أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ثورة تونس تثمر أول انتخابات عربية

الإثنين 24 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,096 زائر

ثورة تونس تثمر أول انتخابات عربية

وبعدما أظهرت مستوى ريادياً من المدنية في كونها أول من فتح للعرب أبواب التغيير على مصراعيه، أثبتت تونس أيضاً أنها تجيد صناعة عملية انتخابية عالية المستوى من ناحية المشاركة والتنظيم والانضباط، راقبها حوالى 15000 مراقب دولي ومحلي. التجاوزات التي سجلت جاءت محدودة، ونسبت في معظمها إلى حزب «حركة النهضة» الإسلامية، فيما كان معظم الإشكاليات ناجماً عن اكتظاظ شديد خلال ساعات  

التصويت الـ12 في 27 دائرة انتخابية داخل الأراضي التونسية.

«العرس الانتخابي»

ومنذ مساء أمس الأول، ارتفعت وتيرة الترقب لدى التونسيين، في مزيج من الحماسة والقلق. الإجراءات الأمنية تكثفت، لكنها لم تعق مسار الحياة الطبيعية، فمقاهي العاصمة وصالات الشاي ظلت ممتلئة بالزوار. ومنذ ساعات الصباح الأولى، توجه التونسيون إلى مراكز الاقتراع، ليشكلوا صفوفاً طويلة امتدت كيلومترين في بعض الأماكن. البعض حمل الأعلام التونسية، فيما حملت الغالبية على وجوهها ابتسامات عريضة وسعة صدر ملحوظة في انتظار دام ست ساعات في بعض الأحيان، للتمكن من الاختيار بين 110 قوائم والمشاركة في انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي الـ217.

«السفير» بدأت مواكبة العملية الانتخابية من منطقة حمام الأنف في ضاحية تونس. وهي منطقة تعرف إلى حد ما بطابع محافظ ومستوى اجتماعي متواضع نسبياً. لدى الدخول إلى مركز الاقتراع في مدرسة نهج (شارع) ليبيا، كان مفاجئاً عدد المصطفين، شباناً وشيوخاً ونساءً لممارسة حقوقهم الانتخابية. عناصر الجيش والقوى الأمنية خارج مركز الاقتراع، لحمايته من أية تجاوزات، بعدما كانت وزارة الداخلية بأجهزتها البوليسية، ولعقود طويلة هي الصانع الفعلي لزيف الانتخابات السابقة.

أول خروج عن القواعد التنظيمية للعملية الانتخابية، كان في تشكيل صفين، واحد للنساء وآخر للرجال، وهي ظاهرة حدثت في مراكز اقتراع عديدة في أنحاء تونس، حسبما علمت «السفير»، وتشكل برغم عدم خطورتها سابقة بالنسبة لموروث العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع التونسي. بعض النساء المتمسكات بهذا الموروث رفضن هذه التفرقة، ووقفن في صف واحد مع الرجال.

في مركز الاقتراع هذا، 4 أقلام للتصويت. وأفاد رئيس أحد الأقلام «السفير»، رداً على سؤال حول حدوث أي تجاوزات، بأن «أحد الأشخاص كان يحاول التأثير في الناخبين داخل حرم المركز، ما تطلب استدعاء عناصر الأمن لطرده من المركز». ولدى استيضاح الانتماء السياسي لهذا الشخص كان الجواب قاطعاً «بكل أمانة... النهضة». عدد من الناخبين الحاضرين في المركز منذ ساعات الصباح أكد الحادثة. لكن المراقب المنتدب عن «النهضة» نفى ذلك قطعاً، وأكد عدم حصول أي تجاوز في المركز، أما مندوب الحزب الديموقراطي التقدمي، فلم يفاجأ بنبأ التجاوز «النهضاوي»، وقال «نتوقع ونعرف عنهم أكثر من ذلك بكثير. ننتظر منهم الكوارث».

والواقع أن توجيه إصبع الاتهام نحو «النهضة» في قضية التجاوزات لم يقتصر على بعض مراكز اقتراع فحسب. فرئيس الهيئة المستقلة العليا للانتخابات، كمال الجندوبي، أشار بطريقة غير مباشرة في مؤتمر صحافي في العاصمة، إلى معلومات كانت تلقتها «السفير» مساء أمس الأول، عن توجيه «النهضة» للناخبين، بإدخال جهاز تلفوني نقال إلى الخلوة الانتخابية، ليصور الاقتراع، بما يشكل إثباتاً على تصويت للحزب ويخوله الحصول على النصف الثاني من مبلغ (بعض المعلومات قالت إنه 100 دينار) اشترى به «النهضة» صوت الناخب. الجندوبي لم يذكر «النهضة» بشكل مباشر، فقواعد الانتخاب تمنعه من أن يخص بالذكر أي حزب من دون غيره.

وعلى وقع المعلومات المتداولة في الأوساط التونسية عن قيام «النهضة» بهذه التجاوزات، اعتبر تصريح الجندوبي إشارة إلى الحزب نفسه. كما أكد مراسلو وسائل إعلامية تونسية محلية عديدة، أن معظم التجاوزات التي تمت ملاحظتها بدرت عن «النهضة».

وعند موعد غلق مراكز الاقتراع في الساعة السابعة مساءً، كانت المراكز لا تزال مكتظة بالناخبين. أغلقت الأبواب الخارجية وبقي التصويت مستمراً بمن حضر. عضو الهيئة المستقلة للانتخابات أنور بلحسن، أكد لـ«السفير» أن الاقبال مرتفع جداً وأشار في تقدير مبدئي إلى أن نسبة المشاركة العامة تجاوزت الـ70 في المئة، كما تخطت الـ80 في المئة في بعض الدوائر، ما تعززه مشاهدات عديدة إحداها في منطقة سكرة قرب مدينة المنستير الساحلية، حيث كان صف الناخبين يمتد طول كيلومترين في ساعة متأخرة من بعد الظهر.

وقال مسؤول كبير في اللجنة المستقلة للانتخابات في تونس إن نسبة إقبال الناخبين على المشاركة في الانتخابات التي أجريت اليوم الأحد (أمس) تجاوزت 90 في المئة، موضحاً أنه من بين 4,1 مليون ناخب مسجل أدلى ما يربو على 90 في المئة بأصواتهم.

وأكد بلحسن أن التجاوزات التي حصلت كانت «طفيفة جدا»، ولكنها ستوجه بشكل مركزي من قبل الصحافيين والمراقبين ومنظمات الرصد إلى الهيئة المستقلة التي ستعالجها قضائياً. بعض الإشكاليات كان مرتبطاً بالناخبين غير المسجلين، والذين كان من المفترض بهم أن يتمكنوا من التصويت ببطاقة التعريف، لكن بعضهم وجد مسؤولي المراكز يطلبون منه الانتقال إلى مدينة أخرى للتصويت، وما شابه. ولم يجد بعض المسجلين أسماءهم في بعض المراكز، لكن معظم هذه الحالات تمت معالجتها عبر طريقة الرسائل النصية القصيرة، وتم توجيه الناخبين إلى المراكز المناسبة للتصويت. البطء كان عاملاً طاغياً، نتيجة الاكتظاظ غير المتوقع أيضاً.

كلمة السر: «النهضة»

بلحسن أكد لـ«السفير» أن النتائج المبدئية لن يعلن عنها قبل محيط مساء اليوم، لكن عيون الجميع تترقب بشكل أساسي، النتائج التي ستحصدها «النهضة». زعيم الحزب الإسلامي راشد الغنوشي، سمع أمس، عند توجهه للتصويت الكلمة التي واجه بها الشعب زين العابدين بن علي المخلوع: «degage» (إرحل)، وبعد محاولته القفز فوق صفوف المنتظرين مع عائلته، تم إعادته إلى آخر الصف مع عائلته، وهتف بعض الحاضرين في وجهه «يا عدو الحرية».

بعض الاستطلاعات تشير إلى إمكانية حصول «النهضة» على ما بين 20 و40 في المئة من الأصوات. لكن الاستطلاعات هذه تبقى حديثة الممارسة في تونس، ولا تشكل مصدر توقع يستند إليه بشكل جدي. غير أن اللافت للنظر، توجه الغنوشي قبل أيام إلى الإعلام بالقول إن حزبه سيحصد الفوز الأكبر. وفي تحذير تفرد به من «التزوير» الانتخابي، رأى كثيرون نوعاً من الترهيب، ما استدعى رداً من رئيس الوزراء المؤقت الباجي قائد السبسي الذي أكد على شفافية العملية الانتخابية، وحذر ضمنياً من التهويل على المواطنين.

وأشار السبسي إلى أنه لا يتوقع لـ«النهضة» أكثر من 20 في المئة من الأصوات. أنصار الحزب الإسلامي وأعضاؤه تساءلوا: «وكيف للسبسي أن يعرف؟ هل رأى ذلك في المنام؟»، فرد آخرون: «وهل رأى الغنوشي انتصاره في المنام؟».

وإضافة إلى تعاظم شعبية «النهضة» في الشارع التونسي، وهي لا تخفى على أحد حتى، وإن لم تكن بالمستوى الذي توحي به الحركة، أكد الغنوشي ورفاقه أنهم سيعملون على تشكيل تحالفات من شأنها أن تضمن لهم حضوراً وثقلاً كبيرين في المجلس التأسيسي. أحد هذه التحالفات، ما يزيد من شك المرتابين من العملية الانتخابية: معلومات متطابقة أكدت أن حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال الشيوعي، متحالف مع «النهضة»، وينتقدها بقسوة في الوقت نفسه على منابر الإعلام، بالإضافة إلى حزب «المؤتمر من أجل الديموقراطية» الذي يترأسه منصف المرزوقي ويوزع على مناصريه نظارات ورقية تشبهاً بالنظارات العريضة التي يحملها.

أما القاعدة الشعبية لـ«النهضة» التي ستدعو بحسب برنامجها إلى نظام برلماني، فتبدو غامضة الملامح. مناصرو الحزب الإسلامي الذين التقتهم «السفير»، بدوا غير واضحي الرؤية: «لا نريد تطبيق الشريعة، بل نريد دستوراً لا يخالفها». أما العبارة التي يكررونها بلا هوادة، فهي: «عذبنا وسجنا، وقمعنا من النظام السابق»، حتى أن بعض مرشحي الحركة ذيل اسمه خلال الحملة الانتخابية بنبذة عن مساره الشخصي في سجون بن علي. ولدى السؤال عن شرعية استخدام ورقة «المضطهد» العاطفية كنوع من وسيلة ابتزاز لمشاعر الناخب التونسي، الذي يجد نفسه إلى حد كبير في «صحراء ايديولوجية»، يأتي الجواب هروباً من السؤال، مرة أخرى نحو ماضي اضطهاد الحركة. لكنه من اللافت أيضا، أن عدداً من شبان «النهضة» الذين التقتهم «السفير» غير مقتنعين بقيادة الحزب والغنوشي، ويعولون على «قاعدة النهضة» للسير بالأمور نحو الأمام.

مهما كانت نتيجة انتخابات المجلس التأسيسي، ينبه الخبراء من الخلط بينها وبين انتخابات رئاسية. فالفائز بأكبر عدد من المقاعد ليس بالضرورة من سيحكم البلاد، لأن المسار الذي سينتهجه المجلس يبقى غير واضح إلى حد كبير، إلا أنه من المرجح ان يكون التوجه نحو فترة عام انتقالية، يتم بعدها إجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة. تونس اقترعت بالأمس، وأطلقت بوادر موسم جديد ليس هناك من يسرق فيه صوت المواطن العربي.

وهنأ الرئيس الأميركي باراك أوباما «ملايين التونسيين» بتلك الانتخابات، قائلاً «اليوم، بعد أقل من عام على إلهامه العالم، أنجز الشعب التونسي خطوة مهمة إلى الأمام. أهنئ ملايين التونسيين الذين صوّتوا في أول انتخابات ديموقراطية في البلاد التي غيّرت مجرى التاريخ وأطلقت الربيع العربي».

Script executed in 0.03043007850647