لكن ما لم يشر إليه الاختصاصيون هو الهدر الحاصل لمقدرات هذه الثروة المائية وعدم اكتراث الدولة، والعمل لاستثمار ذلك المخزون المائي الكبير، وهو في ما كشفته معلومات لـ «السفير»، عن تعديات تحصل بـ «الجملة والمفرق» على العديد من مصادر المياه الرئيسية في المنطقة، وتطال أنهرا وينابيع، يتم استغلال مياهها من قبل أشخاص عملوا على مدى السنوات الماضية، وما زالوا يجنون أرباحا غير مشروعة على حساب الدولة اللبنانية. ونظرا لحساسية الموضوع لدى قسم كبير من الأهالي، واستحالة التطرق إليه بشكل مباشر، وعلني من قبل جهات محلية أو إدارات رسمية في المنطقة، فإن ما توافر من معلومات كفيل بإعطاء صورة واضحة عما هو حاصل ويحصل في محيط عدد من الأنهر والينابيع الكثيرة التي تزخر بها الضنية.
ولا بد من الإشارة إلى الضجة، التي أثارها في صفوف فعاليات المنطقة والأهالي القرار الأخير، الذي صدر عن وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، القاضي بالبدء بتنفيذ المرسوم المتعلق برفع بدلات اشتراكات المياه في الضنية وبشري، إلى 220 ألف ليرة لبنانية، بعد انتهاء مفعول الاستثناء الذي أعطي لهم في العام 2006، مع رفع الوزارة لقيمة الاشتراك على كافة المشتركين في الأراضي اللبنانية. ولاعتبارات اختلط فيها العامل السياسي بالاجتماعي، جرى في العام 2007 استصدار استثناء من الوزارة يعطي أهالي الضنية وبشري، مهلة زمنية حددت بأربع سنوات يدفع خلالها الأهالي في كل عام 25 في المئة زيادة على المبلغ الأساسي للوصول تدريجيا إلى المبلغ المقرر بعد أربع سنوات. ومع انتهاء المهلة، صدر قرار من الوزارة بتطبيق رفع قيمة الاشتراك إلى 220 الف ليرة، وهو ما أثار ردود فعل الأهالي واستدعى حصول لقاءات واجتماعات وبيانات، صدرت عن قوى سياسية وعن «اتحاد بلديات الضنية»، الذي تصدر قائمة المطالبين للدولة بإعفاء الأهالي من الزيادة، في مفارقة رأى فيها البعض موقف «الاتحاد» مبنيا على حسابات انتخابية ومحاولة لإرضاء بعض البلديات المنضوية تحت لوائه، خصوصاً أن «الاتحاد» لم يضمن أيا من بياناته تلك، أي فقرة تتعلق بالتعديات الكثيرة الحاصلة في القرى، والبلدات التي تتبع له إداريا.
أما عن التعديات، فقد أكدت معلومات لـ «السفير» أن «مصلحة المياه في الضنية قامت قبل فترة بتطبيق القرارات المتعلقة بإزالة المخالفات والتعديات على شبكة المياه الرئيسية، وتلك الموجودة على الأنهر والينابيع، وتحديداً على نبع سير ونبع القسام، لكن جغرافية المنطقة واتساع رقعة التعديات وتعدد أسبابها ووسائلها حال دون إتمام مهامها، فضلا عن عودة المعتدين لإعادة المخالفات إلى مكانها ضاربين بعرض الحائط كل التحذيرات، وهو ما استدعى رفع تقرير من الفريق المختص للجهات المعنية والطلب بوجود مؤازرة أمنية لمواكبته خلال قيامه بمهامه على الأرض». وأوضحت المعلومات أن «التعديات الموجودة يعود بعضها لعشرات السنين، وهي على شكل قساطل مياه جرى وضعها في الأنهر والينابيع وتمريرها تحت الأرض لمسافات طويلة، فضلاً عن قساطل وضع عليها موتورات لضخ المياه إلى الأراضي والمنازل القريبة والمطاعم». وتضيف المعلومات أن «من بين المعتدين من عمل على إنشاء شركات لبيع المياه المعدنية، من خلال جرّ مياه نبع القسام إلى أحد المخازن المعدة لتعبئة الغالونات وبيعها بطريقة غير شرعية».
وكشفت المعلومات أن «هؤلاء الأشخاص يشكلون في مناطقهم قوى أمر واقع، ويحظون بغطاء وفّر لهم في فترات زمنية معينة الاستفادة من المياه من خلال مدّ شبكات لتأمين مياه الشفة والريّ لقرى وبلدات لم تكن شبكة المياه التابعة للدولة قد وصلت إليها، واستيفاء رسوم مالية منها، كما أن تلك التعديات لا تقتصر على الأهالي القاطنين بالقرب من تلك الأنهر أو الينابيع، بل إن بعض قساطل المياه موضوعة لتصل إلى مسافة تتجاوز مئات الأمتار تحت الارض، وهي لاستخدامات عديدة، منها لتوزيع المياه إلى القرى التي تشهد في فصل الصيف شحّاً، ومنها للبيع إلى شركات رسمية لبيع المياه».