وكانت دورية من «فرع المعلومات» قد أوقفت س.ح.ح. ، قبل عشرة أيام، على طريق عام الغبيري في الضاحية الجنوبية، ثم داهمت منزله الواقع في محلة صفير، بعد أربع ساعات من توقيفه، وصادرت منه أجهزة الكترونية ما يزال العمل جارياً على تفحص محتوياتها بدقة، ثم اقتادته للتحقيق.
وبعدما عرض المحققون الأدلة المتوفرة لإدانته، التي كان مصدرها تقاطع خط خلوي استخدمه س.ح. ح. عام 2004 مع خطّ يستخدمه الإسرائيليون، سرد الموقوف، وفقاً لمحضر التحقيق، قصة عمالته «من الألف إلى الياء».
تشير التحقيقات إلى أن س. تخرّج عام 2001 من إحدى الجامعات اللبناينة، حاملاً إجازة في «هندسة الكهرباء – اختصاص اتصالات». وفور تخرّجه، تقدّم بطلب عمل لدى إحدى شركات التوظيف عبر الإنترنت، ثم التحق بالخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش اللبناني، برتبة ملازم مهندس، وكان مقرّ خدمته في النادي العسكري في المنارة. وقبل التحاقه بخدمة العلم، وفقاً للتحقيق، تلقى الموقوف بريداً الكترونياً من شركة التوظيف، يفيد بأنها وافقت على تشغيله مع إحدى الشركات الأجنبية.
واقتصر عمله، في بادئ الأمر، على إجراء دارسة عامة عن وضع الجامعات في لبنان، لقاء مبلغ مادي قيمته، وفقاً لإفادة الموقوف الذي «نسي» القيمة الفعلية، تتراوح بين خمسمئة وألف دولار، أُرسلت إليه عبر إحدى شركات تحويل الأموال.
ويقول س. في التحقيق، إن طلب الشركة كان «عادياً، وليس أمنياً، بل أشبه بدراسة يستطيع أي شخص تنفيذها، وإرسالها عبر البريد الالكتروني»، وهو الأمر الذي يؤكده المحققون.
وبعد أيام، طلبت الشركة من س. إجراء دراسة عن نظام شبكة الإنترنت في لبنان، وكيفية توزيعها في المناطق، فأرسل لهم الدراسة، ثم تلقى البدل المالي عبر شركة تحويل الأموال ذاتها.
ويجزم الموقوف أن الدراسة «أيضاً، كانت عادية، ولا تحمل أي طابع أمني، ويستطيع أي شخص تنفيذها»، الأمر الذي يؤكده المحققون أيضاً. آنذاك، لم يكن الشاب قد التحق بالخدمة العسكرية بعد، وكان قد أجرى دراسات مشابهة لدراستي الجامعات والإنترنت. ولمّا التحق بالجيش، زفت له «الشركة» خبر العمالة: «أنت تتعامل مع جهاز الموساد الإسرائيلي»، وفقاً لإفادة س. في التحقيق.
توالت المراسلات الالكترونية بين س. وبين مشغليه، بين العامين 2001 و2002، تزامناً مع التحويلات المالية، ثم أرسلوا له برنامجاً يحدد إحداثيات المناطق، مرفقاً بخريطة جوية للضاحية، وأخرى لصيدا.
والبرنامج الالكتروني، وفقاً لإفادة س.، كان متوفراً على الإنترنت و«يستطيع أي شخص تحميله على جهاز الكومبيوتر، فيما الخريطتان الجويتان أرسلتا من الإسرائيليين مباشرة وكانتا سريتين» كما يقول.
ويشير س.، في محضر التحقيق، إلى أن ذاكرته «لا تسعفه، حالياً»، لاستعادة النقاط كافة التي طُلب منه تحديدها، وإنما يتذكر أن الإسرائيليين طلبوا منه تحديد مواقع «بعض الجسور والبنايات في الضاحية، التي ما عدت أتذكر تفاصيلها الآن، بالإضافة إلى مواقع عامة ومعروفة للجميع، كمكان السرايا الحكومية، وبعض مراكز الجيش العلنية في مناطق عدة».
وتشير رواية س. إلى أنه توظف، بعد انتهائه من الخدمة العسكرية، في إحدى الشركات المعنية بتركيب شبكات داخلية في المصارف والمؤسسات، التي من شأنها (الشبكات)، أن تربط فروع المؤسسات ببعضها.
واستمرت علاقة س. بمشغليه من خلال المراسلات الالكترونية، مرتكزة على معلومات عن الشركة وزبائنها وتفاصيل عملها، إلى أن تطوّرت العلاقة عام 2004: طلب منه الإسرائيليون ابتياع خط خلوي، للتواصل معهم حصرياً.
يقول س.، في محضر التحقيق، إن الهدف من الخط الخلوي كان التنسيق مع مشغليه لإتمام سفره إلى أوكرانيا، بغية الالتقاء بهم وجهاً لوجه. ولمّا أبلغه الإسرائيليون بخبر اللقاء، سافر إلى أوكرانيا «من دون التنسيق معهم»، ثم اتصل بهم، فور وصوله، من الخط الخلوي.
تفاجأ مشغلوه بوصوله، فاعتذروا منه عن استحالة اللقاء، وطلبوا منه العودة بعد ثلاثة أشهر.
وفي أواخر عام 2005، وبعدما انقضت المدة التي حددوها له مرجئين اللقاء مرة ثانية، كان س. قد حاز على وظيفة «مرموقة، براتب يفوق الألف وخمسمئة دولار، في شركة اتصالات مشهورة عالمياً، ولها مركز في منطقة رياض الصلح».
اقتصر نطاق عمله الوظيفي، كما تشير التحقيقات، على العمل الخارجي، وتحديداً في العراق وفي أفغانستان. ويؤكد الموقوف أنه قطع علاقته بالإسرائيليين في شهر شباط من عام 2005، عازياً السبب إلى «تحسّن وضعي المالي، بعد حصولي على الوظيفة الجديدة».
وفيما يجزم س. بأنه لم يعاود التواصل مع مشغليه «إطلاقاً»، فإن المحققين لا يملكون جواباً أكيداً حول فرضية أن يكون الموقوف، في أسفاره الخارجية، قد استمر في التواصل مع الإسرائيليين أم لا، مشيرين إلى أن «جهاز الموساد قد يكون صنف س. بأنه لم يعد مصدراً مهماً لهم في لبنان، لأن نطاق عمله أصبح خارج الأراضي اللبنانية».
وتشير المصادر الأمنية المعنية بالملف، إلى أن «الإسرائيلي لا يمانع بقطع علاقته مع عميل، إلا في حالة واحدة: إن كان العميل قد توّرط في الدم، أي الاغتيالات بشتى أنواعها (مشاركة، إعداد، استطلاع، تنفيذ)، فإن مصيره يكون القتل، فيما يمكن للموساد في حالات أخرى أن يوافق على انسحاب العميل».
إلى ذلك، يدّعي س.، في محضر التحقيق، أن تنظيماً محلياً قد استدعاه عام 2009، مستهلاً التحقيق الشفهي معه بأسئلة عن أسباب أسفاره الكثيرة إلى العراق وأفغانستان، حتى انتهى التحقيق بعد حوالى سبع ساعات شهدت تفاصيل علاقة س.، في مراحلها الأولى فقط، مع «الشركة».
يقول الموقوف، وفقاً لمحضر التحقيق، إنه «أبلغتهم (التنظيم المحلي) أنني اشتبهت بشركة طلبت مني، في بادئ الأمر، إجراء بعض الأبحاث غير الأمنية عام 2001، ثم سألتني عن إجراء موضوع شبه أمني، فقطعت علاقتي بها فور شكوكي تجاه مهامها»، مشيراً إلى أن التنظيم أخلى سبيله بعد التحقيق «فوراً».
ووفقاً للتحقيق الرسمي، كان س. قد صُرف من عمله في الشركة المرموقة، قبل حوالى أسبوع من قيام دورية «فرع المعلومات» بتوقيفه في الغبيري، في إطار «حملة صرف لبعض الموظفين في الشركة» كما يدّعي في التحقيق.
ويشير س. إلى أن مجموع التحويلات المالية، التي أرسلها له الإسرائيليون عبر شركة تحويل الأموال «من دون وجود بريد ميّت»، بلغت قيمتها حوالي عشرين ألف دولار، أرسلت تباعاً، كبدل عن المعلومات التي كان يرسلها عبر الإنترنت، منذ بداية تجنيده التي لم تشهد أي لقاء حيّ مع مشغليه، وفقاً لإفادته.