أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إفادات الطلاب في الهواء الطلق

الخميس 20 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,802 زائر

إفادات الطلاب في الهواء الطلق

ينادي الرجل بأعلى صوته من خلف البوابة على العائلات. يجمع الناس من حوله على الدرج وعلى من يسمع اسم عائلته أن يرفع يده ليأخذ ورقته. في الخارج ينادي رجل آخر على العائلات أيضاً. هذا الأخير أرفع منصباً. حمل معه مكتبه من فوق واستقرّ على الرصيف تحت خيمة المبنى. هذا مقرّ الرجلين الشتوي.. إذ إنّ الطقس الغائم جزئياً جعلهما يتحسّبان لإمكانية تساقط الأمطار والاحتماء، أمّا في الأيام المشمسة فهما يتّخذان من الرصيف تحت السنديانة مقراً لهما. هذان موظّفا دولة يؤديان عملهما. موظفو «مكتب الوحدة التربوية الصغرى» في منطقة الغبيري مقابل مجمّع شمس الدين، قرروا منذ نحو الشهرين تقسيم عملهم إلى جزئين. جزء يقفل المكتب الكائن في الطبقة الأولى من المبنى الذي يضمّ «مركز رشد للتنمية البشريّة والإداريّة» في وجه الناس الذين يريدون تسليم الإفادات لتوقيعها لأولادهم أو تسلمها، بينما الجزء الثاني يداوم تحت السنديانة ويوزّع الإفادات على طابور الناس الذي ينتظر.

لمَ استحداث المكتب الرصيفي الجديد؟ يجيب الموظّف بكل ثقة «هذه خدمة نقدّمها للناس صراحة وهذا كرم أخلاق منّا. المكتب صغير جداً ليستوعب من يأتون لتصديق الإفادات المدرسيّة أو تسلمها، فقررنا أن ننزل ونقوم بالمعاملات في الشارع»! بالنسبة إلى محمد الذي أتى ليصدّق إفادتي ولديه، الموضوع «بهدلة لكن في الوقت ذاته ما باليد حيلة، نحن محكومون بإنجاز المعاملة». وإن سألت الموظّف عن إمكانية أن تضيع إحدى الإفادات في مكتبه في الهواء الطلق، يجيب مسرعاً وهو يطلب من أحد المنتظرين أن يضع يده على الإفادات كي لا تطير مع الريح، بأنّ الأمر مستحيل ومن يتعدّ عليهم بهذا الاتهام كاذب. فتظنّ أنّ مهدي الطالب المسكين استثناء. إذ هو قدّم إفادته لتصديقها الأسبوع الماضي تحت السنديانة، ثم عاد بعد يومين ليتسّلمها من على الدرج. لكن الإفادة لم تظهر في الجولة الأولى بين الأوراق. فطُلب منه أن ينتظر. انتظر نصف ساعة ثم أتاه الخبر اليقين: الإفادة غير موجودة. ضاعت إذاً. تجد في طابور المنتظرين أيضأً من وثّق «أجمل لحظات الانتظار» بتصويرها هاتفياً. هنا امرأة تبكي وهي تحاول دخول المكتب «المحصّن» في الطابق الأول، ويظهر شريط آخر رجلاً يصرخ في الشارع لأنهم أضاعوا إفادة ابنه.
عندما نطلب الصعود إلى المكتب «الصغير»، يرفض الموظّف الأمر نهائياً. هو «مقفل بداعي العمل»! ما يقصده هو أنّ الأعمال الكثيرة تحتّم إغلاق المكتب واستقبال الطلبات في الشارع! لكن المكتب نفسه له قصة ثانية، إذ لم يعد يحق لمكتب وزارة التربية التواجد فيه، لأنّ هادي حمزة مالك «مركز رشد» ومستأجر الطوابق الخمسة الأخرى من المبنى، استأجر الطبقة الأولى من المبنى أيضاً في 21/10/2010 ليسري عقد الإيجار مطلع العام 2011. لكن حتى اليوم لم تخلِ الوزارة الطابق لتسلّمه لمستأجره رغم أنّه دفع إيجار السنة سلفاً.
بعد محاولات كثيرة لإيجاد حلّ، نفد صبر حمزة وأمهل صاحب المبنى عن طريق محاميه، مهلة 48 ساعة، تنتهي اليوم، لتترك الوزارة المكتب وإلّا سيعمد إلى رفع دعوى بحقّ صاحب المبنى ليعوّض عليه خسائره المالية والمعنويّة، بما أنّ حمزة يقول إنّه يتعامل مع صاحب المبنى ولا علاقة له ببلديّة الغبيري، التي كانت تدفع إيجار الطابق، أو وزارة التربية. حتى إنّه يضيف أنّ مكتب الوزارة خلال سنواته الثلاث في المبنى لم يدفع فواتير الماء والكهرباء أو الناطور، فعمد حمزة إلى تسديدها عنهم!
صاحب المبنى يرفض التعليق على الموضوع، مؤكداً أنّه يعمل على إيجاد حلّ. فيما يؤكّد رئيس بلدية الغبيري محمد سعيد الخنسا كلام حمزة. ويقول إن البلدية دفعت إيجار المكتب في السنوات الماضية «لكننا أبلغنا وزارة التربية مطلع السنة أنّ صاحب المبنى لم يجدّد لنا الإيجار» كاشفاً أن البلدية «حاولت إيجاد البديل، واقترحت الانتقال إلى المدرسة الرسميّة في منطقة المريجة، إذ إن جزءاً كبيراً منها فارغ، وقد أبلغتنا الوزارة موافقتها على الموضوع شفهياً، من دون موافقة خطيّة بعد. وكان من المفترض أن إخلاء المكتب في الغبيري مطلع الأسبوع الماضي، لكنهم ما زالوا فيه خلافاً للقوانين».
الحديث مع مستشار وزير التربية غسان شكرون لا ينبئ بأنّ صاحب المبنى سيتمكّن من حلّ المشكلة ضمن المهلة المحدّدة، إذ إنّ الوزارة لم تجد بعد المبنى البديل وهي غير مقتنعة بحلّ المدرسة الذي اقترحه الخنسا، بما أنّهم لا يريدون نقل المكتب إلى المريجة المتوغّلة في الضاحية، بل يفضّلون الانتقال إلى مركز آخر يقع على طريق صيدا القديمة. إلى حين حلّ مسألة المبنى وصدور قرار الانتقال، يبرّر شكرون كلّ ما يحصل في المكتب الكائن في الغبيري «بالفوضى التي نعمل على إصلاحها، والتي تسبّب في جزء منها قرار وزير التربية السابق حسن منيمنة. فهذه المراكز التربوية الصغيرة والمناطقيّة، نبتت لتسهيل الأمور على الناس. لكن قرار منيمنة بإلغاء توقيع الإفادات في الدوائر الصغرى، ووجوب إرسال الإفادات إلى بعبدا لتوقيعها هناك، ثم تعود إلى المركز ليتسلّمها الناس، جعل قضية توقيع الإفادة تتطلّب نحو 10 أيام، ما خلق ضغطاً لدى الناس وتأخير حصولهم على معاملاتهم». أما الوزارة الحالية فتعمل على حلّ الأزمة في وقت قريب، بحسب شكرون، عبر إيجاد المركز البديل بالتعاون مع بلدية الغبيري، كما عبر تعيين موظّفين في الدوائر الصغرى، يمتلكون صلاحيّة توقيع الإفادات.

Script executed in 0.19237589836121