وتشمل العقبات التي تواجه مربي الأبقار في الهرمل، الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، وتحكم تجار الحليب وأصحاب معامل الألبان والأجبان بسعر الحليب، خصوصاً بعد إقفال «مركز تجميع الحليب» الموجود في المنطقة منذ سنوات، بعدما تم افتتاحه بإشراف وزارة الزراعة، وبتمويل من «منظمة الاغذية والزراعة الدولية - الفاو»، ما يجبر المزارعين على تسليم إنتاجهم من الحليب للتجار وأصحاب المعامل، فور استخراجه من الأبقار، كونه مادة معرضة للتلف بعد وقت قصير، إذا لم يتم تخزينه داخل برادات خاصة، ريثما يتم تصنيعه، ويعجز أي مزارع عن إمكانية توفيرها.
5 طن من الحليب يومياً
ويضاف إلى تلك المشاكل التي يواجهها أكثر من مئة وخمسين مزارعاً، يملكون نحو ستمئة بقرة حلوب، يتجاوز إنتاجها اليومي ما يزيد على 5 اطنان من الحليب، عمليات تهريب تلك المادة من سوريا، وغياب المساعدة من قبل الوزارات المعنية، كتقديم الأدوية والعناية الطبية بالأبقار، وعدم وجود عمل تعاوني حقيقي، يساهم في تنسيق جهود العاملين في القطاع، والضغط من أجل الحصول على حقوقهم، وتحسين نوعية إنتاجهم وتسويقه، من دون الحاجة للوسطاء من تجار الحليب والأعلاف.
وتبدو المفارقة كبيرة، بسبب ضآلة حجم القطاع في المنطقة، ومحدودية مردوده الاقتصادي، مقارنة بحجم القطاع في لبنان، والذي يصل إلى نحو الأربعين ألف رأس من الأبقار الحلوب، حيث يجب أن يصل عددها في الهرمل إلى نحو ثلاثة آلاف رأس، كي يقترب من النسبة العامة لتربيتها في لبنان، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مساحة القضاء، التي تبلغ نحو خمسمئة كيلومتر مربع، ناهيك عن غناها بالمياه والمساحات الصالحة لزراعة الحبوب والأعلاف الخضراء الضرورية لتغذية الأبقار.
ويؤكد المزارع حسين الغرباوي، الذي يمتلك 15 رأسا من الأبقار الحلوب، تشكل مصدر عيشه الوحيد، أنه بات على حافة الإفلاس، يقول: «إننا نواجه ما لا يطاق من المشاكل، التي تفوق قدرتنا على التحمل، وذلك بسبب غلاء أسعار الحبوب والمكونات الأخرى للأعلاف من أملاح وغيرها. ويضاف إليها ارتفاع أسعار المحروقات، التي نحتاج إليها من أجل تشغيل مولدات الطاقة الكهربائية، بفعل الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي»، لافتا إلى أن «الأبقار تنفق، لأنني أحيانا لا أملك بدل معاينة الطبيب البيطري، وشراء الأدوية المطلوبة». ويتوقف ناصر الدين عند مشكلة تصريف الإنتاج من الحليب، مشيراً إلى الغياب الكامل لدور وزارة الزراعة، أو أي جهات أخرى في تقديم الدعم لهم، وبما يساعدهم في تسويق إنتاجهم بأسعار مقبولة وتخفيض كلفته.
ويعيد أحد أوائل مربي الأبقار في المنطقة، عدنان هاشم، السبب الرئيسي للمشكلات العديدة التي يواجهها مربو الأبقار في الهرمل، إلى «عدم وجود أي شكل من العمل التعاوني الحقيقي بين المزارعين، يكون هدفه تأمين مصلحة مربي الأبقار في المنطقة، خصوصاً في ظل غياب الاهتمام بهم من قبل الوزارات والإدارات الرسمية المعنية، وعلى رأسها وزارة الزراعة». وذلك بعدما وصل المشروعان الوحيدان، اللذان تم تقديمهما لمربي الأبقار في المنطقة، بإشراف الوزارة إلى طريق مسدود، وهما «مشروع إنعاش وتأهيل قطاع الحليب في سهل البقاع وجرود الهرمل وعكار» بقيمة تصل إلى ثلاثمئة مليون يورو، و«مركز تجميع الحليب»، الذي تم افتتاحه فـــي المنــطقة قبل سنوات، بكلفتة تقارب ثمــانمئة ألف دولار أميركي، ويوجد داخله صهريج كبير لتخزين وتبريد الحليب.
وكانت نتيجة المشروع الأول حصول المربين على بعض البراميل لتخزين الحليب، بقيمة أربعين دولارا أميركيا للبرميل الواحد، والبعض منهم حصل على حلابة كهربائية. أما «مركز تجميع الحليب»، فقد توقف العمل به بعد نحو سنة من افتتاحه، خصوصاً أن المشكلة الأولى التي تواجه المزارعين من أبناء المنطقة هي عملية تخزين وجمع ونقل إنتاجهم من الحليب، حيث كان المركز يساعد في حل تلك المشكلة، ويوفر إمكانية بيعه لأي معمل بالسعر المطلوب، وحمايتهم من تحكم بعض التجار، وأصحاب معامل الألبان والأجبان، الــــذين يستغلون بُعد المسافة بين المنطقة، وتلك المعامل، التي تزيد على المئة كيلومتر في مدينتي زحلة وشتورة، ناهيك عن مدينة بيروت، التي تبعد نحو المئة وخمسين كيلومتر. ويتساءل هاشم حول «الأسباب التي أدت إلى اقفال المركز، وتوقفه عن العمل؟»، داعياً إلى «إعادة تشغليه، لأنه يشكل حاجة ملحة لمربي الابقار في منطقة الهرمل».
ضعف المنافسة والخبرات
ويرى مدير «مركز التخطيط والتنمية في الهرمل» الدكتور جلال محفوظ أن «الطابع الاقتصادي المجهري لمشاريع تربية الأبقار الحلوب في المنطقة، ينتج ضعفاً في المنافسة، وفي تكوين الخبرات، وإنتاج النوعية الجيدة من الحليب، بحيث تتوزع الأبقار بأعداد محدودة على عدد كبير من المزارع»، لافتاً إلى أن المشكلة تتفاقم مع «غياب الرقابة الفاعلة، والمساعدة من قبل الوزارات والإدارات الرسمية المعنية، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى الربحية المتوخاة من مشاريع تربية الأبقار في المنطقة». ويضيف محفوظ إلى ذلك «مشكلة إنتاج الأعلاف من جهة، وعدم تصنيع الحليب في المنطقة بواسطة معامل حديثة يتم إنشاؤها داخلها من جهة أخرى، ويتوج تراكم كل تلك المشكلات ضعف العمل التعاوني، الناتج عن عدم وجود ثقافة العمل التعاوني، الذي بات الشرط الرئيسي الذي لا بد من توفره لمواجهة كل تلك المشكلات التي تحاصر المربين، لكسر حلقة الحصار التي يفرضها عليهم تجار الحليب والأعلاف واللحوم».
ويقترح محفوظ عدداً من الحلول «لمواجهة الواقع السيئ لقطاع تربية الأبقار الحلوب في الهرمل». ويأتي على رأسها «الانتقال بمشاريع تربية الأبقار من مجهرية وصغيرة إلى متوسطة وكبيرة، على أن يترافق ذلك بمشاريع أخرى، وعلى نفس المستوى لإنتاج الحبوب والأعلاف الخضراء». وذلك بات توجها لدى وزارة الزراعة، كما أكد الوزير حسين الحاج حسن في غير مناسبة.
وكل ذلك في إطار عمل تعاوني حقيقي، بما يضمن خفض الكلفة، وإنتاج نوعية جيدة من الحليب ومشتقاته وتسويقها، إضافة إلى إعادة افتتاح «مركز جمع الحليب» في أسرع وقت ممكن، وتوسيعه كي يتحول إلى معمل لتصنيع الألبان والاجبان. ويعتبر محفوظ أنه «انسجاما مع ذلك الاتجاه، يسعى المركز إلى وضع الخبرة الإدارية المتوفرة لديه، بتصرف مجموعة من المزارعين من أبناء المنطقة، وتنسيق جهودهم لتأسيس تعاونية لمربي الأبقار الحلوب، بهدف تنفيذ أول مشروع لبناء مزرعة، تكون نموذجاً يبنى عليه لتطوير القطاع في المنطقة».