أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إيران تعلن رسالتها: الفلسطينيون لا يبحثون عن وطن... وطنهم فلسطين

الإثنين 03 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,736 زائر

إيران تعلن رسالتها: الفلسطينيون لا يبحثون عن وطن... وطنهم فلسطين

لكن هذه هي ايران. هي لا تدعي لنفسها ما ليس لديها. ولم يعرف عنها انها سعت الى احتلال الصدارة السياحية في العالم، برغم كل ما تمتلكه من كنوز. 

لكنها قادرة على احتضان الثوار. حتى عندما يغيب برهان الدين رباني مقتولا، تحضر صورته على كرسيه في المقاعد الامامية للمؤتمر. ثوريون ومقاتلون، من فصائل فلسطينية نشطة، واخرى شبه متقاعدة، مقاتلون فعليون في مسار المقاومة ضد اسرائيل، و«مجاهدون» من افغانستان، الى جانب «حزب الله»، ونشطاء من اقاصي الشرق الآسيوي، وصولا الى مناضلين من بلاد المغرب العربي. هذا كله الى جانب وفود رسمية من لبنان، برئاسة الرئيس نبيه بري، والعراق وسوريا والكويت والجزائر وغيرها. 

بامكان الزائر لايران، اذا شاء، ان لا يدقق سوى في الهفوات والنواقص. وبامكانه ان يفعل العكس. وهي، ايران، بينما تحاول التناغم مع ذاتها، كأي دولة اخرى، تحاول ان تظهر وجهها الافضل، مثلما تفعل في ....السياسة. 

وهي، لانها لا تدعي لنفسها ما ليس لديها، فانها تتحدث عن فلسطين، كما يتحدث اهلها عنها. «من البحر الى النهر» كما اعلن مرشدها السيد علي الخامنئي جازما، خلال افتتاح المؤتمر الدولي الخامس لدعم الانتفاضة الفلسطينية. 

كانت تلك من صورة التناغم مع الذات. فعلها الامام الخميني ما ان فجر الايرانيون ثورتهم في العام 1979 عندما رفع علم فلسطين، على المبنى الذي كان مخصصا لسفارة اسرائيل في طهران. 

فلسطين تلك، التي من «البحر الى النهر»، هي التي هتفت من اجلها حناجر الملايين التي نزلت الى شوارع ايران قبل اكثر من 30 سنة، بينما كان «نظام السادات» يبرم اول اتفاقية سلام مع اسرائيل. 

كان ذلك «ربيعا ايرانيا» هز العالم. تبدو «كامب ديفيد» الآن كأنها تترنح بشكل او بآخر. ثوار مصر انزلوا علم اسرائيل عنوة من سماء القاهرة. «فلسطين من البحر الى النهر»، تلوح في الافق، بالنسبة لكثيرين هنا، في طهران، وفي مؤتمر دعم الانتفاضة. 

ولعلها لم تكن بمثل هذا القرب. ولهذا فان «افلاس» مشروع التسوية، بالنسبة الى هؤلاء المتفائلين، ليس مبررا لـ«جماعة الســـلام» بالذهاب الآن الى خيار الدويلة الفلسطينية التي ليـــست من البـحر الى النهر. 

ولان «الربيع الايراني» كان خطوة نحو تلك الفلسطين، فان «الربيع العربي» سيتمخض في مرحلة ما عن تصويب البوصلة. يقول الخامنئي في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الذي استمر يومين واختتم اعماله امس، إن «الصحوة الإسلامية في المنطقة فتحت فصلا جديدا وحاسما في مصير الأمة الإسلامية والقضية الفلسطينية، كما أن الصحوة الإسلامية تستمد قسما كبيرا من قوتها من القضية الفلسطينية». 

وفي هجوم على تصريحات الرئيس الاميركي باراك اوباما حول «الخط الاحمر» الذي تمثله اسرائيل بالنسبة الى الولايات المتحدة، قال الخامنئي وسط هتافات مئات المشاركين في المؤتمر، ان «الرئيس الأميركي يقول ان أمن الكيان الاسرائيلي هو خط أحمر، وليعلم الجميع أن هذا الخط سوف يكسر على ايدي الشعوب المسلمة المقاومة». 

واشار الخامنئي الى أن «ما يهدد الكيان الصهيوني والدول الغربية ليس الصواريخ الإيرانية، بل هو عزم شباب ورجال ونساء البلدان الإسلامية»، لكنه اضاف في تهديد صريح «ان الصواريخ الإيرانية ستفعل فعلها متى استوجب الأمر». 

كان تعبير «الصواريخ الايرانية التي قد تفعل فعلها» اشارة بالغة الدلالات امام مؤتمر كهذا، وبالنسبة الى القوى الخارجية التي تراقب كل ما يصدر عن ايران من تصريح او تلميح. 

لكن المشهد لا يكتمل من دون ملاحظة الخامنئي حول مشروع الدولة الفلسطينية حيث قال «ان كل مشروع يهدف الى تقسيم فلسطين مرفوض تماما»، مضيفا ان «مشروع السلطة لانتزاع اعتراف بالدولة الفلسطينية يعني إنهاء حق العودة وحق الفلسطينيين في أراضي 1948»، لافتا إلى أن «فلسطين هي من النهر الى البحر من دون تفريط بشبر واحد منها». 

لكن لماذا في طهران؟ ولماذا الآن؟. يقول الكاتب والمحلل السياسي الايراني حسن هاشميان ان الهدف من المؤتمر بهذا التوقيت والمكان، اظهار الموقف الايراني من التطور الاخير المتعلق بالقضية الفلسطينية حول طلب العضوية في الامم المتحدة. 

وقال هاشميان لـ«السفير» انه «كان هناك نوع من الضبابية في الموقف الايراني في الفترة الاخيرة» موضحا ان تصريحات للرئيس محمود احمدي نجاد عززت هذه «الضبابية» من خلال «الليونة» التي رآها البعض في موقفه من توجه الفلسطينيين بالنسبة لطلب عضوية الدولة. 

والآن، يقول هاشميان، ان موقف ولاية الفقيه قد تم اعلانه من خلال مرشد الجمهورية الذي هو «السلطة الاعلى» في ايران، وهو «معارضة اعلان الدولة الفلسطينية بهذا الشكل». 

اما مدير المركز العربي للدراسات الايرانية محمد صادقيان فيذكر بأن المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة الفلسطينية، انعقد للمرة الاولى في العام 1991، تزامنا مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام، بينما ينعقد المؤتمر الخامس الآن بعد خطوة محمود عباس في الامم المتحدة. 

وبعدما قال صادقيان لـ«السفير» ان «التوقيت يبدو لي مهما بالنسبة الى تحديد تعامل ايران مع القضية الفلسطينة»، اوضح ان «ما طرحه الخامنئي يجسد هذه الرؤية، وهي ستنعكس على الوضع الفلسطيني بشكل عام»، مشيرا الى ان اجواء المؤتمر هي رفض خيار الدولتين ومشروع محمود عباس. 

لكن خلاصة الفكرة المبدئية، الى جانب الرسالة التي ارادت ايران توجيهها، وخصوصا عبر مرشد الجمهورية، تمثلت في الشعار البديهي، في مبدئيته وانسانيته، والذي رفع في المؤتمر: «الفلسطينيون لا يبحثون عن وطن... وطنهم فلسطين». 

تعانق ايران، فلسطين للمرة الالف، مثلما اعتادت ان تفعل منذ سقوط الشاه. وفي تناغمها هذا، تعتبر نفسها في موقعها الطبيعي، في قلب الصراع، وسيظل كثيرون، من المهووسين بـ «الخطر الفارسي»، يبرزون ريبتهم بنياتها، مثلما فعلوا منذ ان انزل علم اسرائيل عن سفارتها في طهران قبل 30 سنة، وكما سيفعلون الآن وهم يستمعون اليها وهي تنادي بالتحرير «من البحر الى النهر». 

قالوا امام المؤتمر 

استحضر الخامنئي مرارا تجربة المقاومة في لبنان، ليؤكد صوابية نهج المقاومة لتحرير فلسطين. ومما قاله مرشد الجمهورية الايرانية انه «يوم انبثقت المقاومة الاسلامية في لبنان، كانت اسرائيل تحتل العاصمة اللبنانية، وكانت تسيطر على المقدرات السياسة لهذا البلد.. يومها حين كانت المقاومة ترفع شعار: زحفا زحفا نحو القدس، كان هناك من المغفلين من يعتقد ان هؤلاء اناس سذج بسطاء.. وكانوا يسألون نكاية: هل من الممكن الزحف نحو القدس وانتم اللبنانيون يتعذر عليكم دخول عاصمة بلدكم؟!. والزمان بين ذلك اليوم والانتصار التاريخي للمقاومة الاسلامية على اسرائيل، ثمانية عشر عاما فقط. وتعلمون ان ثمانية عشر عاما ليست بالزمن الطويل في تاريخ نضال الشعوب». 

وتابع الخامنئي «ثقوا بأن طاقات العالم الاسلامي جميعا، بل بعضها، لو سخرت في هذا الاتجاه لرأينا زوال اسرائيل وفناءها... اسرائيل هزمت في جنوب لبنان... صحيح ان حزب الله بامكانه ان يعبئ الآلاف، بل عشرات الآلاف، ولكنه على طول الخط، كان يعتمد على بضعة آلاف، بل بضع مئات في محاور المواجهة مع الصهاينة. اذاً نحن امام نموذج واضح وجلي للمقاومة». 

وقال الخامنئي «الفلسطينيون سيديرون أي قسم محرر من أرضهم عن طريق حكومة منتخبة، الصبر والأمل والعزم امر مطلوب في هذه المرحلة وليس الخطوات المرتجلة، إيران لا تريد رمي اليهود في البحر ولا حكمية الأمم المتحدة بل يجب أن يقرر الشعب الفلسطيني مصيره بنفسه». 

وطرح خامنئي اقتراحا إيرانيا حول القضية الفلسطينية، قائلا ان «طهران تقترح استفتاء الشعب الفلسطيني لتقرير مصيره بنفسه ولتقرير نظامه الحاكم كأي شعب آخر»، مشيرا الى أن «كل الفلسطينيين الأصليين، من مسلمين ومسيحيين ويهود، يجب أن يشاركوا في استفتاء عام ومنضبط ويحددوا مصير دولتهم». 

من جهته، قال رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني الذي يترآس المؤتمر، «ان ثورات المنطقة أعطت فرصة لدعم القضية الفلسطينية، ومن جانب آخر يجب أن نكون واعين وحذرين بالنسبة لبعض الخطط السياسية التي تدبر في الأسواق الغربية المقيتة والمزيفة التي تريد أن تبيع القضية الفلسطينية بثمن بخس»، داعيا الى مواجهة «المناورات المختلفة التي تجري حول القضية الفلسطينية». واعتبر لاريجاني ان «هذه الغدة السرطانية الخبيثة تنتشر... واذا وظف المسلمون كافة امكانياتهم فسيتم اجتثاثها». 

أما رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، فقد دعا الى لقاء وطني جاد لمراجعة المسار السياسي الفلسطيني، معتبرا أن هناك «مكسبا رمزيا ومعنويا في الأمم المتحدة وإحراجا للكيان الصهيوني والولايات المتحدة وكـــشفا لوجـــهها البشع لكنه غير كاف»، مضيفا ان «الرهان على عمليـــة التسوية والعامل الدولي والتدخل الأميركـي كله يدعو للمقاومة». 

وفيما دعا رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي إلى تشكيل اتحاد اسلامي وانشاء سوق اسلامية مشتركة لنكون من صناع القرار، بدلا من ان نجلس على مقاعد الفرجة، قال رئيس مجلس الامة الكويتي جاسم الخرافي ان «خطوة السلطة الفلسطينية للاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة هي نقطة تحول نحو حل القضية»، مضيفا ان «المصالحة الفلسطينية لم تعد خيـارا بين فرقاء بل ضرورة حتمية». 

وقال الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي عبد الله رمضان شلح ان الشعب الفلسطيني يريد كامل ارضه من البحر الى النهر، وهي ارض عربية واسلامية ولا يحق لاحد التنازل حتى عن شبر منها. وتساءل شلح «ما قيمة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والفلسطينيون لا يتمتعون بالسيادة عليها؟!». 

وبعدما اعتبر شلح ان الثورات العربية ستساهم في انتصار القضية الفلسطينية، قال ان اسرائيل ستسقط عاجلا او آجلا في الحفرة التي حفرها المشروع الصهيوني منذ ستين سنة، مشددا على ان فلسطين الحرة لن تتحقق سوى عبر المقاومة بالسلاح. 

وأطل رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة اسماعيل هنية على المؤتمر بكلمة من غزة بثت عبر شاشات كبيرة امام مؤتمر طهران، اشار فيها الى تأييده فكرة استرجاع أي جزء من فلسطين، وانما من دون التفريط باي شبر من ارضها او الاعتراف باسرائيل، مؤكدا على خيار المصالحة واطلاق حوار وطني يجمع بين المقاومة والدبلوماسية.

Script executed in 0.04262900352478