فهو، لطالما روى، في إطلالاته التلفزيونية غير السياسية، عن علاقته بالموسيقى الشرقية، وعن الشعور الخاص الذي يكنه لأم كلثوم وأغنياتها. كما أن الطبيب الجراح الخمسيني، المتخرج من الجامعة الأميركية، والنائب السابق، المتخلف أخيراً وطوعاً عن انتخابات مدينته طرابلس نزولاً عند رغبة الرئيس السابق سعد الحريري، والمتفرغ مع السياسة للطبابة ومداواة الناس، يبدو مريضاً بداء ام كلثوم، التي خصّها بكلمات نصّبتها على «زعامة الطرب»، و«تحت أقدامها الآلاف من الحاضرين المأخوذين بسحرها، وأمام أجهزة الراديو الملايين ممن تسمروا ساعات ليسمعوا ما تقوله الست»، على ما افتتح مقالة له في صحيفة «المستقبل»، في الرابع عشر من نيسان ألفين وسبعة، ينتقد فيها عميقاً وبقسوة الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله.
وعلوش، الذي يمضي كثيراً من وقته في مشفى النيني في طرابلس، يجمع الطب إلى السياسة، فيستقبل الصحافيين في المشفى، حتى ليظن المريض نفسه صحافياً، والصحافي مريضاً، وهو في عيادته، الواقعة في الطبقة السفلية من المشفى، يضع صوراً طبية علمية إلى جانب صورة بالأبيض والأسود للشهيد رفيق الحريري، وغيرها من الصور التي التقطتها الكاميرات له في مواقع سياسية. وعندما التقيته مرة، في ذلك المكتب، أو تلك العيادة، بهدف التصوير معه لتحقيق تلفزيوني، بدا لي، خارج الكادر، وبعيداً من ضوء الكاميرا، شخصاً مرحاً، إنسانياً، ودوداً ونقدياً. وهو يومها أبدى لي انزعاجه من فيديو، عرضته القناة التي أعمل فيها، ومواقع إلكترونية كثيرة، يظهره وهو يغني مع أصدقاء له، في حفلة ساهرة «هل رأى الحب سكارى مثلنا...»، منساقاً بإنطرابه، إلى الشدو بـ«أطلال» أم كلثوم، وكأنه يحاكي كلماته عنها في المقالة التي سبق الاستشهاد بها أعلاه، حينما يقول عن «الست» إنها «كانت لا تتورع عن الخروج على النغمات والتلاعب بالكلمات»، فلم يتورّع في الفيديو الشهير، عن التلاعب بالكلمات والخروج عن النغمات، ولم يكن هذا ما أزعج «الحكيم» (وليست بالمناسبة حكراً على جعجع)، بل ما سببه له الفيديو من إزعاج في الأوساط الطرابلسية، حينما بدأت الألسن تلوك «مباهاة الطبيب بالسكر علانية»، وقد بدا واضحاً في الفيديو خلو يدي الطبيب من كأس «البنج»، ولو أن اصدقاءه الذين ظهروا في الفيديو، يرفعون الأنخاب عالياً، في الحفلة التي توحي بأكسسواراتها، وراقصتها الشرقية، أنها تقع في ليلة ليلاء فاصلة بين سنة وأخرى.
وراح علوش، في خلال دردشتي القصيرة معه، بعد انتهاء التصوير، يشرح لي خصوصية طرابلس في تماسها مع مسائل مماثلة، فإشاعة شربه الكحول، يمكن لها أن تطيح بسنوات من عمله الاجتماعي والخيري والسياسي في المدينة، خصوصاً، أنه، بحسب ما قال، يحاذر أن يجالس شاربي الخمرة، ولو أنه لا يحاذر، بل يباهي بمجالسة الطرب الأصيل، والغناء بلسان أم كلثوم «اسقني واشرب على اطلاله». فبدا لي كأنه يريد «الهوى دون أهله»، وهو عنوان كتاب بديع لحازم صاغية عن أم كلثوم، كما بدت شكواه لي حينذاك، أشبه بشكوى العصفور المسجون في قفص بابه مفتوح، يخشى الخروج إلى الحرية، بما هي خروج على القفص المفتوح. وهو في موقفه الأخير من السعودية، الذي ضجّت به الصحف والتلفزيونات، كأنما يطلّ برأسه خارج القفص، متلفتاً يمنة ويسرة، خوفاً من الصيادين. فهل يطير أخيراً، ويغني؟ أم أن «الميعاد فات»؟