أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تسليح المؤسسة العسكرية: قرار سياسي لبناني أولاً ثم تأتي المساعدات

الإثنين 10 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,609 زائر

تسليح المؤسسة العسكرية: قرار سياسي لبناني أولاً ثم تأتي المساعدات

ولعلها المرة الأولى منذ الاستقلال اللبناني، يكون الجيش اللبناني أمام استحقاق أن يكون قوة قادرة على لعب دور، سواء في حماية الداخل اللبناني، أو في حماية حدود بلده الجنوبية (الخطر الاسرائيلي الدائم) وكذلك الشرقية والشمالية، في ضوء ما يمكن أن ينشأ من تداعيات مستقبلية في الوضع السوري وهي فرضية مطروحة على جدول أعمال الأميركيين.

ما ان انجلى غبار مواجهة العديسة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في آب 2010 حتى وجد عناصر الجيش اللبناني أنفسهم مكشوفي الظهر يفتقرون إلى أدنى مقومات الحماية. لا حفرة أو دشمة مجهزة كما هي حال جيوش العالم، ترد عنهم حمم قذائف دبابات العدو ومدافعه ونيران رشاشات جنوده المتحصنين في غرف إسمنتية هي أشبه بقلاع محصنة لا تخترقها لا المدافع ولا الصواريخ.

وما ان تحولت حدود لبنان الى معابر لتهريب السلاح الى الداخل السوري، حتى وجد الجيش اللبناني نفسه مكشوفا، في مواجهة امتحان لم يعد له العدة جيدا، من دون اغفال التداعيات الداخلية لأي تطور دراماتيكي في الوضع السوري. 

في المقابل، لم تقدم السلطة السياسية اللبنانية للمؤسسة العسكرية سوى عبارات الثناء والمديح ووعود التسليح، ذلك أن بنود عشرات البيانات الوزارية المتعلقة بتطوير الجيش وتأمين العتاد له وإعادة تجهيزه والتي صيغت بعد اتفاق الطائف بقيت كلها حبرا على ورق. 

لا تنقص الجيش العقيدة ولا العزيمة ولا الإرادة أو الكفاءة القتالية للقيام بواجباته، وجل ما يطلبه هو زيادة رصاصاته حتى لا يضطر الى تقنينها عند تعرضه للاعتداء، مثلما هو يحتاج الى منظومة اتصالات حديثة تتيح له التواصل مع قيادته، وشبكة دفاع جوي تؤمن الغطاء له، وصواريخ تقيه خطر دباباته.. والاهم من ذلك كله إرادة سياسية لبنانية وطنية مؤمنة بقدرة الجيش على الدفاع عن لبنان، فتوفر كل ما يحتاج اليه من إمكانات مادية وتقنية.

 

تعتبر الميزانية العسكرية الإسرائيلية من أكبر الميزانيات العسكرية على مستوى العالم، مقارنة مع الناتج المحلي وعدد السكان، وفي أعقاب حرب تشرين 1973 زادت أكثر حتى أصبحت تمثل ثلث ميزانية الدولة. وقد وصلت ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية وحدها لعامي 2010 ـ 2011، إلى 18 مليار دولار، بدعوى استحقاقات الأوضاع الجديدة في العالم العربي في أعقاب التغييرات في مصر وسوريا وغيرهما. 

في المقابل، وصلت موازنة وزارة الدفاع الوطني في مشروع قانون موازنة العام 2010 إلى 1,257 مليار ليرة لبنانية، بحيث تستحوذ كلفة الرواتب والأجور على نحو 80% منها. ووفقا لشركة «الدولية للمعلومات»، لم تصرف ليرة لبنانية واحدة من العام 2007 حتى 2010 على التجهيزات والإنشاءات وشراء الأسلحة والذخائر مع نفقات تأهيل وترميم (في موازنة وزارة الدفاع). ولا وجود لبند اسمه تسليح الجيش، بقرار من السلطة السياسية.

في المقابل، فان المعدل الوسطي لثمن السلاح الفردي والعتاد للجندي الإسرائيلي والذي يحمله الى ارض المعركة يصل الى حوالى 10 آلاف دولار وهو يتضمن: كمبيوتر عسكريا يمكنه من تلقي أحدث المعلومات والخرائط العسكرية والصور الجوية من الطائرات إليه مباشرة لمعرفة ما يدور حوله، بندقية M16 أو M18 عليها منظار تسديد بالليزر، سترة واقية للرصاص، جعبا للذخيرة فيها اكثر من ألف رصاصة، قنابل يدوية، خوذة حامية للراس، جهاز اتصال لاسلكيا صغيرا، منظارا للرؤيةا الليلية وأحيانا جهاز «جي بي اس». في حين، لا تتعدى كلفة عتاد الجندي اللبناني (المتواضع) أكثر من 500 دولار وهو مؤلف من بندقية M16 أو كلاشينكوف، وعدد محدود من مخازن الذخيرة.

ومن ناحية الإعداد والتأهيل القتالي، يجري الجندي الإسرائيلي في السنة الواحدة أكثر من 20 مناورة لوائية، فضلا عن مناورات الفرق والكتائب والمناورات الكبرى على مستوى الكيان «نقطة التحول». في حين ينفذ العنصر اللبناني مناورة واحدة في السنة، ويستخدم خلالها عددا محدودا من الرصاصات. 

وتكمن المفارقة الكبرى بين الجنديين (اللبناني والإسرائيلي) بعدد الرصاصات التي يرميها كل منها في السنة الواحدة خلال هذه المناورات والتدريبات. فالجندي الصهيوني يرمي على مدار العام حوالى 100 ألف طلقة رصاص ليتقن فن الرماية في مختلف الأوضاع والمستويات، وليصبح ماهرا وقادرا على القتل والإصابة في الميدان. في حين لا يتاح للجندي اللبناني سوى رماية 10 رصاصات في العام!

وعلى مستوى التسليح والتجهيز، لم تتوقف إسرائيل يوما عن تطوير قدراتها الدفاعية والعسكرية، حتى تحول جيشها من أكثر الجيوش حداثة (أي ما يعرف بالجيش الذكي) بمختلف أذرعه البرية والبحرية والجوية في العالم، وذلك بمساعدة حليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة. 

يبلغ الدعم العسكري الأميركي السنوي لإسرائيل لعام 2010 ما قيمته 2.77 مليار دولار والهدف من تقديم هذا المبلغ هو أن يخصص بمجمله تقريبًا لتعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية.

وبناءً على اتفاق بين الطرفين تم التوصل إليه في آب 2007، فإن الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل سيزيد تدريجا، بحسب التقدير الاستراتيجي السنوي لإسرائيل 2010، وسيبلغ خلال عشر سنوات تنتهي عام 2018 ما قيمته 30 مليار دولار. 

ففي أعقاب حرب لبنان الثانية في تموز 2006، استثمر الجيش الإسرائيلي مبالغ كبيرة في إعادة تخزين أسلحة وذخائر، مع التركيز على شراء كميات كبيرة من

أنواع الذخائر الحديثة للقوات الجوية، مثل القنابل ذات القطر الصغير من طراز GBU ـ 39 وقنابل JDAM GPS-guided الموجهة والخارقة للتحصينات والأنفاق. واستكملت إسرائيل حصولها على 100 طائرة مقاتلة من طراز F16I كذلك تسلمت 5 طائرات من طراز G550 Gulfstream بعضها مخصص لجمع المعلومات الاستخباراتية والآخر لعمليات المراقبة الجوية. 

وأعلنت إسرائيل عزمها على تزويد سلاحها الجوي بطائرات F35 الاستراتيجية والمفاوضات ما زالت جارية حول شروط الصفقة ومن المتوقع أن تحصل على أولى الطائرات ما بين العامين 2015 و2017. كما وسَّعت إسرائيل امتلاكها لأنظمة الأسلحة المنتجة ذاتيًا الخاصة بالقوات البرية. وأحد الدروس المستفادة من «حرب لبنان الثانية» قاد إلى الشروع بالتسلح بمدرعة جديدة تدعى (نامر) NAMER وقد تم بناؤها على هيكل دبابة «ميركافا» وقد جهزت بنظام دفاعي فعّال مضاد للدبابات يسمى القبضة الحديدة Iron Fist، كذلك زودت دبابة (الميركافا) بنظام دفاعي مماثل أيضا يدعى (TROPHRY) النصب التذكاري. 

وعملت إسرائيل أيضا على سد احتياجاتها الأمنية بتسليح جيشها بطائرات من دون طيار من طراز «ايتان» قادرة على التحليق على علو شاهق وتنفيذ مهام طويلة لأكثر من 40 ساعة، وطائرات نقل حديثة، وغواصتين من طراز «دولفين». وركزت على حماية سمائها وجبهتها الداخلية، من خلال تطوير أنظمة مضادة للصواريخ القصيرة والبعيدة والمتوسطة المدى، وتشمل: بطاريات «اورو» أي «السهم» و«القبة الحديدية» و«مقلاع داوود».

هذه القفزة الإسرائيلية الكبيرة في ميدان التسلح والتجهيز، تأتي في وقت بدا فيه لبنان الرسمي غير معني بها. كأنه لا توجد على حدود الشمالية دولة عدوانية محتلة لجزء من أرضه ولها اطماع تاريخية في أرضه وثرواته المائية ومؤخرا النفطية. وهكذا، لم تقدم الحكومات المتعاقبة على أي خطوة من شانها تحديث معدات الجيش اللبناني وتطوير آلياته وسلاحه، ليصبح مؤهلا لمواجهات هذه التحديات والإخطار المحدقة بلبنان. 

لا يجد الجيش أمامه خيارا للتسلح سوى التعويل على الهبات والمسعدات العسكرية الأجنبيّة. ونظرا لاستمرار حالة العداء مع إسرائيل، لم تمنَّ الدول الغــربيّة على لبنان سوى بمعدات عسكريّة دفاعيّة غير كافيّة ومستعملة. ولعل الجزء الأكبر منها يتمثل بالمساعدة العسكرية الأميركيّة بقيمة 600 مليون دولار تمثلّت بسيّارات دفع رباعي وشاحنات ومدرعـات وقطع غيار للآليات القديمة، ومدافع وذخائر وأسلحة خفيفة وطائرات وأجهزة لاسلكي وتدريب. 

يرى العميد المتقاعد الياس فرحات أن «قيادة الجيش اعتمدت في تجهيزه منذ عام 1990 على مصدرين هما سوريا والولايات المتحدة»، مضيفا «بعد اتفاق الطائف قدمت دمشق للجيش اللبناني نحو 200 دبابة و150 مدفع ميدان من عيار 120 و130 ملم ونحو 40 منصة صواريخ من طراز «كاتيوشا».

بدورها، قدمت ألولايات المتحدة نحو 3000 آلية مستعملة وبأسعار رمزية شملت سيارات جيب من طراز «ويليس» و«هامفي» وشاحنات ريو وناقلات جند M113 إضافة الى 24 مروحية مخصصة لنقل الجنود من طراز UH1. وفي العام 2010 وصلت للجيش طائرة استطلاع من طراز «سسنا كارافان» هبة من الولايات المتحدة وهي مزودة برشاشات وأجهزة رصد.

وقدمت الإمارات العربية المتحدة هبة للجيش عبارة عن 5 طائرات مروحية من طراز «غازيل» الفرنسي لكن منزوعة المنصات الصاروخية. ويملك الجيش طائرتين حربيتين من طراز «هوكر هنتر» كانتا جزءا من عدة طائرات توقفت عن العمل سنة 1995 لكن اعيد تشغيلهما مؤخرا وشاركتا في العرض العسكري الأخير لمناسبة عيد الاستقلال.

ويلفت فرحات الانتباه الى ان بعض التجهيزات قديمة العهد، وتمت «تنفيتها» في جيوش العالم، لكن قيادة الجيش حريصة على حسن صيانتها لضمان استعمالها لأطول فترة ممكنة «من اجل توفير المال على الخزينة»، مؤكدا أن «المستوى الفني والإداري للجيش في تعهد العتاد عال جدا». وان القيادة تعتمد ترشيد الانفاق في جميع الاوجه»، مضيفا انه صحيح أن «كلفة وجود وتسليح جيش كبيرة لكن كلفة عدم وجود جيش اكبر بكثير». 

ويشير فرحات الى ان القيادة العسكرية لديها خطط تسليح للجيش وهي جاهزة لكنها بانتظار القرار السياسي. ويوضح انه في حال اندلاع حرب مع إسرائيل وحصول محاولة تقدم إسرائيلي بري، فان الجيش سيتصدى ضمن خطة دفاعية وبحسب مجريات الحرب.

ويلفت الباحث في «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» في بيروت نديم حاصباني، الى وجود خطّة رفعتها قيادة الجيش في مرحلةٍ سابقةٍ وتتضمَّن بناء البنيّة التحتيّة (من ثكنات وتجهيزات للمطارات) وتأمين دبابات قتال ومقاتلات نفاثة جوّ أرض (لتوفير الدعم الجوّي في وجه ميليشيات على غرار ميليشيا مخيّم نهر البارد) وصواريخ مضادة للطائرات وصواريخ مضادة للدبابات ومروحيّات النقل والقتال (لأفواج المغاوير) وتجهيزات الهبوط البحري ومستلزمات أخرى. خطة كهذه من المتوقع أن تكلف فوق الملياري دولار.

ويحمل الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس حنا مسؤولية الوضع المأسوي الذي يعاني منه الجيش، للسلطة السياسية، مؤكدا ان «الرؤية السياسية الصحيحة المبنية على معطيات ودراسات ووعي جيوسياسي سليم تتطلب بعدا عسكريا قادرا على ترجمة هذه الرؤية السياسية التنفيذية الى رؤية عملانية تكتيكية على الأرض وهذا الأمر نفتقده في لبنان». 

ويضيف «بناء على فكرة سياسة الدولة ومفهومها للأمن القومي وتحديد الأعداء والمخاطر وفي مقدمتها إسرائيل والإرهاب، فإن الجيش ومعه كل مؤسسات الدولة الأمنية ليست جاهزة لا عدة ولا عتادا وعديدا وتنظيما للتعامل مع هذه المخاطر». ويعطي مثالا على ذلك حربي تموز 2006 ونهر البارد. 

ويشدد حنا على انه «إذا قررت الدولة خلق عقيدة عسكرية جديدة (تدريب + تجهيز + تنظيم) فهذا الأمر يتطلب من 5 الى 10 سنوات لتكون هناك جهوزية عملانية».

ويلفت الانتباه الى أن «مواجهة إسرائيل تقليديا يعطيها اليد الطولى والتفوق في جميع المجالات، لان جيشها يعتبر جيش ما بعد الحداثة، وهذا يعود الى الفارق في كلفة إعداد الجندي اللبناني التي هي اقل بكثرة من الإسرائيلي على كافة المستويات، فضلا عن ان خبرة الإسرائيلي كبيرة جدا وهي مستمرة منذ العام 1948.

ويوضح حنا ان «الجيش يفتقد نظام قيادة وسيطرة ودعم لوجستي وهذا مرده الى نقص التمويل الذي تعانيه المؤسسة العسكرية وعدم وجود قرار سياسي بدعمه، وهو ما قد ينعكس سلبا على نتائج أي حرب محدود قد يضطر الجيش الى خوضها دفاعا عن لبنان. فأي معركة مع الجيش الإسرائيلي تستوجب وجود عملية قيادة وسيــطرة وتأمين لوجستي للخطوط الخلفية بصورة مستمرة. فخطوط الاتصال القديمة التابعة للجيش قد تقطع بعد بدء العمليات بدقيقتين حتى قبلها في حال كانت إسرائيل هي البادئة، نظرا لافتــقاده الى منظومة اتصالات حــديثة تتلاءم مع الجيوش الحديثة، ويؤدي ذلك الى شل عملية التواصل من قبل القيادة مع الوحدات المنتشرة في الميدان وبالتالي ضرب الخطوط الخلفية ومراكز القيادات ليصبح خلال مدة قصيرة خارج ارض المعركة بحيث تصبح القيــادة عاجزة عن ادارة العمليات العسكــرية بدءا بالمستوى الاستراتيجي وصولا الى المستوى التكتي مرورا بالمستوى العملاني. في حين يستمر الجيش الإسرائيلي طويلا في التحكم بعملية القيادة والسيطرة. 

ويسأل حنا «ما الحاجة الى الدبابات وناقلات الجند من دون دفاع جوي فعال يمنحها غطاء وحماية في أي معركة مقبلة»؟ داعيا الى «خلق طريقة قتال جديدة تتناسب والرؤية السياسية بشكل أن تكون القيادة العسكرية قادرة على إيجاد أفضل عقيدة عسكرية والمقصود بالعقيدة العسكرية هي أفضل طريقة لقتال العدو والانتصار عليه.

وفي حالة لبنان يجب ان تتم الموازاة بين الرؤيتين السياسية والعسكرية وقدرة لبنان على تأمين الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الرؤى. من هنا قد لا يكون تسليح الجيش بأحدث الاعتدة حاجة ضرورية اليوم إذ ان تجربة «حزب الله مع إسرائيل ناجحة لأنه قام بما يلي: 

1 ـ خلق عقيدة عسكرية مناسبة أثبتت نجاعتها.

2 ـ امّن آلية قيادة وسيطرة استمرت طوال فترة حرب تموز 2006 .

3 ـ استعمل سلاحا ليس حديثا بالمعنى الزمني (صواريخ «كاتيوشا» تعود فترة صنعها الى الحرب العالمية الثانية)

Script executed in 0.18801712989807