أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«الاشـتراكي» يصفـّق للربيـع العربـي... ويهمـل «خريفـه» الحزبـي

السبت 29 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,695 زائر

«الاشـتراكي» يصفـّق للربيـع العربـي... ويهمـل «خريفـه» الحزبـي

بهدوء العارف، سيدخل وليد جنبلاط عند العاشرة من صباح يوم غد إلى «قاعة الرسالة الاجتماعية» في عاليه. يطل على الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي بخطاب يلامس عتبات القضايا المطروحة عربياً ولبنانياً، إذا كان التوغل فيها ما زال مبكراً أو محرماً أو أن رفع الصوت قد يؤدي إلى ما ليس في الحسبان.

لن يفاجأ «البيك» الاشتراكي بما سيقفز أمام عينيه وأذنيه من مداخلات كوادره. لا يحمل في جيبه مفاجأة قد يفجّرها في صفوفهم، لتلقى أصداءها في الخارج. وهؤلاء بدورهم لن يلقوا في حضنه قنبلة غضبهم من انتفاضة الثاني من آب 2008 التي لم يهضموها حتى الآن.

سيقف أمامهم منشرح الأفكار. الانسجام مع ضباطه وجنوده سيتغلّب على المنطق التصادميّ. أصلاً هم لم يثوروا على انقلابه، بل بلعوا الموسى على مضض، غادروا بالجسد «خيم ساحة الحرية»، لكنهم تركوا قلوبهم في «معاقل» الرابع عشر من آذار...

في الثاني من آب كانت القاعدة مستاءة ولو بصمت، على انتفاضة زعيمها السياسية. في الثلاثين من تشرين الأول، يلتقي الاشتراكيون زعيمهم في ظلال «الربيع العربي»... وفصوله الاعتراضية على الداخل اللبناني، بدءاً بالمحكمة الدولية، وصولاً إلى الشركاء في الحكومة، مروراً بســلاح «حزب الله».

يوم غد الأحد، وكما وعد، سيفي جنبلاط بإفراغ ما في جعبته من كلام: سيهلل مع «الاشتراكيين» للحراك «الربيعيّ» الحاصل حوله، سيعود إلى جذور «المعلم» ومبادئه، سيفرح لرياح التغيير التي تسقط «دومينو» القادة العرب الواحد تلو الآخر. سيكرّس موقعه الوسطي حتى لو كان في صلب الموالاة، ولكن للمعارضة نكهتها المحبّبة سياسياً إلى قلب جمهوره، إلا إذا كانت ثمة مفاضلة بين السياسة والخدمات، وعندها الغلبة للثاني، بعدما تعود هذا الجمهور طيلة مرحلة ما بعد الطائف على نعيم السلطة ومنافعها الخدماتية. 

ولكن لا بدّ من التنبه: يوم الأحد سيعيد الاشتراكيون انتخاب جنبلاط، بالتزكية، ومرة جديدة، رئيساً للحزب الذي تولاه منذ استشهاد والده في العام 1977. أي 34 سنة من «الحكم المطلق»... بلا منافس من حيث الزمن، الا معمر القذافي وسلطان عُمان وعلي عبدالله صالح وحسني مبارك... عربياً.

سيتمّ «تجديد البيعة» من «هيئة البيعة» المؤلفة من نحو 600 كادر اشتراكي، معيّنة بسوادها الأعظم بموجب «قرارات رئاسية». وتضمّ: مدراء الفروع (المناطق)، المعتمدين، هيئات وكالات الداخلية، مجالس المفوضين، مجلس القيادة وجمعية المرشدين.

44 سنة لا تدفع «الجنبلاطيين» إلى الشعور بالخجل من التناقض بين خطابهم من جهة، وأدائهم من جهة أخرى. ففرادة زعيمهم واستثنائيته، عاملان يكفيان بنظرهم للتخلي عن حلم التغيير في قيادة الحزب. 

يوم الأحد أيضاً سيتمّ انتخاب مجلس قيادة جديد، يفترض أن يكرّس المنطق الداعي إلى ضخّ دم جديد في شرايين القيادة. وجوه شبابية قد تدخل المرّة الأولى الحلقة الضيقة، حيث يفترض أن يكون أكثر من نصف التركيبة الجديدة من العناصر الشابة. وهناك من يرجّح أن ترفع هذه الانتخابات من شأن «صقور الحزب» لا سيما مؤيدي «ثورة الأرز» وأبطالها، إلى المراتب العليا، علماً بأن عدد المجلس يتراوح بين 12 و20 (غير ثابت)، وقد بلغ عدد المرشحين نحو 15 قيادياً. إشارة إلى أن المجلس الحالي انتخب، بالتزامن مع التجديد لجنبلاط في كانون الأول من العام 2008.

لكن مفوض الداخلية في الحزب يحيي خميس، يرفض الربط بين العامل السياسي والشأن التنظيمي، ويحيل هذا الإجراء إلى الورشة التي بدأت منذ أكثر من عامين، والتي لم تسمح الظروف المحيطة بتطويرها. 

كما ستشهد الجمعية العمومية توجيهات تنظيمية حيث سيتمّ عرض الأفكار الأولية للتعديلات المفترض إدخالها عل النظام الداخلي، وذلك قبل إقرار تعديلات الدستور في الجمعية العمومية للمرشدين التي تضم نحو 150 مرشداً، وإقرار تعديلات النظام الداخلي في مجلس القيادة الجديد.

ومن الأفكار الأولية المطروحة للتعديل: توجّه لتكريس المبدأ الانتخابي في بعض المواقع القيادية على اعتبار أن كل الوحدات الحزبية تنشأ بفعل التعيين بقرار رئاسي، وتوجه لتحديد مهل زمنية للمسؤولين، كما تقصير ولاية القيادة (الرئيس ومجلس القيادة)، من أربع إلى ثلاث سنوات.

من غير المتوقع حصول «إجراءات فوق العادة». الكلام عن تسلّم «الرفيق» تيمور جنبلاط موقع قياديّ «لا صحة له»، بدليل عدم ترشّحه إلى أي منصب. الشاب الذي تمّت ترقيته إلى مرتبة «مرشد» يتمتع بحق المشاركة في الجمعية العمومية يوم غد الأحد، من دون أن يعني ذلك أن حضوره حتميّ. ما يزال يحاول دخول المعترك السياسي والاجتماعي. يقوم بخطوات ثابتة، يلتقي الكثير من قيادات الحزب، ويراكم تجربته بسرعة... ولو أن مروان حمادة يتباهى في الحلقات الضيقة بأنه أكثر من يملك سحر التأثير بتيمور.

أمّا المساحة المتبقية من الجمعية، فستكون للسياسة: مداخلة «البيك» ونقاشات أهل بيته. في زمن التحولات السريعة في المنطقة، الثابت الوحيد هو أن جنبلاط لن يحيد عن المسار «التعرّجي» الذي رسمه لنفسه منذ وطأت أقدام وزرائه الثلاثة أرض «الجنّة الميقاتية». يتعاطى بـ«القطعة» مع القضايا والتطورات، على طريقة «العمال المياومين»... وبطبيعة الحال، لكل مقام مقال. 

مواقف وليد جنبلاط لا تشبه مواقف شركائه أو حتى من كانوا خصومه. رجْلٌ في «بور الحكومة» ورجْلٌ في «فلاحة المحكمة الدولية». تماماً كما حصل عند التكليف. في التكليف مع سعد الحريري وفي التأليف مع 8 آذار، قبل أن ينقلب الدولاب وترسو القرعة على نجيب ميقاتي. 

وفق قراءة الاشتراكيين، «هذا تعبير متجدد عن الحرص على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي الذي يدفع وليد جنبلاط إلى الخيار الوسطي إذا جاز وصفه. يريحه الدور الذي اختاره لنفسه بكونه ساهم في التخفيف من حدّة الانقسام الداخلي. ولذا يرفض استنساخ مواقف غيره وإنزالها على فريقه الحزبي والسياسي».

أما التصفيق للربيع العربي، فتبريراته حاضرة في تاريخ الحزب وثوابته: يؤمن الاشتراكيون منذ نعومة أظافرهم على يد كمال جنبلاط بنزعة الحريّة لأنها في صلب التقدميّة. فالتيار الأول للتطور هو نزعة الوعي والحرية المرتبطين واللذين لا بدّ أن ينعكسا على الواقع الاجتماعي، وبالتالي لا مجال للوقوف بوجه هذه الحالة.

إذاً التلاقي مع القاعدة صار تحصيل حاصل، وفرصة لإعادة وصل ما انقطع على يد انقلاب الثاني من آب. فالقواعد الاشتراكية التي لم تهضم حتى اللحظة خروجها من خندق قوى الرابع عشر من آّذار، حاولت اللجوء إلى «البراغماتية» لتفهّم مبررات زعيمها الذي اختصرها قولاً «إن المسدس في رأسه». 

لا ينكر الاشتراكيون أن استدارة الـ180 درجة مستحيلة التحقيق بين ليلة وضحاها، لا سيما وأنّ قلوب أغلبية الاشتراكيين مجبولة بحساسية تاريخية من سوريا سحبت نفسها على «حزب الله». لكن أداء زعيمهم «المدوْزن» بين المحاور المتخاصمة، أعاد إليهم بعض الحراك الداخلي الذي فقدوه طوال الأشهر الماضية. «نكعاته الاعتراضية» تدغدغ شعورهم، وتلهب الحماسة في أذهانهم، لا سيما وأن جنبلاط شرّع صدره لرياح التغيير في المنطقة. فهؤلاء ترّبوا على حلم سقوط «الأنظمة الرجعية المستبدة»... وها هو الحلم يتحقق اليوم أمام عيونهم.

لهذا لم يتوانَ هؤلاء عن طرح هذا الأمر على الجمعية العمومية الأخيرة، وبوح بكل ما يدور في رؤوسهم من أفكار. أما اليوم، فلا يجد وليد جنبلاط حرجاً في مواكبة مناخ كوادره. وهو لا يتردّد في إطلاق العنان لـ«قفشاته» السياسية أمام مجالسيه، التي تعبّر بشكل أو بآخر عن حماسته للرمال العربية المتحركة، لا سيما للمشهدية السورية التي لا تزال حتى اللحظة تتخبّط بموج حراكها الداخلي.

ولكن لا يبدو أن القيادة السورية متفاجئة بالتقلبات الجنبلاطية، وهي تفضّل أن يظل هذا الملف بيد «حزب الله» لإدارته بشكل يتناسب ومصلحة حلفائها اللبنانيين، مع العلم أن بعض الوجوه الجنبلاطية المؤيدة لخط المقاومة - سوريا، تنأى بنفسها عن المختارة في هذه الأيام، نظراً لاعتراضها على مقاربة سيّدها لهذا الملف الدقيق والحساس برغم ما شاب التجربة الماضية من «لحظات تخلٍّ».

بالنتيجة، لم يعد جنبلاط مضطراً لابتكار أساليب إقناع جديدة، كي يحمل جمهوره على مواكبة أفكاره. صار بإمكانهما الإلتقاء عند خطّ «الزلازل» الاستوائي. لم يعد ملزماً بصياغة مبررات منطقية تقنع ناسه، فهؤلاء سبقوه إلى ساحة الربيع العربي، ولكنهم ينتظرون من يخرجهم من خريفهم الحزبي.

أصلاً، لم يبذل وليد جنبلاط أي جهد كي يحدث انقلاباً في قناعات الاشتراكيين. تركهم على هواهم، ولم يقطع عنهم نَفًس التواصل مع من وقفوا إلى جانبهم طوال أكثر من ثلاث سنوات. فالتلاقي مع مَن كانوا حلفاءهم لم يتوقف أبداً. إذ بعد أقل من شهر على دخول نجيب ميقاتي السرايا الحكومية، كان الاشتراكيون يحيون «ماضي التواصل» مع «تيار المستقبل» تحت عنوان انتخابات نقابة المهندسين، واستمرت اللقاءات على أكثر من مستوى، وهو الأمر الذي يجاهر به علناً أحمد الحريري.

حتى مع الكتائب و«القوات» لم يتوقف التنسيق على الأرض، علماً بأن الاشتراكيين يؤكدون أن هذه اللقاءات لا جدول أعمال مسبقاً لها، وهي لا تهدف إلى صياغة رؤية مشتركة، وإنما هي ضمن خيار انفتاحي على كل القوى، تلك الشريكة في الحكومة وتلك المعارضة. 

بالأمس كان وفد من تيار «المستقبل» في مبنى الحزب التقدمي في وطى المصيطبة. تنسيق على مستوى العاصمة. قبله بأيام كان وفد طلابي من «التيار الوطني الحر» بضيافة منظمة الشباب التقدمي، يعبر مناطق تماس الاشتباك الحاصل بين القيادتين.

وما يأتيهم من كواليس الخصوم، ومن منابرهم، يرفع من معنوياتهم. لا أحقاد ولا اتهامات بالخيانة بل تفهّم لخصوصية جنبلاط ولخصوصية جبله وهو أمر كان حاضرا في مداخلات المشاركين في اجتماع الرياض برئاسة سعد الحريري... 

نوافذ الاشتراكيين وأبوابهم مفتوحة على «المستقبل» وتطوراته. ولكن في المقابل، فإن ما يصلهم من الأقربين، يرفع من حالة الترقّب والحذر. إذ أن وضع الحجر الأساس لمستشفى «سلمان الفارسي» في الجاهلية لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام على «السكانر الجنبلاطية». قرأ فيه «البيك» أكثر من رسالة مبطّنة، من جانب حلفائه المفترضين، سواء في الضاحية الجنوبية، أم في العاصمة السورية: لقد سقطت معادلة الثقة المطلقة «أنت الزعيم ولا أحد غيرك».

الاستحقاقات المقبلة في الجامعات والنقابات، عذر مبرر للحزب التقدمي في تشريع أبوابه من باب السعي للعب دور توفيقيّ، أو أقله مسكّن لأوجاع الانقسامات، من دون أن يعني ذلك أن القيادة الاشتراكية تخطط للذهاب في خيارها الوسطي أبعد من ذلك... أقله حتى الآن.


Script executed in 0.043762922286987