أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

وليد جنبلاط... زعامتي أولاً ومن بعدها الطوفان

الإثنين 10 تشرين الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,732 زائر

وليد جنبلاط... زعامتي أولاً ومن بعدها الطوفان

وليد جنبلاط هو وليد جنبلاط. الشخص نفسه منذ 30 عاماً ونيف. أولوياته ثلاث: الحفاظ على الحياة. حياة الفرد وجماعته. الحفاظ على الزعامة. المقصود زعامة طائفته. والحفاظ على المال والخدمات. انطلاقاً من هذه الأولويات، يصبح متاحا البحث عن الأحوال والتحولات الجنبلاطية. 

يستغرب عارفو وليد بيك كيف يستطيع أن يلم بكثير من التفاصيل السياسية في لبنان والمنطقة والعالم، وفي الوقت نفسه، لا تغفل عينه للحظة واحدة عن سلسلة الأمان الخدماتية التي بناها لنفسه، فهو حكماً صاحب الفضل الأول في توظيف هذا الدركي أو الحارس البلدي القابع في إحدى القرى النائية. وهو كذلك الآمر الناهي في توزيع المناصب الدرزية مهما علا شأنها، من مشيخة العقل إلى النيابة مروراً بالوزارة ووظائف الفئة الأولى. 

منذ العام 2003، عام الاحتلال الأميركي للعراق، استشعر وليد جنبلاط المتغيرات في المنطقة. ما قبل الاحتلال شيء وما بعده شيء آخر. الأميركيون صاروا على حدودنا. على حدود الشام ولم يعد الأميركي جنديا قابعا في ثكنة أميركية في بلاده أو في احــدى قواعده في المنطقة. البعض يقول ان جنبلاط قرأ أن مشروع تقسيم المنطقة صار أمراً واقعاً لا بد من التعامل معه وربما البناء عليه. 

الانتقال في العام 2004 إلى الضفة الأخرى وتثبيت الموقع في 2005 كانا امرا سهلاً نسبياً بالنسبة لزعيم المختارة الذي وجد حينها في العداء لسوريا ما كان تائهاً عنه طوال حياته السياسية. ما كان يقوله رفيق الحريري بالمواربة قاله وليد جنبلاط مباشرة، مثله مثل رفاقه السابقين في قرنة شهوان ممن شكلوا رأس حربة مسيحية في المواجهة مع السوري. 

بعد حرب تموز 2006، تحرر النظام السوري من الضغوط الدولية والعربية التي أعقبت زلزال الرابع عشر من شباط 2005. انقلب السحر على الساحر. وما كان سهلاً التعبير عنه صار يحتاج إلى ميزان الجوهرجي، إلى أن دقت الساعة الجنبلاطية، في أيار 2008، واكتملت استدارته في العام 2009. عندها فقط تنفس الصعداء وارتاح. أسر إلى بعض المقربين أن السنوات من 2004 إلى 2009 «خلصتلي نصف عمري». 

في أيار 2007 أيقن جنبلاط أن الحماية الغربية والعربية لم تكن إلا وهماً، بعدما «وصل الموس إلى الرقبة». كل الحنكة التي يتمتع بها جنبلاط لم تقده إلى احتمال يشبه 7 أيار. خلال ساعات، انهارت الدويلة التي بناها على مر السنين، وأخصامه في الداخل والخارج صاروا على بعد مئات الأمتار من حديقتي منزله في كليمنصو وقصره في المختارة. وانطلاقاً من الاولويات الثلاث نفسها، لم تكن الحسبة معقدة: أخسر التمويل السعودي وأربح الزعامة وسلامتي ومعهما سلامة الطائفة. أي أخسر عاملاً وأربح اثنين. سار في عملية التحول بهدوء، متسلحاً بشعار ثابت يردده دائماً: لا خط استراتيجياً أتبعه، بل خيارات تكتيكية ترتبط بالظروف المحيطة والمصالح والاستحقاقات. 

يقول سعد الحريري لأصدقائه ان وليد جنبلاط حصل منه ومن السعوديين على 370 مليون دولار. لا ينكر جنبلاط ذلك، تماماً كما لا ينكر أن لكل أذان موعده. وبرغم أن المال ضروري وأساسي في حياة وليد جنبلاط السياسية، إلا أنه نادراً ما كان العامل الفاصل في تحديد خياراته. الأولوية تبقى للسياسة بمعناها الجنبلاطي، أي الزعامة التي لا بد من الحفاظ عليها بأي ثمن. 

انطلاقاً من هذه المعادلة، يمكن لمن يجتهد أن يقرأ مواقف جنبلاط بطريقتين. الأولى، تجزم أنه لا يضبط ساعته إلا على التوقيت السوري، فيما الثانية تؤكد أن الاستحقاقات هي التي تفرض نفسها عليه. وأول هذه الاستحقاقات وأهمها قانون الانتخاب الذي لا يرتاح الزعيم الدرزي لمساره الحالي، تماماً كما لا يرتاح للحضور العوني في الشوف وعاليه وبعبدا. وما زاد الأمر تعقيداً بالنسبة للمختارة أن الخصم المسيحي صار اثنين بعد مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي الأخيرة. 

التعبير عن القلق لا يتم إلا برمي الصواريخ باتجاهات متعددة، على أن يكون الرد بالالتفات إلى ما يريده البيك، الذي يفتح معارك وهمية ويدخل في صراعات لا تهمه، لمجرد الابتزاز السياسي، وهو الذي يعرف قواعده عن ظهر قلب. مشروع الكهرباء قد يكون إحدى هذه المعارك، على الرغم من أن الاشتراكيين يؤكدون أن نموذج الكهرباء أثبت أن جنبلاط لا يبني مواقفه إلا اعتماداً على معطيات موضوعية، وفي الحالة الكهربائية «كنا أمام قضية بحت تقنية، لا سيما بعدما أقرت كل الملاحظات الجنبلاطية بالإجماع». فيما موقف ثالث يجزم أن الاعتراض لم يبن إلا لأسباب مادية.

كل ذلك هل يعني أن جنبلاط وضب حقيبته للعودة إلى صفوف «ثورة الأرز»؟

بالنسبة الى تيار «المستقبل» الإجابة هي بنعم، لكن بصوت منخفض، فهؤلاء على قناعة تامة بأن جنبلاط قطع العلاقة مع الشام، انطلاقاً من مواقفه المتكررة، فيما علاقته بـ«حزب الله» تهتز على الرغم من أن الشعرة التي تجمع بينهما لم تقطع حتى اليوم. 

في الحديقة الجنبلاطية، كل ما يقال عن «التغيير» لا يؤخذ به. فمواقف البيك من الأزمة السورية «لم تخرج عن سياق ما رسمه بشار الأسد بنفسه في خطابيه أمام الحكومة السورية الجديدة وفي جامعة دمشق». أما في ما يتعلق بالحكومة اللبنانية، فرد جنبلاط صار معروفاً: لست مستعداً للخضوع يومياً لعملية فحص دم في السياسة، ولست مضطراً لإعطاء أحد أي توقيع مجاني. والموقف يتخذ بالنظر إلى كل ملف على حدة». يذكر الاشتراكيون مراراً أن الموقف كان واضحاً منذ البداية: لم نخرج من «14 آذار» لندخل إلى «8 آذار»، مع التوضيح أن ذلك قاد رئيس الحزب إلى الاستقلالية وليس إلى الوسطية التي تعني أحيانا اللاموقف وهذه ليست عادة وليد جنبلاط..

من يأمل من تيار «المستقبل» بأن يحول جنبلاط انعطافته الجديدة من المواقف إلى الأفعال، سرعان ما يقنع نفسه بأن الوقت ربما لا يكون مناسباً للخروج من حكومة نجيب ميقاتي حالياً. فيما يؤكد عارفو جنبلاط أن الأمر غير مطروح أصلاً، لا سيما أن البيك يعيش أفضل أيامه ويأخذ الحصة التي يريدها من دون نقاش، وهو الموعود بحصة دسمة من التعيينات الادارية وكذلك الأمنية، خاصة في هذه الظروف التاريخية التي جعلت من وزرائه الأكثر دلالاً بين نظرائهم، من دون أن يؤدي ذلك إلى القطع مع المعارضة، أو رعاتها الإقليميين وخاصة المملكة العربية السعودية. 

في أكثر من مناسبة، يحاول وليد جنبلاط أن يثبت أنه صوت المعارضة داخل حكومة اللون الواحد. أعلن تأييده لتمويل المحكمة، مبرراً ذلك لمن يستفسر من الحلفاء، بأنه الموقف الذي يحمي المقاومة. فالإحجام عن التمويل لا يوقف المحكمة بل يعرض لبنان للعقوبات ويفتح مواجهة مجانية مع المجتمع الدولي. فتكون عندها الخسارة مزدوجة: تعرضنا للعقوبات ولم نوقف المحكمة. 

مع التسليم بنظرية المؤامرة التي لا يؤمن بها الزعيم الاشتراكي، ومع افتراض أن المجتمع الدولي يتربص شراً بلبنان ويتحضر للانقضاض عليه مع كل مناسبة، يسأل جنبلاط: لماذا نعطيه هذه الفرصة؟

أحد الخبثاء عندما علم أن جنبلاط كان الى مائدة العشاء عند إحدى الشخصيات المعارضة التي كان يتبادل معها الشتائم خلال السنتين الماضيتين، علق بالقول: لم يستطع جنبلاط بلوغ المرحلة التي تسمح له بشتم سوريا ما دام لم يتأكد بعد من أن النظام السوري سيهزم، فيستعيض عن ذلك بالاستماع إلى من يشتمها، لكن ليس في مجلسه الشخصي. 

من يراهن على أن جنبلاط سيبقى على مواقفه في حال هزم النظام السوري فهو مجنون. ومن يراهن على أنه سينتقل إلى الضفة الأخرى إذا بقي النظام السوري فهو مجنون أيضاً. وبانتظار الحسم أياً تكن نتيجته، فقد ضمن جنبلاط مكاناً له في المرحلة المقبلة، وهو حتى ذلك الوقت يُقل في الكلام ويكثر في توزيع الرسائل. اذا اجتاز السوري الامتحان الصعب، وهو ليس مؤمنا كثيرا بذلك، فلن يكون مضطرا لدفع فاتورة عالية على النصائح المرفوضة التي كررها على مسامع السوريين وعبر وسائل الاعلام. واذا سقط النظام في الامتحان، يقول وليد جنبلاط «اللهم اشهد أنني بلغت. لقد قدمت النصائح تلو النصائح وقابلوها بالسلبية.. وهذه هي نتيجة المكابرة». 

هل يعني ذلك أن وليد جنبلاط على عتبة تموضع سياسي جديد؟

لا تبدو الأكثرية واثقة جدا بجنبلاط، فيما تبدو المعارضة أكثر تفهما لمواقفه من أي وقت مضى. خطوط جنبلاط الدولية مفتوحة وكذلك العربية وثمة محاولة حثيثة لعادة فتح ابواب المملكة على مصراعيها. التموضع قريبا من نبيه بري ونجيب ميقاتي وميشال سليمان مفيد جدا في هذه المرحلة. ثمة نقزة جنبلاطية كبيرة من مواقف الراعي وما رافق جولة الأخير في حاصبيا أظهر انشدادا اشتراكيا معلنا تجاه خطاب البطريرك الماروني السابق نصر الله صفير. جنبلاط يخاف على طائفته من داخل الطائفة أولا. من البعبع السني الانتخابي في الاقليم والبقاع الغربي وحتما في العاصمة. من التطرف المسيحي في الجبل. من الصوت الشيعي في بعبدا وحاصبيا. يشعر وليد جنبلاط بأنه محاصر، ولذلك صار القانون الانتخابي أولوية الأولويات الجنبلاطية.

علينا أن نعتاد على الوزراء والنواب الاشتراكيين يذكروننا بأن الشهيد كمال جنبلاط هو أبو النسبية وأول رافعي رايتها لبنانيا. هذا صحيح، لكن ماذا عن النسبية اليوم؟ يكاد وليد جنبلاط اليوم أقرب ما يكون الى مشروع ايلي الفرزلي أو مشروع عبد الله بو حبيب (ONE MAN ONE VOTE). وفي أسوأ الأحوال عدم المس بقانون الستين، لأنه برغم كل علاته، يبقى أكثر ضمانا من غيره. 

ولمن يريد أن يتابع جنبلاط، أن ينتظر موعد الجمعية العمومية الاشتراكية في نهاية هذا الشهر. فهناك يمكن أن يعطي اشارة واضحة حيال القانون الانتخابي وكيفية التكيف مع واقع انتقالي في لبنان وسوريا لا يبدو أنه سيكون سريعا.


Script executed in 0.031826019287109