ولذلك، تشهد السجون اللبنانية، بين الفينة والأخرى، انتفاضات تلقائية يُقدم عليها المسجونون، يطالبون فيها السلطة المتجاهلة لحقوقهم كبشر، بالعودة جذرياً عن مقاربة لمبدأ السجن، باتت أقرب إلى جريمةٍ تطال تداعياتها، وآثارها السلبية، المجتمع برمّته.
لم تنصع الدولة اللبنانية، حتى الآن، للمطالب المنادية بجعل السجن بيئة آمنة وملائمة للإصلاح، ويمكن اختزال المحاولات الجارية لتحسين الأوضاع، بالسعي لإقرار قانون تخفيض السنة السجنية، كما بطرح مشروع قانون العفو عن بعض الجرائم، المرتبط على ما يبدو بملفات أخرى خاضعة للمساومات السياسية والمصالح الطائفية والمذهبية. في المقابل، يبدو أن مشروع نقل السجون من وزارة الداخلية إلى عهدة وزارة العدل في مطلع عام 2012، لن يبصر النور في التاريخ المحدد له، ولا في مدى منظور، نظراً لعدم جهوزية وزارة العدل لذلك بعد.
وبانتظار التخلّص من السلبيات التي تحكم ملف تحسين السجون القائمة حالياً، وبناء أخرى تحترم المعايير الحقوقية والإنسانية، من الضروري الالتفات إلى عدد من النصوص والمواد الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، الذي وضع عام 2001، وهي نصوص ومواد غير مطبقة حتى يومنا هذا، على الرغم من أهمية دورها في تخفيف اكتظاظ السجون. إذ أن تطبيق تلك المواد قادرٌ على حلّ جزء أساسي من مشكلة التوقيف الاحتياطي، علماً أنه يملأ السجون بآلاف المتهمين الذين ينتظرون البتّ بقضاياهم.
وتأتي في مقدمة تلك المواد المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تجيز لقاضي التحقيق، بعد استطلاع رأي النيابة العامة، أن يستعيض عن توقيف المدعى عليه، بوضعه تحت المراقبة القضائية، وبإلزامه بموجب أو أكثر من الموجبات التي يعتبرها ضرورية لإنفاذ المراقبة، مهما كانت نوعية الجرم المتهم به.
ماذا تقول المادة 111؟
تتلخص موجبات المادة 111 بـ«التزام المدعى عليه بالإقامة في مدينة أو بلدة أو قرية، ومنع مبارحتها واتخاذ محل إقامة فيها، وبعدم التردد إلى أماكن معينة، وبإيداع جواز السفر لدى قلم دائرة التحقيق، وإعلام المديرية العامة للأمن العام بذلك، والتعهّد بعدم تجاوز دائرة المراقبة، وإثبات الوجود دورياً في خلال مدة يعينها قاضي التحقيق، وبتقديم كفالة ضامنة يعيّن قاضي التحقيق مقدارها».
كما يحق لقاضي التحقيق أن يعدل في موجبات الرقابة التي فرضها، كلما رأى ذلك مناسباً. وإذا أخلّ المدعى عليه بإحدى موجبات الرقابة المفروضة عليه، يحق له أيضاً أن يصدر مذكرة توقيف بحق المدعى عليه، ومصادرة الكفالة لمصلحة الخزينة، بعد استطلاع رأي النيابة العامة. وإلى المادة 111، تنص المادة 112 من أصول المحاكمات الجزائية، على حق المدّعى عليه الموضوع تحت الرقابة، بأن يطلب رفع الرقابة عنه، ويعود لقاضي التحقيق أن يبتّ بطلبه خلال ثلاثة أيام، بعد استطلاع رأي النيابة العامة.
التخلّف التكنولوجي عائق
يؤكد القاضي السابق عدنان بلبل لـ«السفير» على «ضرورة تطبيق المادة 111 عندما يرى قاضي التحقيق أن هناك شبهة على المدعى عليه، لم تعزّز بعد بقرائن ترتقي الى مستوى الدليل»، مضيفاً أنه «يتوجّب عليه أن يتابع تحقيقاته للوصول إلى القرائن والأدلة التي من شأنها أن تعزز الشبهة لترتقي إلى درجة الاتهام». ولكن، «في حال عدم توفر القرائن والأدلة، يتوجّب على القاضي أن يعمل على تطبيق المادة 111، وإن بغير مضامينها كلها، إذ من الممكن الاكتفاء بمنع المدعى عليه من السفر، وضبط جواز سفره، وإشعار الأمن العام بذلك، وتضمينه كفالة مالية».
ويتوقف بلبل عند «موجبات» تطبيق المادة 111 في لبنان، بكامل مندرجاتها، ومنها: «توفر الشق التقني للتنفيذ من خلال توفر تقنيات المراقبة الالكترونية للمشتبه فيه، كما هي الحال في البلدان المتطورة التي تطبقها بحذافيرها، مثل فرنسا وبريطانيا»، ولكنه «أمر غير متوفر لدى الأجهزة الأمنية والقضائية في لبنان حتى الآن».
من جهته، يرى القاضي عفيف شمس الدين لـ«السفير» أن «المادة 111 تمثل تطوراً عصرياً في قانون المحاكمات الجزائية في لبنان، وهي تتوافق مع شرعة حقوق الإنسان، وهي ببعدها الحضاري أعلى بكثير من مستوى الخدمات الموجودة في لبنان لدى قضاة التحقيق والموظفين العدليين وعناصر قوى الأمن الداخلي».
ويعتبر شمس الدين أن «ما كان واجباً أن تقرّ المادة 111 في لبنان قبل توفر الآليات التنفيذية لتطبيقها، ومنها: إنشاء مركز المراقبة الالكتروني الذي يمكن التأكد عبره من أن المشتبه فيه لم يتجاوز حدود دائرة المراقبة التي رسمها له قاضي التحقيق. ويتم ذلك عن طريق وضع سوار مغناطيسي خاص في معصم المشتبه فيه يرسل إشارات عن تحركاته إلى مركز المراقبة الإلكترونية». ويشير شمس الدين إلى «صعوبة إنشاء مثل هذا المركز في لبنان في الوقت الحاضر، لأسباب مالية وتقنية».
وعلى الرغم من ذلك، يرى شمس الدين أنه «يمكن لقضاة التحقيق تطبيق بعض ما جاء في نص المادة 111 كالاستعاضة عن التوقيف في بعض الحالات بايداع قلم النيابة العامة جواز سفر المشتبه فيه، أو أوراقه الثبوتية، ما يؤدي إلى التخفيف من اكتظاظ السجون بنسبة ثلاثين في المئة على أقل تقدير، بالإضافة إلى الحدّ من الآثار الاقتصادية السيئة التي يخلّفها التوقيف على عائلة المشتبه فيه الذي سيستمر في ممارسة حياته اليومية، ولكن تحت المراقبة، إلى حين ثبوت الاتهام الموجّه إليه».
ويشير شمس الدين إلى «منافذ قانونية أخرى قادرة على الحدّ بشكل فاعل من مشكلة السجون». ويذكر منها: «استبدال السجن بالغرامة المادية أو الحكم في بعض الجنح بالسجن مع وقف التنفيذ المنصوص عنه في المادة 169 من قانون العقوبات».
عضّوم: تخفف بنسبة 50% من الاكتظاظ
يعيد وزير العدل السابق عدنان عضوم، المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى «النظام الأنغلوسكسوني الذي يجيز للمشتبه فيه، قبل صدور الحكم بحقه، أن يدفع كفالة مادية تكون بديلاً عن التوقيف، أو تقييد حركته ووضعه تحت المراقبة القضائية ضمن شروط معينة».
ويؤكد عضوم أنه «كان يجب إيجاد الآليات التطبيقية للمادة 111 قبل إصدارها»، مؤكداً أنها «ثورة في عالم القضاء اللبناني، ومن الظلم أن تبقى بلا تطبيق».
ويشرح لـ«السفير» أن «المادة 111 تمثل بحدّ ذاتها سياسة قضائية وتنفيذية وتشريعية شاملة، من شأن تطبيقها أن يحل نسبة خمسين في المئة على الأقل من مشكلة الاكتظاظ في السجون، وإلى الإفراج عن الكثير من الموقوقين احتياطاً في السجن، بانتظار صدور الأحكام بحقهم. إذ لا يجب أن يتم التوقيف في حال كانت عقوبة الجرم دون السنة سجناً، كما يتوجب على المدعين العامين إخلاء سبيل المشتبه فيه بعد أخد إفادته، بانتظار محاكمته، إلا في حال كان الجرم مكرراً».
وفي حال تمّ التوقيف، فإنه «يجب أن يخلى سبيل المتهم حكماً بعد شهرين وبحق، أي من دون كفالة»، يقول عضوم.
ويرى عضوم أن «تنفيذ هذه المادة يحتاج إلى الكثير من الدقة والتنسيق بين عدد من الأجهزة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، إعلام الأمن العام عند مصادرة جواز سفر المشتبه فيه، ووضعه في دائرة التحقيق، حتى لا يستصدر جواز سفر آخر».
وزارة العدل: لو توفرت الأجهزة..
وسط النتائج الإيجابية المتوقعة من تطبيق المادة 111 من أصول المحاكمات الجزائية، أين تقع مسؤولية وزارة العدل؟ وما هي الإجراءات التي تتخذها لضمان تطبيقها؟ وإلى أي مدى يُسهم التطبيق، فعلياً، في حلّ مشكلة اكتظاظ الموقوفين في السجون؟
عبر أسئلة وإجابات مكتوبة، أكدت رئيسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل القاضية ماري دنيز المعوشي لـ«السفير» أنه «صحيح أن المادتين 111 و112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تلحظان تدابير بديلة للتوقيف الاحتياطي، يمكن لقاضي التحقيق اتخاذها، ولا شك في أن التدابير البديلة عن التوقيف الاحتياطي من شأنها أن تخفف اكتظاظ السجون، غير أنه، وحيث أن تطبيق هاتين المادتين يستلزم أجهزة تعاون القضاء، وتخوّل قاضي التحقيق اتخاذ القرار بالوضع تحت المراقبة، وأنه بغياب أجهزة كهذه تكفل مثول المتهم أمام المحكمة المختصة، فقد تصبح آلية المراقبة القضائية أداة للتهرب والفرار من الملاحقة».
وفي حال توفرت تلك الأجهزة في لبنان، تلفت المعوشي إلى أن «قاضي التحقيق لا يخضع لسلطة وزير العدل التسلسلية، على غرار النيابة العامة، وبالتالي، لا يمكن للوزير أن يوجه إليه أية تعليمات، كما لا يمكنه التدخل في عمل قاضي التحقيق أو في القرارات التي يتخذها».