أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحرب في أن تكون ... أو لا تكون

الثلاثاء 18 تشرين الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,786 زائر

الحرب في أن تكون ... أو لا تكون


لا أخبار التظاهرات تكفي، ولا حصيلة الموت اليومي، ولا تقارير تهريب السلاح، ومحاولات «أسلمة» الحراك الشعبي، تكفي، ولا طبعاً تناقضات كلام الشيخ يوسف القرضاوي عندما يتحدث عن انتهاء حكم العائلات و«الجمهوريات»، كما في سوريا، وهو يلقي خطبة الجمعة في ضيافة عائلة آل ثاني الحاكمة في قطر، ويجدد الترويج لضلوع آلاف المقاتلين من «حزب الله» في قمع تظاهرات السوريين !!
تحتاج الازمة السورية الى مشهد «زووم آوت»، بأبعاد اقليمية، اكثر من أي وقت مضى بعد مرور اكثر من ستة شهور على انفجارها المفاجئ.
لم يعد وضوح الصورة السورية ممكنا من دون ان تتضمن مثلا مأرب اليمنية حيث اغتال الأميركيون انور العولقي. كما لا تتكامل من دون وزيرستان الباكستانية حيث قتلوا ايضا جميل حقاني، المعروف باسم جنباز زدران، القيادي البارز في «شبكة حقاني» التي وجهت ضربات موجعة للأميركيين في أفغانستان.
الحرب مستمرة بشكل او بآخر.لها فصولها في فلسطين، وفي الصومال والسودان، وتعبر حتماً في شوارع القاهرة وما يجري فيها. ولها ما لها من ارتباط عضوي بأسابيع الانسحاب العسكري الاميركي من العراق، وبالتحولات التركية، وبالاتهامات «المكسيكية» التي وجهتها واشنطن لايران.
لكن التساؤل الاساسي في اذهان الكثيرين مرتبط بما اذا كانت «حرب» بمعناها الواسع، ستندلع، على خلفية المشهد السوري، اقلها في اطار كسر قواعد المحاور والتحالفات القائمة في المنطقة، والتي سيكون لسقوط سوريا اثره المدوي فيها.
«السفير» حاولت رصد المواقف مما يجري في المنطقة وسوريا تحديدا، من خلال لقاءات واتصالات مع مسؤولين حكوميين وحزبيين ومحللين في كل من طهران وبروكسل واسطنبول وواشنطن.
وقد صار هذا المشهد الاقليمي ضروريا اكثر من أي وقت مضى لان الازمة السورية، شهدت انعطافتين بارزتين في الايام الاخيرة، مع اعلان تشكيل «المجلس الوطني السوري» المعارض، الذي يكاد يتشابه مع «المجلس الوطني الانتقالي» الليبي، والانعقاد السريع لمجلس الجامعة العربية، بطلب عاجل من مجلس التعاون الخليجي، بعد ايام على الفيتو المزدوج لروسيا والصين الذي اطاح، ولو مؤقتا، فكرة التحرك الخارجي لإسقاط النظام في دمشق، على غرار ما جرى في طرابلس في آب الماضي... وللتذكير ايضا على غرار ما جرى في العراق قبل ثمانية اعوام!
لكن المعادلات الإقليمية المرتبطة بسوريا لها حساباتها المختلفة.. يدرك الاميركيون ذلك، ويدرك ذلك ايضا الاتراك الذين كان لافتاً تراجع حدة خطابهم في الآونة الاخيرة، اقله حتى الآن، بعدما قال رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان كلمته الشهيرة: مفتاح الازمة السورية موجود في ايران !
تقول مصادر مطلعة لـ«السفير» ان هناك رسائل وصلت، خرجت تحديدا من طهران الى من يعنيه الامر. في أنقرة، والدوحة ووصلت الى واشنطن وغيرها: فوضى شاملة تمتد من افغانستان وتصل الى غزة مرورا بالخليج.
والآن، يقول لـ«السفير» الباحث الاميركي ديفيد شينكر، احد مروجي سياسة التشدد مع خصوم الولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة، «يبدو ان ادارة اوباما تسعى الى تجنب المواجهة العسكرية مع ايران... لكن من غير الواضح ما يريده الايرانيون!».
في المقابل، فإن الرسالة الرسمية الصادرة من طهران تقول باختصار: نحن مع استقرار سوريا ومع الاصلاحات. وبمعنى آخر، فإن طهران، كما يقول مسؤولون ايرانيون، يؤيدون قيام نظام الرئيس بشار الأسد بالاصلاحات التي هي في الاساس حماية لسوريا نفسها....وللنظام الحاكم ايضا.
الكاتب والمحلل السياسي الايراني حسن هاشميان، المقرب من دوائر صنع القرار في طهران، يقول ردا على سؤال عما اذا كان يتصور اندلاع سيناريو صراع اقليمي، ان «ايران ستذهب الى ابعد ما يمكن تصوره... وحتى الان لا يوجد موقف عربي ولا دولي موحد ضد سوريا... لكن اذا حصل تدخل خارجي (سواء كان عربيا او اميركيا او اطلسيا) ضد دمشق، فان ايران ستدافع عن النظام السوري، وستذهب الى الحرب».
يقول هاشميان هذا الكلام بشكل حازم. وهو لا يرى في ذلك تعارضا مع الموقف الإيراني الذي يلخصه بالقول «لايران ثوابتها.. سوريا عمود رئيسي في هذه الثوابت، ولا تريد تغيير هذا العمود، ولكنها تقول ايضا انه يجب ان يحصل اصلاح داخلي، وانما بطبيعة الحال من دون تغيير النظام في سوريا».
ومن جهته، يؤكد مدير المركز العربي للدراسات الايرانية في طهران محمد صالح صدقيان، على اهمية سوريا بالنسبة الى ايران التي «وقفت الى جانبها بكل ما تمتلك من ثقل سياسي».
لكن صدقيان يشير الى ان ذلك «لم يمنعها من تذكير النظام السوري بسرعة القيام باصلاحات».
مرد هذا الالحاح الايراني حول الاصلاحات مرتبط بفكرة ان الايرانيين «يعتقدون ان الدوافع التي تنطلق منها بعض الجهات الدولية والاقليمية، ليست من اجل الشعب السوري، وانما لانها تستهدف النظام... ولهذا، فان المطالبة الايرانية باصلاحات هدفها سحب البساط من تحت اقدام اصحاب هذه الدعوات الخارجية».
يلفت صدقيان الى رؤية ايرانية مغايرة حول المعارضة السورية، ويقول ان «تشرذم المعارضة يفترض ان يسهل على الحكومة السورية مهمتها».
نستوضحه حول الفكرة فيقول «تذكر ما جرى في العراق... الاميركيون كان سهلا عليهم تجميع المعارضة لتغطية هجمتهم على العراق وتمرير قانون تحرير العراق». وتابع انه «اذا فكر الاميركي بلملمة المعارضة السورية التي ترفض الحكومة التحاور معها نهائياً، فإن هذه المعارضة ستصبح اكثر انخراطا بالمشروع الاميركي بالكامل».
ولهذا، فإن بإمكان الحكومة السورية، يقول صدقيان، اغتنام الفرصة الايجابية التي يتيحها وجود معارضة داخلية مستعدة للحوار حول الدستور والانتخابات والاحزاب، ما سيخلق اجواء من الثقة بفوائد الحوار مع الحكم.
لكن اجتماع مجلس الجامعة العربية في القاهرة، والمهلة التي حددها لدمشق للحوار مع «اطراف المعارضة بجميع اطيافها»، بما يشمل المعارضة الخارجية ايضا، يدفع المسألة نحو مرحلة جديدة من التأزيم، باعتبار ان معارضي الخارج، يرفضون بالمبدأ الحوار مع دمشق، ما لم يتناول تغيير النظام ذاته.
واذا اضيف الى ذلك «التهمة المكسيكية» لدفع النظام الايراني نحو الزاوية، فإن طهران ستكون لها حساباتها هي الاخرى.
يقول صدقيان: «الايرانيون اوصلوا رسالة واضحة الى الاتراك مفادها ان محاولة تغيير النظام في دمشق ليست في مصلحتهم، واذا كانت تركيا تريد زعامة في المنطقة، فان اسقاط النظام في دمشق لن يخدم هذا الهدف»، مشيرا الى ان أي حرب اقليمية ستخلق «وضعا مربكا» في المنطقة.
وبخلاف ما تروجه اوساط المحافظين الجدد في الولايات المتحدة لاغتنام الازمة السورية بهدف توجيه ضربة قاصمة لما يسمى «محور الممانعة» في المنطقة، وفك التحالف السوري- الايراني الى الابد، يقول المراسل الاقليمي لصحيفة «الفايننشال تايمز» بورزو داراقهي لـ«السفير»، انه يستبعد فكرة تحول الاتهامات الاميركية الجديدة لايران الى «مواجهة عسكرية».
وأوضح داراقهي انه خلال عهد ادارة الرئيس السابق جورج بوش، عندما كان هؤلاء الذين يؤيدون الحرب موجودين في البيت الابيض، فانه حتى الاتهامات بأن ايران تدرب وتسلح المتمردين العراقيين، لم تشعل شرارة حرب».
وتابع المراسل الخبير بشؤون الشرق الاوسط، قائلا ان «ادارة اوباما اقل حماسة للذهاب الى الحرب، وأبعدت العديد ممن يظهرون رغبة للحرب مع ايران من الدائرة الضيقة لصناعة القرار».
وقال داراقهي ان الخلاصة هي ان القوات المسلحة الاميركية منتشرة اكثر من اللازم ومفلسة والولايات المتحدة تعاني من مأزق مالي خطير.
لكن للباحث الاميركي باتريك كلاوسون، المتخصص بالشؤون الايرانية في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى» الاميركي، رأيا مغايرا. ويقول كلاوسون مستغربا ردا على اسئلة من «السفير»، ان الناس كلما تحدثوا عن مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، «يفترضون ان المواجهة ستبدأ بهجوم اميركي، وفي الواقع، فإن المرجح ان مواجهة قد تندلع لأن ايران تخطت خطاً احمر اميركياً».
وقارن كلاوسون هذا الاحتمال بما جرى من تخطي للخطوط الحمراء كالذي جرى عام 2006 عندما اندلعت المواجهة بين اسرائيل و«حزب الله».
وقال الباحث الاميركي لـ«السفير» ان اعتقال المتهم بالتورط في مخطط لاغتيال السفير السعودي في واشنطن، مؤخرا، يظهر «اننا لا يمكننا الاعتماد على ايران لتكون منضبطة وحذرة»، معتبرا انه «اما ان القيادة العليا تقوم بمقامرة غبية ومتهورة، او ان هذه القيادة لا تتمتع بالسيطرة الملائمة على عناصر تقوم بمثل هذه المقامرة».
لكن داراقهي من جهته، يقول ان ادارة اوباما تستخدم هذه الاتهامات الآن بالطريقة ذاتها التي استخدمت قضية التخصيب السري في المفاعل النووي في قم، كوسيلة «لتشديد الضغوط الدولية على ايران، وتعزيز الموقف الاميركي، في اي شكل من اشكال المفاوضات المستقبلية.... هذه استراتيجية (وزير الدفاع الاميركي السابق روبرت) غيتس».
ورجح المحلل الاميركي ان تعمد ادارة اوباما الى محاولة اظهار نفسها كمتشددة حول ايران، لانها من المرجح ستتعرض لهجمات من الجمهوريين قبل الانتخابات في العام 2012، على الرغم من ان قضايا السياسة الخارجية لن تكون العامل الحاسم في صناديق الاقتراع.
(غداً تقرير لاستطلاع الموقف
في العاصمة الأوروبية بروكسل
ورؤية حلف «الناتو» لاحتمالات الحرب السورية) 

Script executed in 0.033570051193237