أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مؤتمـر «القضـاء العربـي فـي ظـلال الثـورة»: مسـؤولية القضـاة تأميـن الانتقـال إلـى بـر الأمـان

الإثنين 17 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,157 زائر

مؤتمـر «القضـاء العربـي فـي ظـلال الثـورة»: مسـؤولية القضـاة تأميـن الانتقـال إلـى بـر الأمـان

عن العلاقة الوثيقة التي تربط الأنظمة بالقضاء، نظمت جمعية «المفكرة القانونية» مؤتمرا في بيروت في نهاية الأسبوع هدفه إلقاء أضواء علمية جديدة على علاقة القضاة المعقدة مع الأنظمة الاستبدادية على اختلافها، وفي الفترات الانتقالية التي تتبعها. 

وعرض مؤتمر «القضاء العربي في ظلال الثورة»، وهو الأول ضمن سلسلة، إشكاليات وأسئلة مختلفة، أبرزها «أي تدخلات يوجهها قضاة يتمسكون باستقلاليتهم، وأي مقاومات؟ وأي مساحة للتضامن في ما بينهم؟». 

ويؤكّد المدير التنفيذي لجمعية «المفكرة القانونية» المحامي نزار صاغية، أن النقاش تركز على الثورتين التونسية والمصرية، وعلى واقع القضاء في لبنان، حيث للقضاة هامش معين من حرية التحرك. 

ويشرح أن «ما كان يعد مستحيلا في السابق، بات اليوم ممكنا، بما يحتّم تعديل الأسئلة، لأن دروب الاصلاح انفتحت على مصراعيها في ظل تنامي القوى الاجتماعية وتفاعلها، وتراجع قوى الهيمنة والهيبة: فاليوم لا يتعين على القضاة أن يتحركوا وحسب، بل صار بإمكان هذا الحراك أن يتلاقى مع حراك أوسع تقوده قوى اجتماعية متعددة، من شأنها إرساء دعائم متينة للمستقبل». 

ويوضح صاغية أن «انتشار الثورات لتشمل دولا عربية عدة، شكل حافزا قويا لإعطاء الحراك القضائي أبعادا عربية أيضا: فهل يعقل أن تنتقل عدوى الثورة المطالبة بالعدالة بين هذه الدول، وتبقى الورشات الهادفة الى تحقيق مطلب العدالة محصورة في حدود كل منها؟». 

ولا يفوت صاغية أن يذكر أنه «قيل الكثير في الثورات، وربما لا نتفق على تقييم ايجابياتها أو سلبياتها، لكن المؤكد هو أنها تشكل نافذة تنفتح أمامنا للبحث في المستقبل، مثلا بشأن الوظيفة القضائية في جمهورية ما بعد الثورة في تونس أو الاصلاحات القانونية والمؤسساتية المطلوبة في مصر. كما أنها تسمح بالنظر إلى الوراء، تذكر الماضي والتوقف عنده، لا من باب المساءلة والمحاسبة، بل من باب الفهم وتحليل ما كان يحدث فعلا وتفصيلا في يوميات العمل القضائي عندما كان القاضي أمام حاكم لا يرى في القضاء سوى وسيلة أخرى لتمتين هيمنته على المجتمع وكل ذلك منعا لتكراره». 

وقد ناقش المؤتمر الذي شارك فيه ثلاثون قاضيا من دول عربية مختلفة، عناوين عدة حول الصراع اليومي الذي كان القضاة يخوضونه يوميا في الأنظمة الاستبدادية بين الشرعية والمشروعية، وشمل مراجعة ذاتية للقضاء في ظل الثورة، والأدوات التي توسلتها السلطة للضغط على القضاة وللسيطرة على نتائج المحاكمات، بالإضافة إلى تفاعل القضاة مع وسائل ضغط السلطات عليهم. 

وخلص المؤتمر إلى توصيتين أساسيتين أولاهما تشكيل نواة غير رسمية لنخبة من القضاة العرب للعمل معا نحو تعزيز استقلالية القضاء، وثانيتهما ضرورة إعادة النظر في التقاليد القضائية المتعلقة بتواصل القضاء مع المجتمع، وضرورة تمتين هذا التواصل، بعيدا عن «المحظورات» القانونية و/أو التقليدية التي تمنع القاضي من التواصل مع المجتمع المدني والإعلام. 

ولفتت القاضية التونسية ليلى بحرية لـ«السفير» إلى أن «الحالة التونسية شهدت غياب مساحة حرية للقضاة، وعدم استقلالية عملهم، والخلل الأساسي ناجم عن قانون القضاة الذي كرس هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء والقضاة، خاصة من خلال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء الذي يترأسه رئيس الجمهورية وينوبه وزير العدل، مما أدى إلى تحكم السلطة التنفيذية في المسيرة المهنية للقضاة، بما في ذلك نقلهم وترقيتهم وإسناد الوظائف اليهم وهو ما حصل في العام 2005 بعدما أبعد قضاة ونقلوا آلاف الكيلومترات عن مراكزهم السابقة». 

وتعتبر بحرية أن «الهيمنة تكرست من خلال قضاة إما متورطين في فساد مالي أو طامعين في ترقية أو وظيفة قضائية أو خائفين من نقلة تعسفية». 

وتشدد بحرية على أن «الثورة التونسية بعثت بصيص أمل لبناء قضاء مستقل ومحايد ونزيه، لا سيما أن الألسن تحررت سواء في أوساط القضاة أو المجتمع المدني عامة. وعملية إعادة البناء يجب أن تتم بتأن ودقة، للوصول إلى عدالة انتقالية، لا عدالة انتقامية، والأمل معقود على المجلس التأسيسي لتكريس المبادئ الأساسية والضمانات اللازمة لاستقلال القضاء وإرسائه كسلطة دستورية وفق المعايير الدولية». 

ويشير القاضي محمود مكي (أحد أبرز قادة تحرك نادي قضاة مصر في 2005) لـ«السفير» إلى شراكة حقيقية بين القضاة والمجتمع المدني، «بل إننا نزعم أن تحرك أعضاء نادي القضاة في مصر احتجاجا على تزوير انتخابات 2005، كان المحرك الرئيسي لثورة 25 يناير 2011، من تكريس الوقفات الاحتجاجية إلى دورهم في مخاطبة الجماهير والتواصل معهم ورفع درجات الوعي». 

ويذكر مكي أنه «منذ ذلك الحين، ونحن نطالب باستقلالية القضاء، ونحن اليوم في ظل محاكمات رموز النظام البائد وعلى أبواب انتخابات نيابية ورئاسية، بأمس الحاجة إلى قضاء مستقل، يحفظ ما أنجزته الثورة، ويصل بها إلى بر الأمان». 

ويوضح مكي أن «الآلية لتطهير القضاء لا تكون إلا بتعديل قانون السلطة القضائية، وتغيير النصوص القانونية، لذلك وضع مشروع قانون جديد ونحن في انتظار صدوره ليعطي صلاحيات لمجلس القضاء الأعلى لفصل قضاة فاسدين، لئلا يحاكم قضاء فاسد الرموز الفاسدة!».

أما في ما يتعلق بواقع القضاء في لبنان، مقارنة مع عمليات «تطهير» القضاء الحاصلة في كل من مصر وتونس، فهو يبدو بعيدا كل البعد عن أي ورش اصلاح. ويلفت أحد القضاة المشاركين في المؤتمر لـ«السفير» أن «أكثر ما يعاني منه القضاء في لبنان هو هيمنة مجلس القضاء الأعلى باعتباره السلطة الوحيدة الوصية على القضاة، مما يحجب أي استقلالية ممكنة لعمل القضاء. لذلك، فهناك حاجة أساسية لتشكيل هيئة أو نقابة للقضاة للدفاع عن حقوقهم». 

بدورها، توضح القاضية غادة عون أن «تجربتنا مع مجلس القضاء الأعلى تتمثل بكيفية استخدامه كورقة في يد السلطة، وتعتبر آلية التعيين هي العائق الأساسي».

Script executed in 0.039544105529785