان تتصل بمستوى العدوانية التي سنعمل بها في اليوم الاول للحرب. ليس أمامنا خيار سوى العمل بنحو أكثر عدوانية. وإذا كانت المسألة التي كنا نخشاها دوماً، أن تكون هناك دعوة ما إلى وقف اطلاق النار قبل إتمام المهمة، فهذه الصورة لن تنقلب في المستقبل، وبسبب العدوانية القاسية لاسرائيل، سيدعو المجتمع الدولي بعد ثلاثة ايام إلى وقف اطلاق النار.

العبرة الثانية. وهي صحيحة نسبةً إلى حرب لبنان الثانية، جرى تطبيقها جزئياً في عملية «الرصاص المسكوب» في قطاع غزة، رغم انني غير متأكد من وضوح الامور لهذه الناحية حتى النهاية في حرب القطاع. لقد خيضت حرب لبنان الثانية في ظل المفهوم القائل ان هناك حزب الله، وهم الأشرار، ونحن نقاتلهم هم فقط. اما بقية اللبنانيين فهم غير متورطين في اللعبة، وهم حكومة لبنان، والجيش اللبناني، والبنى التحتية اللبنانية، والشعب اللبناني. هذا المفهوم يقول ان حزب الله يطلق علينا صواريخ، ونحن سنعمل ضد الصواريخ وسننجح في اصطيادها بنحو فعال. وكما تذكرون الوضع منذ خمس سنوات، كان الجيش ينظم كل يوم مؤتمراً صحافياً، يعرض فيه بافتخار انجازاته باعتراض شتى أنواع الصواريخ، على شاكلة غارات من سلاح الجو كانت تستهدف المنصات. وفي الظاهر كان يُفترض بهذا الامر أن يبدو كإنجاز كبير، الا ان النتيجة من العملية، كما فهمناها ورأيناها، هي عدم الفاعلية والتأثير. بعبارة اخرى، وهذا صحيح إلى اليوم ايضاً، ليست لدينا قدرة جيدة بما يكفي، ومن المشكوك فيه أن تكون لدينا في المستقبل المنظور، قدرة جيدة بما يكفي، لأن نقاتل بنجاعة العدو الذي يطلق الصواريخ، ما دمنا نؤطّر القتال ضد مُطلقي الصواريخ.

كنتُ لأقول إنه بمثابة اللاخيار. لا خيار أمامنا سوى تحويل المواجهة مع المنظمة التي تطلق الصواريخ إلى مواجهة مع الدولة التي تُطلَق منها الصواريخ. وإذا ما بدأت غداً حرب لبنان الثالثة فإن السبيل الوحيد للنجاح فيها، أو إذا شئتم السبيل الوحيد للردع سلفاً ومنع الحرب، هو أن يكون واضحاً أن من غير المهم من الذي يطلق الصواريخ. لحظة إطلاق صواريخ من لبنان على إسرائيل، فإن دولة لبنان هي في حرب مع دولة إسرائيل. وفي الحرب بين دولتين، لا تكون إسرائيل أقوى فقط، وليس فقط يمكنها إيقاع أضرار أكبر ولا تُحتَمَل في الطرف الثاني، بل يمكنها أن تدفع العالم لكي يصرخ أسرع لوقف اطلاق النار، وقياساً إلى المسألة الأولى (ضعف الجبهة الداخلية لاسرائيل)، هذا هو المطلوب من قبلنا بالضبط.

العبرة الثالثة من حرب لبنان الثانية، هي مسألة الجبهة الداخلية والمسؤولية عنها، والتي يجب ان تبقى ضمن مسؤوليات الجيش. وأعتقد أن من الجيد أن الجيش قد فهم أن لا خيار أمامه سوى أن يفضّل بقاء الجبهة الداخلية ضمن مسؤولياته. في بعض الأحيان، هناك أولوية لتفعيل الجهود وتوجيهها، ليس فقط حين يكون التهديد موجهاً نحو المواطنين في الجبهة الداخلية، بل ايضا نحو منشآت عسكرية حيوية، الامر الذي يلزم ان يكون القرار في ايد صارمة. بعبارة أخرى، إذا سقط صاروخان كيميائيان، أحدهما في رحوفوت، والثاني في (مطار) تل نوف، وهناك وحدة تطهير واحدة، عليك أن تقرر الأولوية في معالجة الوضع الأكثر إضراراً. في هذه الحالة لا يمكن ترك الامور لقرارات المستوى المدني، اذ من منظور وطني، مع كل الالم في هذه المسألة، قد تكون اعادة تشغيل مطار تل نوف، اكثر اهمية من انقاذ ارواح فلان او فلان من الناس.

اعود وأشدد على نموذج المواقع الحيوية في اسرائيل، فهو نموذج مثير للاستغراب ولم يُحلَّ بعد، وما زال كل واحد مؤمناً بصوابية رأيه. وزير البنى التحتية متيقن أن وزير الدفاع مهتم بالمبنيين الحساسين في الخضيرة، والوزير فيلنائي متيقن من أنها وظيفة وزير البنى التحتية، وعندما تقع الحرب، يتحدث الجميع كيف أننا لم نولِ اهتمامنا لمثل هذه المسألة الهامة والبديهية.

 

الجبهة الداخليّة

 

ما إن وضعت «حرب لبنان الثانية» أوزارها، حتى وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة ملحّة مع ضرورة إعادة النظر في عقيدتها الأمنية. فالاستراتيجية القتالية التي اعتمدتها المقاومة في الحرب، والقائمة ـــــ جزئياً ـــــ على استهداف العمق الإسرائيلي، دفعت النخب العسكرية والسياسية الإسرائيلية إلى الاقتناع بأن زمن تحييد الجبهة الداخلية قد ولّى، وأن التحدي الأساسي في حروب المستقبل سيكون كيفية تحصين هذه الجبهة. سريعاً، بدأ الحديث عن إضافة مركب رابع، هو الحماية، إلى ثالوث العقيدة الأمنية الإسرائيلية المؤلف من الإنذار والردع والحسم. وفي سياق العمل على ترجمة هذا المركب عملياً، استحدثت وزارة خاصة هي وزارة الجبهة الداخلية التي يتولاها متان فلنائي ، مهمتها إعداد المجتمع الإسرائيلي لحالة الحرب. وسرعان ما أصبح التعبير الأبرز عن هذه الجهود تكريس محطة سنوية يجري فيها اختبار جهوزية الجبهة الداخلية من خلال مناورة عملاقة سمّيت «نقطة تحول».


Script executed in 0.042768001556396