أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

انتخابات تونس: أصوات بكل الألوان... والثورة هي البوصلة

الإثنين 24 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,155 زائر

انتخابات تونس: أصوات بكل الألوان... والثورة هي البوصلة

من مطار قرطاج إلى وسط العاصمة، وتحديدا في جادة الحبيب بورقيبة حيث مقر وزارة الداخلية الذي شهد أحداثا حسمت مسار الثورة في 14 كانون الثاني الماضي، يحدث سائق التاكسي زائر البلاد عن «النهضة»، هي وجهة تصويته. لماذا؟ «لأنهم أكثر من عانى في عهد بن علي» الرئيس المخلوع. التعاطف مع المضطهد سابقا كرمز للخروج من تحت عباءة الدكتاتورية، قناة أساسية لشعبية الحركة الإسلامية. لكن سليم، سائق التاكسي، يرى أيضا أن «ضعف الأحزاب الأخرى وعدم تمكنها من تقديم رؤية للتغيير»، هو أيضا ما يدفعه إلى اختيارها عند صندوق الاقتراع. «يقدمون لنا وعودا فارغة، يقولون أنهم سيخفضون أسعار الخبز، وسيخلقون وظائف للجميع، ويسفرون من يريد الخروج من البلاد. يظنوننا حمقى». اردوغان حاضر أيضا في ذهن سليم: «تركيا أمورها بخير، نستطيع أن نكون كذلك أيضا». 

سليم لا ينسى لبنانية زبونه، في ذكره أحداث سوريا، ويقول «لو واجه بن علي ثورتنا كما يواجهها بشار الأسد في سوريا لكنا صحنا في اليوم التالي: عاش بن علي». هي بالتأكيد مبالغة في تصوير استعداد الثوار التونسيين على التراجع أمام أداة القمع الحاكمة، مبالغة يشهد عليها الشهداء والجرحى، والأبطال الذين صنعوا التغيير التونسي في الشوارع والعقول. لكنها تعبير صادق عن «سلمية في طبع التونسي»، الذي لم يألف الدماء والرصاص كأخيه اللبناني. 

من جادة الحبيب بورقيبة إلى مقر الهيئة المستقلة للانتخابات في حي «لافاييت»، يرافق الزائر اللبناني «متطوع» تونسي يعمل في مجال الإعلانات، طارق. يحدثه عن «تونس الجديدة» التي ستكون «دولة كبرى ومميزة» في المرحلة الكبرى بعد ترسيخ منهج الحكم الجديد وإفساح المجال أمام الطاقات الوطنية. طارق لا ينتمي إلى أي من الأحزاب المتنافسة، لكنه سيصوت لـ«حزب التكتل الديموقراطي» بزعامة مصطفى بن جعفر. 

بن جعفر يتمتع باحترام وتقدير نسبيين في أوساط اليسار التونسي المعتدل، المتمسك بقيم العلمانية وحقوق الإنسان، له ذخيرة نضالات سابقة تخوله التواجد في وعي التونسيين كعنصر معارض بوضوح للحكم السابق، ومواجه للـ«مشروع الإسلامي» الذي تحمله النهضة. 

لا يقلق طارق من التهويل بشعبية النهضة و«انتصاراتها الساحقة التي تخيفنا بها بعض وسائل الإعلام، والحركة نفسها». يؤكد أن المفاجآت لن تغيب عن نتائج انتخابات المجلس التأسيسي، بصرف النظر عن ما تدعيه هذه الأطراف أو تلك، ويتوقع أن تكون تشكيلة المجلس متوازنة في تمثيلها للكتل المختلفة. ما يقلق الثلاثيني ابن العاصمة، هو السلاح الوافد من ليبيا، «والذي وقع في أيدي جهات مختلفة، من عصابات إجرامية وما شابه». لكنه يعود ويشير إلى أن ثقافة حمل السلاح مرفوضة في المجتمع التونسي، ما يحدو بالمواطنين إلى عدم تقديم أي تغطية لمن يخبئ أسلحة أو يقوم بنشاطات مريبة تقلق أمن تونس، كما يؤكد باسما أن الشرطة وأجهزة الأمن تتمتع بخبرة طويلة وعميقة في تتبع شؤون الناس ومراقبة «الأنشطة المشبوهة». كله أمل أن يتحول «الحاكم» كما يسميه التونسيون بلفظ لا يخلو من دلالة قمعية النظام البوليسي المخلوع، إلى «شرطي يحمي أمن البلاد، لا مصلحة السلطة فحسب». 

في آخر شارع باريس يفارق طارق «ضيفه» وقاصد إرشاداته قبل عشرات الأمتار من مسجد «الفتح». المساجد ليست معلما كثير الحضور في العاصمة، ولا مبالغة أو تضخيم في حجمها أو صداحة صوتها. لكن سقوط بن علي أفسح المجال لنوع مختلف من «الحريات». حرية بيع كتب منظري السلفية كالعثيمين وابن باز والالباني على الرصيف أمام باب المسجد. «السلام عليكم»، يقولها بلهجة تقترب إلى السؤال، ملتح محفوف الشاربين يرتدي عباءة بلون يوحي بطابع عسكري ما. عندما يعلم أن مخاطبه لبناني، يسأل: «وما قول أئمة السلف في ما يجري في سوريا؟ ماذا علينا أن نفعل نحن هنا في تونس؟». فيرد زائره السؤال بالسؤال: «ماذا يقول لكم شيوخكم وأمراؤكم؟». الجواب مفاجئ بعض الشيء: «إنها فتنة كبرى يقولون لنا. وعلينا ألا نتدخل مع طرف ضد الآخر. بل ندعو لهم بالسلام والطمأنينة». 

لا يعني ذلك أن المجاهر باتباعه منهج «السلف الصالح» في بلاد عرفت اضطهادا واسعا لهذه التوجهات الإسلامية، يقف خارج دائرة «السلفية الجهادية». هو يريد أن «تحكم تونس بحسب شرع الله»، ويتحدث عن عناصر يجوز استخدامها في سبيل تحقيق هذه الغاية، لا يبدو العنف خارج إطارها، مع الدعوة، والتواصل مع التشكيلات السلفية في باقي دول العالم. 

«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، عبارة يكررها أكثر من 10 مرات في دقائق معدودة. يقع من يده كتاب أرضا، فيطلب من مكلمه أن يحضره له، لأن «ظهره ميت». كيف؟ أصيب في «واقعة» يرفض الحديث عنها، كما يرفض التعريف عن نفسه. «سلفي مسجد الفتح» لا يبدو ظاهرة حقيقية في المجتمع التونسي، بل يشبه أكثر، فردا غير كامل التوازن العقلي، بعيدا عن أي بلاغة في التعبير، أو حتى الإلمام الحقيقي بموارد الشريعة والفقه. 

شارع مواز لـ«نهج الحرية»، هو «الباساج»، الكتابات على الجدران تذكر بتظاهرات ومواجهات شهدها هذا الحي خلال أحداث الثورة، وتجتذب عدسة الوافد اللبناني إلى أرض تونس التي أشعلت نار الثورة العربية. عدسة المصور، تجتذب بدورها عيون عبد الله، الستيني «البطال» الذي يقضي جزءا كبيرا من نهاره يحتسي القهوة، ويحرق السجائر. لا مفر من كوب الشاي بالنعناع مع الحاج عبد الله، وظرفه في تقليد اللهجة اللبنانية. «التوانسة رجال» يشدد، «سأقول لك كل شيء: بن علي كان غبيا، أحب مومسا هي ليلى الطرابلسي وتزوجها. فأصبحت هي وعائلتها مافيا تحكم البلاد. قام الشعب بالثورة وسقط النظام، بعدما تكاتفنا مع بعض ولم يسل كثير من الدماء كما في دول عربية أخرى». 

عبد الله صوت للحزب التقدمي الديموقراطي بزعامة مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي. حزب ذو ماض يساري اشتراكي تحول إلى توسيع قاعدته لتتسم بنوع من «الليبرالية» الاجتماعية الفضفاضة بعض الشيء. 

يتعاطف عبد الله أيضا مع «التكتل»، لكنه يكره «النهضة» كما يكره بن علي. يشير بأصبعه إلى مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل: «يأتون ويعطونهم 30 دينارا، ويطلبون منهم أشياء، قد تصل إلى تهديد الأمن مرات كثيرة. لكن التونسيين يتصدون لهم. ومهما سمعت من شائعات، النهضة لن تصل إلى السلطة». أليست لهم القدرة على الإخلال بالأمن في حال خسارتهم؟ «والله التونسيون سيقفون في وجههم كما وقفنا في وجه النظام المخلوع إذا حاولوا الإضرار بالبلاد في سبيل الوصول إلى السلطة»، يحلف عبد الله مضيفا: «لن يقبل التونسيون أن نصبح كالسعودية وإيران. والنهضة يقولون إنهم يقبلون الديموقراطية لكنهم في الواقع، يقولون أشياء مختلفة لمناصريهم في المساجد والمجالس الخاصة». 

حان وقت وجبة العشاء التونسي، ورائحة البهارات التونسية الخاصة، تختلط مع ألوان الخضار المتنوعة على مائدة أميرة وعلي، الزوجين الشابين، في ضاحية بومهل الجنوبية. أميرة صوتت لـ«التكتل»، لا لقناعة ثابتة ببرنامجه الانتخابي، «فالخيارات المطروحة فارغة بعض الشيء، لكن من المهم ممارسة حقوقنا وحريتنا الجديدة كتونسيين بعد الثورة»، تقول أميرة من دون إخفاء إرادتها في المساهمة في تقويض أي انتصار محتمل لـ«النهضة». أما علي فلن ينتخب. المخرج السينمائي ذو الحس النقدي المتقدم، يرى في هذه «العملية الديموقراطية» نوعا من الكذب: البرامج غير واضحة وثقافة التونسي السياسية محدودة، كيف ينتخب المواطن. مشاركته في المرحلة الجديدة من تاريخ تونس، والتي بدأها مع زوجته أميرة منذ أيام الثورة الأولى، لا يراها منوطة بشكل ضروري بالاقتراع. دوره يراه أكثر عضوية وارتباطا بما يجيد صنعه في إطار اختصاصه وحياته الاجتماعية والعائلية. 

عينة صغيرة هذه من تونس التي تعدت «خضرتها» الموصوفة أو «حمرتها» القمعية، إلى ألوان الطيف كاملة. في أقل من 24 ساعة، تعرض العاصمة لقاصدها، تنوعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ملفتا، يبدو متناغما مع نفسه إلى حد كبير، حتى بالمكون الديني، الذي وإن بدا مريبا ومقلقا أحيانا في عين التونسيين أنفسهم، يبقى ضمن أطر ثقافة الانفتاح التونسية المنقطعة النظير. مهما أتت نتيجة الانتخاب، تبدو تونس نموذجا عربيا يحتذى به في عصر ما بعد الثورة. كما كانت في إطلاقها شرارة الانقلاب العربي على الظلام، تبني تونس اليوم جسر العرب نحو حداثة لا غربة فيها عن الأرض.


Script executed in 0.039375066757202