أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

القـذافي قتيـلاً ... وليبيا تعـود إلى الحيـاة

الجمعة 21 تشرين الأول , 2011 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,584 زائر

القـذافي قتيـلاً ... وليبيا تعـود إلى الحيـاة
سقط الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي، وسقط كثير من الرؤساء الذين جاءوا بعده في العالم شرقاً وغرباً. تبدلت صورة الوطن العربي بأقطاره ودوله جميعاً، انتهت الثورة الفلسطينية إلى سلطة أسيرة في معتقل أوسلو تحت الحراسة الإسرائيلية. سقط العراق تحت الاحتلال الأميركي وأُعدم صدام حسين فصار الطاغية شهيداً. توحدت أوروبا تحت رايات الحلف الأطلسي التي تبدلت مهامه، بعد زوال «العدو» فصار «قوة تحرير». تبدل رؤساء دول العالم جميعاً، مراراً وتكراراً. رحل ملوك وقادة واختفت دول وقامت دول جديدة. نشبت حروب عدة في أنحاء مختلفة، أخطرها إسرائيلية: مرة ضد لبنان الذي كان بالكاد قد حرّر أرضه بدماء شهدائه المجاهدين إضافة إلى بيوت أهله وأطفالهم في الجنوب وبيروت والبقاع وأنحاء أخرى، ومرة أخرى ضد شعب فلسطين في غزة فضلاً عن الحرب المفتوحة على الفلسطينيين في الداخل وداخل الداخل. تفجرت ثورات في أنحاء الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، بدءاً من تونس امتداداً إلى مصر، وبرغم اقتراب نار الثورة من حصنه في باب العزيزية فلقد ظل القذافي مطمئناً يفترض أن «ثورة الفاتح» التي قادها قبل اثنتين وأربعين سنة تعصمه من خطر السقوط في الشارع.
انتهى معمر القذافي صريعاً في سرت التي كانت قرية تحيط بها مضارب قبيلته (القذاذفة) فجعلها مدينة حديثة وأنيقة تليق بأن تكون مقبرته. اعتمدها عاصمة بديلة من طرابلس التي لم يكن يحب أهلها، ولاغية لبنغازي التي يكره أهلها وتباهيهم بأنسابهم وبدورهم في ثورة عمر المختار لتحرير بلادهم من الاستعمار الإيطالي. صارت سرت محطة إجبارية لقادة العالم، شرقاً وغرباً. فيها تعقد القمم، عربية وأفريقية، وإليها يحج الآتون إلى نفطه والمستقدمون للقائه من قادة الدول الكبرى، كما من القارة السمراء فضلاً عن البلاد العربية.
ولقد انشغل «الثوار» من الليبيين، الذين وُلدوا جميعاً في العهد الذي تبدى بلا نهاية، بتصوير جثة «الأخ القائد» الذي ابتدع لهم تاريخاً فريداً في بابه ونظرية في الحكم والشريعة ومناهج خاصة للدراسة، بالتقاط صورة الوجه المضرّج بالدماء للضابط الصغير الرتبة الذي أسقط الحكم الملكي للأسرة السنوسية بانقلاب عسكري شاركته في تنفيذه مجموعة من رفاق الدراسة في الكلية الحربية الذين سرعان ما تخلص من معظمهم، مستبقياً الأعظم ولاءً ممّن اطمأن إلى أنهم لا يمكن أن يفكروا بالخروج عليه... وقد رافقه، حتى اللحظة الأخيرة، رفيقه ذو السحنة السمراء والقلب المن ذهب أبو بكر يونس.
حكم معمر القذافي ليبيا لاثنتين وأربعين سنة. كان وحده فوق والناس في البعيد البعيد تحت. عنده السلطة جميعاً، الثروة والسلاح والقوة، وللشعب اللجان، شعبية وثورية، يرفع إلى سدتها بعضهم ثم يقصيهم، ولا صلاحية لأحد في أي شأن. وعندما كبر الأبناء وزع عليهم المهام فحكموا معه وهم غير ذوي صفة رسمية إلا النسب.
وحده جمال عبد الناصر كان القائد والزعيم والرئيس، أما هو فهو الوكيل المحلي مفترضاً أن مهمته تنتهي بأن يأخذ ليبيا إلى مرجعها فيؤدي التحية ويبقى لأداء ما يكلف به من مهمات. فلما غيّب الموت الأصيل افترض أنه البديل، وفوجئ حين لم يقبله الناس بديلاً، فحارب مصر، وحارب السودان، وحارب تشاد، وحارب تونس، وقاطع المغرب، وسخر من حكام السعودية والخليج، واخترع «إسراطين» حلاً للمشكلة الفلسطينية، بعدما تسلى طويلاً بقيادات ثورتها التي أجهضت بالسلطة التي لا سلطة لها، واشتبك مع الجزائر، واصطنع أكثر من انقلاب في موريتانيا. ثم اشترى رؤساء القارة السمراء فنصّبوه ملكاً عليهم.. وكان ذلك انتقامه من فشل «الوحدات» التي كان ما يكاد يفرغ من إقامتها حتى يهدمها.. وقد استهلك من أصنافها الثنائية والثلاثية والرباعية.
كان يملك السلاح الذي لا يقاوم. النفط، وقد أحسن استخدامه، فأجبر برلوسكوني على الاعتراف بمذابح الاستعمار الطلياني لليبيا، واستعرض حرس الشرف وصورة عمر المختار، الذي أعدمه الحاكم العسكري المستعمِر شنقاً، ونصب خيمته أمام قصر الرئاسة، كما نصبها قرب الإليزيه في باريس والعديد من عواصم أوروبا وحارساته الجميلات يجلن من حول الناقات التي رافقته في زياراته الرسمية جميعاً ليتناول حليبها الذي يتمتع بمواصفات غذائية استثنائية.
[ [ [
... وانتهى معمر القذافي (أو أُنهي؟) بطريقة لا تليق «بالقائد، الثائر، المناضل، ابن البادية»، اجتمع عليه العالم كله، تقريباً، وافتقد النصير حتى بين من كان يعتبر نفسه صاحب أفضال عليهم. قُتل في ناحية من المدينة التي بناها. وكانت صورة نهايته بشعة، لكن الشعب الذي تحمّل من بدعه وتحولاته الفجائية وتقلبات مزاجه وتحالفاته وعداواته ما لا يحتمل، تفجر فرحاً وهو يراه قتيلاً. أسقط احترامه للموت وهو يصوّره جثة مضرجة بالدماء، ربما ليستوثق من أن دهر الطغيان قد انتهى.
.. انتهى بعدما قاتل «من دار إلى دار ومن زنقة إلى زنقة» في سرت التي هدمها الحلف الأطلسي ليفتح الطريق إليه فيها للثوار الآتين من كل ناحية، ومن مصراتة أساساً.
الأسئلة الصعبة هي التي تنبت من قلب الخراب المريع الذي أصاب معظم مدن ليبيا، شرقاً وغرباً ووسطاً وجنوباً.
لقد استدعى إسقاطه إقامة تحالف كوني، كانت بدايته «الشرعية» في جامعة الدول العربية، ثم اكتسب الشرعية الدولية في مجلس الأمن، أما أداته التنفيذية فتمثلت في الحلف الأطلسي الذي يتفرغ الآن لحماية «الربيع العربي»، على أن تبقى الأكلاف على عاتق الممالك والإمارات النفطية العربية، التي تولت تمويل الحملة، مقابل أن تكون «الوكيل» في تأمين استمرار النفط إلى الغرب، بحصة لها فيه، قد ينال بعض اللبنانيين المحظوظين نصيباً منها.
من المبكر السؤال عن مرحلة ما بعد القذافي.
الليبيون يعيشون فرحهم بإسقاط الكابوس الذي تحكّم بحياتهم أربعة عقود طويلة، تاركين للهيئات القيادية التي استحدثت باسم الثورة أن تبعد أشباح الحرب الأهلية التي قد تهدد البلاد وهي تخرج من معركة إسقاط القذافي ومدنها أكوام من الخراب، والقرار بشأن غدها موزع بين الخارج الذي مثلته هيلاري كلينتون قبل يومين وهي تغطّ في طرابلس رافعة إشارة النصر بيديها ووجهها متهلل فرحاً، وبين الداخل الذي يخشى أن يكون «دواخل».
[ [ [
دولة غنية بقيادات كثيرة ومرجعيات خارجية متعددة، وفي غياب العرب إلا كمحللين شرعيين للتدخل الأجنبي، وكوعّاظ حول الديموقراطية والانتخابات والحرية التي لم تعرفها شعوبهم ولا يبدو أنها ستعرفها في المدى القريب... لا سيما بعد الانتصار على الجمهوريات الملكية ثم على الجماهيرية الوحيدة في الكون التي استولدها القذافي ثم رحلت مع رحيله، تاركة للورثة أن يتفاهموا على صيغة الحكم الجديدة لبلاد تعود إلى الوجود بعد تغييب طويل حتى نسي شعبها الذي لم يعرف الدولة حقاً، كيف يبني دولته الجديدة فوق أنقاض الجماهيرية التي اندثرت ومعها مبدعها.
[ [ [
التحديات عظيمة أمام الليبيين الذين يتصرفون هذه اللحظة وكأنهم يباشرون حياتهم التي لم يعيشوها منذ دهر. وأخطر التحديات أن قوى عالمية عديدة تدعي أبوة الثورة ورعاية الدولة النفطية الجديدة التي سيكون على أهلها أن يبنوها في قلب الخطر المزدوج المصدر: من الداخل كما من الخارج... لا سيما وأن الخارج هو الأقوى، ثم أنه يخترق الداخل المنهك والذي تجمّعت أو جمّعت قياداته تحت ضغط دولي هائل، وهي ستواجه الامتحان القاسي: كيف تستنقذ بلادها من «الخارج» الذي يدعي الآن أنه «المحرّر»؟!

Script executed in 0.0400710105896