أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا عودة قريبة للحريري.. والسنيورة يتوغل في «المستقبل»

الثلاثاء 18 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,137 زائر

لا عودة قريبة للحريري.. والسنيورة يتوغل في «المستقبل»

الأسبوع الماضي، تمكن موظّفو صحيفة «المستقبل» من تحصيل راتب شهر واحد من مستحقاتهم المتراكمة. هي الحال نفسها مع موظفي «أوجيه لبنان»، فيما بدا القيمون على ادارة المحطتين الأرضية والفضائية في «المستقبل» متفائلين بقرب انتهاء الأزمة المالية وإعادة ضخ الدم في مشروع الدمج بين المحطتين الحمراء والزرقاء، ولكن بأولوية البعد السياسي ـ الاخباري على البعد الترويجي. 

هل هي مجرد خطوة تستهدف تنفيس الاحتقان في «الإعلام الأزرق» وباقي المؤسسات الحريرية، أم إنها جزء من قرار سعودي بفك الحظر السياسي والمالي، ربطا باستحقاقات إقليمية ولبنانية كبرى، خاصة في ضوء الاتهام الأميركي لإيران بالتخطيط لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير واستمرار الحملة الدولية ـ العربية على النظام السوري.

لا شيء يدلّ على أن عودة سعد الحريري من «غربته الطوعية» حجزت لها مقعداً على جدول الإياب.. و لا شيء يدلّ على أن الأزمة المالية ستعرف نهاية قريبة تعيد مياه التمويل بقوة إلى «الحنفيات». ما تسرب يشي بأن ما هو معروض للبيع، أو هو قيد البيع، من حصة آل الحريري في «أوجيه تيليكوم» (تركيا وجنوب أفريقيا)، قد يؤدي الى تذليل النسبة الأكبر من الديون الحريرية في انتظار أن تتخذ المملكة قرارا سياسيا بفتح مزراب الخدمات والمال.

لا يستسيغ «الحريريون» صفة البخل في الكلام عن «سيّدهم». بنظر هؤلاء لا يقل «الشيخ سعد» كرماً عن والده، وقد يتخطاه في كثير من المرّات. يحسبها هؤلاء على الورقة والقلم: إن التمدد البشري والجغرافي لـ«الحريريين» بشكل عام ولـ«المستقبليين» بشكل خاص، رفع من فاتورة الإنفاق الحزبي أو السياسي، إذا جاز التعبير. مراكز الخدمات الاجتماعية تضاعفت عددياً، وزادت من أعباء الإدارة المركزية... علماً بأن «الحريريين» يؤكدون أن المساعدات المالية التي كانت قوى الرابع عشر من آذار تحصّلها من السعودية، علّقت منذ ما قبل الاستحقاق النيابي الأخير (2009) الأكثر كلفة منذ العام 1992.

ولكن الواقع «التقشفي» الذي ضرب «تيار المسنقبل» في الشهور الأخيرة، لا يصيب أصحابه بالإحباط. لهؤلاء نظرة متفائلة من نصف الكوب: قد يكون من المفيد أن نتقدم من جمهورنا بمخزون سياسي، يعوّض عن «أكياس المال والخدمات»، يتيح ابتكار آليات تواصل جديدة تهيئ الأرضية «لإنشاء حزب سياسي مبني على الفكرة... وليس على الليرة».

لا ينكر هؤلاء أن من يعمل يجب أن ينال مقابل عمله وجهده راتبا وهذا حق بديهي من حقوق أي موظف وعامل، كذلك الأمر هناك حالات استثنائية، لا يمكن مقاربتها الا بواقعية. ثمة مواقع حرمان لا يجوز التعاطي معها بالكلمة والتنظير، ولا بدّ من معالجات اجتماعية ـ انسانية، تستدرج العودة إلى لغة المال أو المشاريع الحيوية. 

في الوقت المستقطع خلال «مباراة التغيير» في المنطقة، وبين جولة وأخرى، يحاول «تيار المستقبل» أن يملأ فراغ غياب «زعيمه» عن أرض الوطن، من خلال تمتين أواصر التواصل مع القاعدة «الكوكتيلية» التي تميّز «الجمهور الأزرق». جمهور من كل الأطياف والألوان، الطبقة المثقفة في المدن، الفقيرة والمهمشة في الأرياف، العشائرية في الشمال والبقاع... وكلها تلتقي في ظلال «شهادة» رفيق الحريري، ومن بعده وريثه السياسي.

في تقديرهم، أن الشحّ المالي، يثقل حركة «التيار» ولكنه لا يشلّها. العملية التنظيمية لم تتأثر بهذا العامل، وإن صارت آليات التواصل محدودة بأطر معينة، من دون غيرها. ولكن لهذا القحط إيجابيته أيضاً: لم يعد الإنفاق حكراً على الإدارة المركزية، وصار بمقدور القطاعات الحزبية ابتكار وسائل جديدة لتأمين مصروفها. وبالفعل، فقد شهد شهر رمضان إفطارات من تنظيم قطاعات حزبية هي التي تولت دفع كلفتها على طريقة التمويل الذاتي للمنسقيات. تجربة فريدة يأمل قياديو «التيار» تعميمها ليكون هذا الاختبار فرصة للانتقال من «التيار الريعي» إلى الحزب المؤسساتي، ولو كان الهدف حلماً يصعب تحقيقه.

في هذه الأثناء، ثمة محاولة لضخ الهيئات القيادية بجرعات مقوية تعوّض غياب الرأس. إذ عقد منذ نحو عشرة أيام، وللمرّة الأولى منذ اختتام المؤتمر العام (مرّ أكثر من سنة على عقده)، اجتماع للمجلس المركزي المشترك الذي يضم وفق النظام الداخلي، نواب «المستقبل»، وزراءه السابقين، المكتب السياسي والأمانة العامة. ترأسه، بتكليف من الحريري، وللمرة الأولى، فؤاد السنيورة الذي بدأ يأخذ مساحة في التنظيم وليس على مستوى الكتلة النيابية وحسب. 

هدف الاجتماع هو تنشيط الهيئات العليا المشلولة بفعل غياب الحريري، ومحاولة بسيطة لتوحيد «الخطابات الزرقاء» التي يبدو أنها صارت متعددة، بسبب القراءات المتباينة لناحية المسائل المحلية أو الإقليمية. كما جرى إطلاع النواب على أوضاع «القاعدة المستقبلية» ومدى تماسكها، لا سيما أن هؤلاء باتوا مسكونين بهاجس الانتخابات النيابية وغموض قانونها.

وتتواصل الورشة التنظيمية، على مستوى القيادات الوسطية، بانتظار أن تشمل القاعدة، حيث جرى تنظيم 14 منسقية (على مستوى محافظة) من أصل 17 منسقية. يعترف هؤلاء أن التعيينات الحزبية لا تتبع معياراً واحداً. في كثير من المواقع طغى العامل المحلي، ونادراً ما كان لعامل التجربة وقعه. هي باختصار مرحلة الاستيعاب والضمّ، من كل حدب وصوب، على أن تكون لاحقاً مرحلة الغربلة، وذلك خلال المؤتمر التنظيمي الذي يفترض أن يتوّجه النمط الانتخابي على كل المستويات.

وفي استعراض سريع لأوضاع المنسقيات، يقول أحد «المستقبليين» إن وضع العاصمة أفضل من غيره، كونها تستضيف مركز القرار، وتساعد على التخفيف من حدّة «السلبطة» التي تعاني منها الأطراف. هناك الكلمة لأصحاب الأرض (نموذج طرابلس الفاقع). أما في بيروت، فثمة هيبة وتنظيم، ارث الرئيس الشهيد، قيادات المهن الحرة التي عادة ما تعتبر نموذجية في العمل المؤسساتي... «وكلها عوامل تضفي على العاصمة طابعاً مميزاً في العمل الحزبي، قد لا تلمحه في مناطق أخرى. ولكن، ما دام لكل قاعدة استثناء، فإنه من غير المستغرب أن يثبت بعض منسقيات الأطراف قدرته على البروز بين زملائه، كعكار مثلاً التي أنتجت مجموعة حزبية ركّزت رجليها على الأرض بثقة واضحة».

يعترف هؤلاء بأن التجربة الحزبية الأولى، المتمثلة بسلّة التعيينات المناطقية، قد لا تكون نموذجية. الإخفاقات تطفو على وجه الماء: بعض تلك التشكيلات لم يكن موفقاً وأثبت سريعاً فشله، ولكن ذلك لن يستدعي إجراءات استثنائية، لا بل ستغض القيادة الطرف، لتحاول التعويض عن طريق تفعيل عمل هذه المنسقيات بإشراف مباشر من «رأس الهرم».

وإذا كانت معظم البقع السكانية ذات الطابع السني محكومة بـ«الطاووس الأزرق»، فإن ثمة مواقع تتعرض «للمزاركة» من جانب الخصوم. ولا شك في أن الشمال هو أكثر الأماكن حساسية. هناك يشمّر نجيب ميقاتي عن ساعديه. يحاول ملء الفراغ، أو أقله استثمار «الفقر» الذب يصيب خصومه، مستفيدا من هالة رئاسة الحكومة، وحنفية الخدمات التي صارت بين يديه... أوراق كثيرة صارت بمتناول القطب الطرابلسي، قد تساعده على هز الطاولة في العاصمة الثانية.

في السياسة، يضع «الحريريون» في طرابلس أيديهم في الماء البارد. الرياح تجري وفق ما تشتهيه سفنهنم. «خصومنا يلعبون في ملعب الهواة لا ملعب الزعامة»، برأيهم مزاج أهالي الشمال يتأثر كثيرا بالحراك السوري، وبالتالي فإن خطاب السلطة القائم على اتهام «المستقبل» بدعم وتسليح الاحتجاج الدمشقي، يرفع من معنويات «التيار الأزرق» ولا يحبطه، لأن «الناس تتحمس إلى جانبنا وليس العكس. ما يقوم به خصومنا، يخدمنا ولا يضرّ بنا». بالنتيجة، «من يقف على الجبهة المقابلة يسجل فشلاً ذريعاً في بلورة حالة استقطاب سياسية».

يقر الحريريــون بأن لطرابلس خصــوصيتها، «حاجتــها لخــطة طوارئ إنمائية لا غنى عنها، لا تزال غائبة، وكأن المدينة مربوطة بــ«رسن» الخدمات الفردية التي يمكن تسييلها في صناديق الانتخابات. وما دام الخصوم لم ينافسوا كرم آل الحريري، بل سمتهم فلا داعي للقلق».

في المناطق المسيحة يحاول تيار «المستقبل» أن يعزز حضوره الحزبي... والمفتاح الخدمات والسلطة، إلا أن عيون الأصدقاء في 14 آذار ضيّقة ولا تتسع لأكثر من شريك. من الكورة إلى البترون وجبيل وحتى كسروان، يجاهر «المستقبليون» بقدرتهم على رفع العلم الأزرق، ولكن حلفاءهم، أول الممانعين لهذا الاقتحام.


Script executed in 0.031424999237061