أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لهذه الأسباب قدم كاسيزي استقالته من رئاسة المحكمة

الثلاثاء 11 تشرين الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,422 زائر

لهذه الأسباب قدم كاسيزي استقالته من رئاسة المحكمة

وما دام نائب الرئيس موجوداً، فلماذا يصار إلى انتخاب أو تعيين آخر مكانه لرئاسة غرفة الاستئناف وبالتالي المحكمة برمّتها؟ فهل في الأمر قطبة مخفية يخشى من إظهارها إلى العلن لئلا تنعكس سلباً على عمل المحكمة ودورها وهي التي لم تبدأ رحلتها القضائية الفعلية بعد على مشارف انتهاء سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيّام على ولادتها في الأوّل من شهر آذار 2009؟

ويتمثل التناقض القائم في قواعد الإجراءات والإثبات لجهة الرئيس البديل في المادة 34 والفقرة «باء» من المادة 35، فالأولى، وهي خاصة بمهام نائب الرئيس، تتحدّث عن أنّه «يمارس نائب الرئيس مهام الرئيس في حال غياب الرئيس أو عجزه عن العمل، كما وأيّ مهام أخرى ينتدبه الرئيس لها»، بينما تنص الثانية على أنّه «إذا لم يعد القاضي الذي يرأس غرفة الاستئناف عضواً في المحكمة أو استقال من منصبه بعد انقضاء ولايته، ينتخب أعضاء غرفة الاستئناف من بينهم خلفاً له للفترة المتبقيّة من الولاية».

وبما أنّ بيان المحكمة المرفق باستقالة كاسيزي أوضح بأنّ سبب هذه الاستقالة هو «أسباب صحّية»، وبتفسير آخر العجز عن القيام بالدور المكلّف به، فإنّ الأولى باستلام دفّة القيادة هو نائب الرئيس، أيّ رياشي، غير أنّ الطعن بشرعية هذا الأخير في أكثر من ملفّ أمام المحكمة من خلال دعوى تقدّم بها اللواء الركن جميل السيّد، وأمام الرأي العام بسبب إطلاعه المسبق على مجريات التحقيق في عهد لجنة التحقيق الدولية وعدم جواز الجمع بين المعرفة المسبقة بالتحقيق وخفاياه وخلفياته والحكم، دفع بالمعنيين في المحكمة وبالمسؤولين عنها إلى الاتكاء على الفقرة باء من المادة 35.

ومن المعروف أنّه إذا طرأت ضرورات صحّية أوجبت على الرئيس عدم الاستمرار في منصبه، أو عدم القدرة على الاستمرار، يصبح طبيعياً أن يحلّ مكانه نائب الرئيس ولا سيّما أنّ منصب نائب الرئيس مستحدث لهذه الغاية أيّ للحلول مكان الرئيس في حال غيابه أو مرضه، فلماذا تحت ذريعة وجود مشكلة صحية لدى كاسيزي جرى انتخاب رئيس ليخلفه ولم يكلف رياشي مكانه؟

وإذا كانت ظروف كاسيزي الصحّية هي المانعة في استمراره في مركز رئيس المحكمة، فإنّ عملاً شاقاً ينتظر هذه المحكمة مع بدء المحاكمات والتي قد تستمرّ سنوات، فبعد انتهاء غرفة البداية من عملها في عقد الجلسات والمحاكمات وإصدار الحكم، تنتقل المسؤولية إلى غرفة الاستئناف، وبالتالي فكيف يكون العبء الصحّي على كاسيزي مانعاً عليه الاستمرار كرئيس، ولا يكون مانعاً وحائلاً لاستمراره كعضو في المحكمة وهي محاكمات طويلة الأمد بالنظر إلى ما عرفته المحاكم الدولية الأخرى في القضايا المعروضة أمامها؟

وقال كاسيزي في «رثاء» تخلّيه عن منصب الرئيس «لقد حاولت لسنتين ونصف (السنة) أن أقود المحكمة بصورةٍ فعّالةٍ وعادلةٍ في ظلّ ظروف صعبة»، ولكنّه لم يكشف في بيانه ماهية هذه الظروف الصعبة، تاركاً عبارته تمرّ بسلام لترسم علامات استفهام أو استنتاجات لدى متلّقيها، ثمّ أنّ عبارة «حاولت» التي استخدمها تعني أنّه «لم يطلع بيدي»، وهو أيضاً لم يوضّح غايته من استخدامها قصداً في بيان استقالته وتعيين خلف له.

ولكنّ لاستقالة كاسيزي وهي الأرفع بين كلّ الاستقالات التي شهدتها المحكمة لموظّفين وقضاة ومحقّقين، حكاية من النوع التي تروى لأهمّيتها، خصوصاً أنّ المحكمة في بيانها الرسمي تجاهلت الأسباب الموجبة وتفاصيلها، كما فعلت مع كلّ الاستقالات السابقة التي طفت على سطح المحكمة بشكل مستغرب في العامين 2009 و2010 واستدعت جملة أسئلة لم تقدّم المحكمة أجوبة مقنعة عنها في كلّ الأماكن التي سئلت عنها سواء في المنتدى الإعلامي الذي نظّمته المحكمة في تشرين الثاني 2010، أو في المقابلات والمقالات الصحافية.

وتفيد المعلومات إنّ خلافات داخلية جسيمة تعصف بالمحكمة منذ شهور عدّة، بدأت منذ ما قبل استقالة رئيس القلم القاضي البريطاني روبن فنسنت في شهر حزيران 2009، وهو الذي تولّى الإشراف على كلّ الإجراءات الضرورية لولادة المحكمة، إذ نشبت خلافات بينه وبين المدعي العام القاضي الكندي دانيال بيلمار، وانتقلت إلى خلافات بين بيلمار وقاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين وصلت إلى حدّ تلويح الأخير بتطبيق نصّ المادة 60 من قواعد الإجراءات والإثبات بحقّ بيلمار في حال استمرّ في عصيان قرارات فرانسين التي تلزمه بتسليم جميل السيّد المستندات المتعلّقة بشهود الزور.

وتنصّ المادة 60 المذكورة وبشكل صريح وواضح على أنّه «إذا تبيّن لقاضي الإجراءات التمهيدية أو للغرفة أنّ تصرّف المدعي العام وموظّفيه أو محامي الدفاع أو الممثل القانوني للمتضرّر المشارك في الإجراءات، مهين أو تعسفي، أو يعرقل حسن سير الإجراءات (...) توجيه تنبيه رسمي إلى المحامي أو الممثّل القانوني أو المدعي العام أو أحد موظّفي مكتب المدعي العام». وهذا يعني إمكانية اتخاذ المحكمة إجراءات وتدابير بحقّ قضاة أو غيرهم تحت عنوان اهانة المحكمة، ولا غبار على أنّ مماطلة بيلمار في تسليم السيّد إفادات شهود الاعتقال التعسفي تقع تحت طائلة إهانة المحكمة ممثّلة بقاضي الإجراءات التمهيدية الذي هو جزء أساسي في تكوينها قبل الشروع في المحاكمات.

ويأخذ طاقم القضاة في المحكمة على بيلمار ذهابه بعيداً في دوره كمدع عام في مراعاة الاعتبارات السياسية إلى درجة أصاب مصداقية المحكمة ونزاهتها في الصميم، ووثّق لشكوك كثيرة لا يمكن تجاهلها عند قراءة مسيرة هذه المحكمة وعمل بيلمار فيها، فصحيح أنّ موقع المدعي العام، أيّ مدعٍّ عام، هو منصب سياسي أكثر ممّا هو موقع قضائي باعتباره يمثّل الدولة، ولكنّ المحكمة الخاصة بلبنان ليست منبثقة عن دولة معيّنة، ليكون بيلمار، بذلك، قد لعب دور المدعي العام بالنيابة عن دول نافذة في مجلس الأمن الذي هو دولة المحكمة، وبرز دور بيلمار أكثر ما ظهر، في معالجة ملفّ شهود الزور وما نتج عنه وصولاً إلى ملابسات القرار الاتهامي توقيتاً ومضموناً.

وقد جعلت كلّ هذه الأسباب، كاسيزي يصارح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون منذ أسابيع عدّة، بنيّته في الاستقالة بالتزامن مع تلميح قضاة آخرين برغبتهم في الاستقالة أيضاً، وذلك احتجاجاً على تصرّفات بيلمار ومن بين هؤلاء القاضي فرانسين، علماً أنّ بيلمار يعيش في قرارة نفسه هاجس التوفيق بين تاريخه القضائي في بلاده الكندية، وبين الدور غير المتزن الذي يُطلب منه تنفيذه في المحكمة الخاصة بلبنان لجهة تأمين الحماية لشهود الزور ورعاتهم المعروفين من استخبارات وشخصيات، ومن غير المؤكّد أنّه سيبقى في منصبه مدّة طويلة متى استطاع الفكاك من الإغراءات الدولية الممنوحة له.

وأكّد كاسيزي على استقالته على مرأى ومسمع من بان كي مون الذي حاول جاهداً إقناعه بالبقاء في منصبه لكون الاستقالة في هذا التوقيت بالذات «تؤدّي إلى سقوط المحكمة» بكلّ ما للكلمة من معنى، بما في ذلك قرار الاتهام بحقّ «حزب الله»، والتمويل المادي الجاري الضغط بشأنه على لبنان للإيفاء بالتزاماته الدولية برغم الشوائب القانونية التي تعتري تكوين هذه المحكمة وتوقيع الاتفاق المرفق بقرار إنشاء المحكمة الصادر عن مجلس الأمن تحت الرقم 1757/ 2007.

وتضيف المعلومات أنّ ضغوط بان كي مون على كاسيزي بعد استشارة دول عدة، أسفرت عن إقناع هذا الأخير بتقديم نصف استقالة بغية منع سقوط المحكمة في هذه المرحلة، على أن يشغل مركز مستشار في المحكمة ثمّ يستقيل فعلياً قبل بدء المحاكمات العملية والمتوقّعة لدى غرفة البداية في شهر حزيران 2012.

ومن المؤكّد أنّ الوقت الفاصل بين إعلان الاستقالة وبدء المحاكمات، كفيل بامتصاص صدمة مفعول الاستقالة والتخفيف من تداعياتها، خصوصاً أنّ الاستقالة هي لرئيس المحكمة وليست لموظّف عادي يمكن استبداله بآخر، وقد ترك كاسيزي بصمات جلّية في التشريعات الخاصة بقواعد الإجراءات والإثبات والمفاهيم المراد الاستناد إليها لمصطلح الإرهاب تحديداً.

وعند طرح استقالة كاسيزي، طرأت إشكالية من نوع آخر، فقواعد الإجراءات والإثبات تؤكّد، كما سبق ذكره، بأنّ نائب الرئيس يتولّى حكماً الرئاسة في حال استقالة الرئيس لأسباب صحّية، وهذا يعني أنّه يفترض أن يتولّى القاضي اللبناني رالف رياشي الرئاسة من الآن ولغاية انتهاء المحاكمات.

ولكنْ، وبما أنّ الأمم المتحدة تعلم أنّ رياشي مطعون في شرعية تعيينه من قبل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة البتراء، عدا عن وجود مراسلات بحقّه تطلب تنحيته قدّمها جميل السيّد بسبب تورّطه في جريمة الاعتقال السياسي للضبّاط الأربعة خلال ترؤسه الغرفة السادسة لمحكمة التمييز الجزائية اللبنانية، وإصداره «القرار ـ الفضيحة» بإقالة المحقّق العدلي القاضي إلياس عيد لمنعه من الإفراج عن اللواء السيّد والعميد ريمون عازار.

كما أنّ رياشي يعرف بأنّ القوانين اللبنانية المعمول بكثير منها ضمن قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة الخاصة بلبنان تمنع على قاضي الحكم أن يكون مطلعاً على مراحل التحقيق وما حصل فيها، وهو الذي كان يحضر الاجتماعات بين لجنة التحقيق الدولية والقضاء اللبناني بصفته منسّقاً بين اللجنة ووزارة العدل، والتنسيق يعني حكماً معرفة خفايا التحقيق وخباياه والإطلاع على كلّ المستندات والوثائق المتبادلة.

لذلك كانت توجيهات بان كي مون وخلافاً لمنطق الأمور، بألاّ يتولّى رياشي رئاسة المحكمة ولو موقّتاً، وبأن يصار إلى تعيين رئيس جديد من بين قضاة المحكمة المعيّنين أصلاً.

وحاولت المحكمة في بيانها الرسمي، تغطية عدم حلول رياشي مكان كاسيزي، بالقول إنّ رياشي ومن ثمّ كاسيزي اقترحا ترشيح باراغوانث، أيّ أنّ رياشي فضّل حلول باراغوانث مكانه وزكّى ترشيحه، فهل دور القاضيين الآخرين في غرفة الاستئناف وهما اللبناني عفيف شمس الدين والسويدي إريك بيونبرغ هامشي ورفع الإصبع بالموافقة فقط، علماً أنّهما لا يقلاّن معرفة قانونية عن الثلاثة الباقين؟ش

Script executed in 0.034162998199463