بهدوء وتوجس غير بعيدين عن طبيعة المرحلة الانتقالية، لبنانيا وعربيا، افتتح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الجمعية العامة للحزب، أمس، في قاعة «جمعية الرسالة الاجتماعية» في مدينة عاليه، واضعاً «خارطة طريق» عربية ولبنانية لم تأتِ بجديد مقاربة وتحليلا، في ما عدا تفاصيل تضاف الى عناوين رئيسية طبعت مواقفه في المرحلة الاخيرة، ليفاجئ الجميع في الموضوع الحزبي بأن «ترشيحي اليوم (لرئاسة الحزب) هو آخر ترشيح»، وأن المجالَ متاحٌ للجميع للترشح وفق آليات محددة. ورأى إمكان تعميم تجربة الحزب الاشتراكي الفرنسي في هذا المجال، وأن «موضوع الوراثة (منشيلها من ذهننا)»، فضلاً عن إطلاق حزمة اصلاحات داخلية مستلهمة نبض المتغيرات العربية، معتبراً أن زعامة المختارة «شأن خاص» يمكن طرحه في مكان آخر.
تصدرت مدخل القاعة صور الشهيد كمال جنبلاط مع بعض زعماء العالم، وغابت الاعلام الحزبية، وسط إجراءات أمنية عادية، وسجل حضور 505 مندوبين من المسجلين على قائمة المندوبين وعددهم 590، أي بغياب 85 عضواً، فاعتبر أمين السر العام المقدم شريف فياض أن الجمعية قانونية، وشارك فيها إلى وزراء ونواب الحزب وعدد كبير من الرعيل الاول، القيادي السابق في الحزب توفيق سلطان، وجاءت جلسة الافتتاح من دون ضجة، ولم يعلُ التصفيق سوى مرتين، الأولى، عند ذكر شهداء الثورات العربية، والثانية، عند ذكر الشهيد كمال جنبلاط.
طرح جنبلاط رزمة من الخطوات الاصلاحية الحزبية أبرزها ضرورة اعتماد سن الـ 18 للانتساب الى الحزب بدلاً من سن العشرين، وهذا ما تأكد في ما أفضت اليه نتائج انتخاب هيئة جديدة لمجلس قيادة الحزب. كما طلب تقصير مدة ولاية مجلس القيادة من اربع سنوات الى ثلاث سنوات، كما تخلى عن حق تعيين الثلث الحزبي.
وانتخب المندوبون أعضاء الهيئة الجديدة (الانتقالية والمؤقتة على حد تعبير جنبلاط) لمجلس قيادة الحزب (تنتهي ولايتها بعد سنة)، وقد فاز جنبلاط بالتزكية رئيسا للحزب، وفاز 12 عضوا من أصل 15 قدموا ترشيحاتهم، وجاءت على الشكل الآتي: بهاء عقل ابو كروم (357 صوتا)، جميلة خليل قوبر (407 أصوات)، خضر ابراهيم الغضبان (382 صوتا)، دريد محمد ياغي (434 صوتا)، ربيع عاطف عاشور (388 صوتا)، زياد بهيج نصر (328 صوتا)، سرحان جعفر سرحان (419 صوتا)، شوقي محمد ابو محمود (338 صوتا)، ظافر كامل ناصر (395 صوتا)، كمال فريد معوض (430 صوتا)، د.هلا سماح الأعور (403 أصوات) ووليد ادوار صفير (382 صوتا).
ثم تلا فياض نتائج الخاسرين كالتالي: شريف فياض (301 صوت)، جهاد الزهيري (252 صوتا) ووليد صافي (237 صوتا).
وبيّنت نتائج التصويت وصول سبعة قياديين شباب هم أبو كروم، الغضبان، عاشور، نصر، ناصر، الأعور وصفير، فيما لم يصل من «الحرس القديم» سوى ثلاثة حزبيين هم ياغي ومعوض وسرحان. ووصل من الرعيل المتوسط شوقي أبو محمود وجميلة قوبر، علما أنه سجل هذه المرة وصول سيدتين الى مجلس القيادة هما قوبر ود. هلا الأعور. كما بدا التنوع المناطقي والطائفي حاضرا، فيما شكل سقوط فياض وصافي نكسة «الحرس القديم».
وألقى المقدم فياض الذي تولى مهام أمانة سر الحزب الاشتراكي طوال خمسة وعشرين عاما كلمة باسم من لم يحالفهم الحظ وتمنى لمجلس القيادة الجديد النجاح.
وختم جنبلاط الجمعية بكلمة نوه فيها بالمقدم فياض، وقال «تعرفت عليه وكان رائدا في الجيش، بعدها ترقى وأصبح مقدما عندما كان مع كمال جنبلاط، من مؤسسي «جيش التحرير الشعبي». وترك مع غيره من المناضلين الجيش اللبناني والتحق بنا. وكان مثال الجندي المجهول في صفوف الحزب، صحيح انه منذ عامين طلب التنحي، فقلت له لا تترك وابقى معي، «نياله تقاعد قبلي»، السنة المقبلة الموعد الأساس في 30 تشرين الأول 2012، وسوف نحدد اجتماع مجلس القيادة الجديد من اجل ان ننتخب امين سر يسير على نفس الخطى، ونرسم السياسة والأطر التنظيمية الجديدة من اجل الاستحقاق الذي وعدنا نفسنا به وجمهورنا، وبالتالي نطل طلة جديدة على لبنان على قاعدة الثوابت السياسية نفسها». وختم «أشكركم على الثقة والى غد قريب».
وقائع جلسة الافتتاح
افتتح وليد جنبلاط الجمعية العمومية صباحا، من دون النشيد الوطني ونشيد الحزب ومن دون تقديم، قائلاً «سأطلب الوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء، شهداء الثورات العربية في تونس، مصر، ليبيا، اليمن، البحرين وسوريا».
وقدم مداخلة مكتوبة تخللها بعض الارتجال، وكان مدخلها عنوان «الثورة العربية» بوصفه «الموضوع الاساس»، وشدد على «تحويل الجمهوريات الوراثية الى جمهوريات دستورية، تحويل الانظمة الملكية الى ملكيات دستورية، إبعاد الجيش عن الحياة العامة وحصره في مهمات الدفاع عن الوطن، إقصاء المخابرات عن التعاطي بالشأن العام كالقضاء والادارة وغيره، اعتماد التعددية الحزبية والقبول والاعتراف بجميع التيارات الحزبية او الفكرية دون استثناء، وقف التعذيب في السجون العربية ووضعها تحت إشراف المنظمات الدولية المختصة، كشف الحقيقة عن جميع المفقودين في كافة الاقطار العربية، استقلال القضاء، اعتماد الانتخابات في شتى المستويات واعتماد الاستفتاء الشعبي لمجمل القضايا، تعزيز دور النقابات ورفع الوصاية السياسية عنها، إعطاء الشرطة الحق في العمل النقابي، في بلاد الغرب الشرطة لديها الحق النقابي، اعتماد دساتير تضمن حقوق الاقليات والمذاهب وحرية المعتقد الكامل والتمثيل وطبعا الحريات الفردية، الافادة من التجربة التركية حيث التوفيق بين العلمنة والاسلام، التأكيد على احترام حقوق المرأة ووضع التشريعات الضرورية لإنصافها ومساواتها في شتى المستويات، الافادة من الثروات العربية لوضع برنامج تنموي شامل في محاربة الفقر والجهل وصولا الى بناء منظومة عربية شبيهة بالمنظومة الأوروبية».
وعن القضية الفلسطينية، اكد «دعم جهود المصالحة الفلسطينية، مع التأكيد على ان القرار الفلسطيني المستقل وحده الكفيل بتثبيت الحق الفلسطيني والذي بناه المناضل المرحوم ياسر عرفات هو وحده الكفيل بتثبيت الحق الفلسطيني في حال فشل مشروع دولتين، العودة الى المناداة بالدولة الواحدة حيث العرب واليهود يتساوون في الحقوق والواجبات وحق العودة والقدس عاصمة الجميع، وافضل داعم للشعب الفلسطيني هي الشعوب العربية الحرة، عبر الانتخابات في كل مكان».
وتابع جنبلاط: «اما نظريات الممانعة السخيفة التي استأثرت بالقرار الفلسطيني كلها سقطت، ولم تكن الا لتحسين شروط تلك الدول التي سمت نفسها بالممانعة للتفاوض، وعندما نعود الى التاريخ نرى ان المسرح الرئيسي للتفاوض احيانا سلميا واحيانا بالحرب كان لبنان».
وعن سوريا، شدد على «ورقة الجامعة العربية والإجماع عليها»، مذكرا بـ«خارطة الطريق التي طرحها قبل أسبوع عبر شاشة «المنار»، وتتلاقى بمعظمها مع المبادرة العربية، وتشمل الآتي: «وقف إطلاق النار على المتظاهرين سلميا، إدانة الاعتداء على القوات المسلحة، الجيش السوري، سحب الجيش من المدن، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وكشف الحقيقة حول المفقودين، محاسبة المسؤولين عن الارتكابات بحق الابرياء ومحاسبة ايضا المسؤولين عن الارتكابات بحق القوات المسلحة، إدانة اي مطلب بالتدخل الخارجي، السماح لكل الصحافة والاعلام بتغطية الاحداث، الإصلاح السياسي من خلال إلغاء المادة الثامنة من الدستور وفتح المجال امام التعددية الحزبية وإعداد دستور جديد، الحوار وحده الكفيل بحل الخلافات وحل الازمة داخل سوريا».
وعلى الصعيد اللبناني، اكد جنبلاط أن «تمويل المحكمة مبدأ اساسي وجوهري كمدخل للاستقرار مع التفهم الكامل لتحفظات الحزب (حزب الله) حول إمكان تسييس المحكمة، اذكر انني كنت من الاوائل الذين دانوا آنذاك التسييس عندما خرجت بعض اخبار المحكمة عبر الصحافة العالمية «ديرشبيغل» وغيرها، التأكيد على أهمية سلاح المقاومة دفاعيا والتأكيد على لبنانية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا واستعادة القسم اللبناني لقرية الغجر، لكن هذا لا يمنع تحديد وترسيم الحدود بريا وبحريا، بحريا اعتقد مذكرة الامم المتحدة كانت واضحة حول حدودنا في ما يتعلق بيننا وقبرص واسرائيل بالثروات النفطية والغازية، لان التحديد والترسيم أمر مهم جدا لمنع الالتباس والغموض، التأكيد على أهمية العودة الى طاولة الحوار او الى هيئة الحوار لمناقشة الخطة الدفاعية لان مبدأ الدولة يبقى الضمانة الاولى والاخيرة للجميع للمواطنين وللمقاومة، ترشيد الثقافات والشروع في الاصلاح الاداري لمعالجة تصاعد الدين الذي قد يفلت من العنان والسيطرة واليونان خير مثال، ولكن في اليونان وبعد جهود هائلة وجبارة استطاعوا حتى هذه اللحظة ان يعطلوا إفلاس هذا البلد، ولا اعتقد في لبنان هناك أحد في العالم العربي او الخارجي يفكر بنا، لنفكر نحن بحالنا فهذا أنسب، دراسة جديدة لرفع الاجور ووضع آلية فاعلة لضبط الاسعار، التنويه بالافراد والاجهزة الذين أسهموا في تعطيل الشبكات الاسرائيلية، وعدم التهاون قضائيا في هذا الشأن».
وأكد جنبلاط «تلازم الأمنين اللبناني والسوري من حيث منع تهريب السلاح اذا كان هناك من تهريب سلاح من لبنان الى سوريا، رفض انتهاك الحدود اللبنانية بأية حجة، تقديم المساعدات للاجئين السوريين، اللاجئين قسرا نتيجة الاحداث في بلادهم، تنبيه الأجهزة الرسمية الأمنية جميعها باحترام حق اللجوء السياسي وأميز بين حق اللجوء السياسي وحق القول او التعبير السياسي والعمل العسكري والأمني».
وقال «نعم نحترم حق القول السياسي والتعبير السياسي ولا لاي استخدام للارض اللبنانية لاي عمل امني ضد سوريا، لماذا أقول هذا؟ لان اختفاء المناضل شبلي العيسمي وآخرين على يد شبيحة لبنانيين ورسميين تابعين يبدو لبعثة دبلوماسية أمر غير مقبول ولم تنجلِ بعد الحقيقة الكاملة حول الموضوع».
وفي الشأن الحزبي، قال جنبلاط: «موضوع الوراثة (منشيلها من ذهننا) يبقى موضوع النيابة ودور المختارة هذا شأن خاص. شأن عائلي وسياسي، أنا أناقشه بالحلقة المطلوبة، ولكن لا للتوريث طبعا».
ثم ألقى جنبلاط كلمة قال فيها: «بعد 34 عاما يا رفاق من قيادة الحزب العام 1977 في 16 آذار ولّيتموني الثقة بقيادة الحزب ثم الحركة الوطنية، وكان ذاك النهار المشؤوم وطبع بالدم، دم كمال جنبلاط، عندما الاستبداد العربي قتل كمال جنبلاط، وطبع بالدم، دم الابرياء، عندما الجهل والتوحش قتل الابرياء في قراهم ومنازلهم غدرا وظلما، ودخلنا لاحقا في التسوية، ومن التسوية دخلنا في التسويات، ومن التسويات دخلنا في حلقات العنف والحروب، دورة حرب، ودورات الحروب لا تحصى، في حرب الجبل لم ننتصر على أحد، انتصاراتنا مع تقديري للشهداء جميع الذين اســتشهدوا من فريقنا ومن غيره من الافرقاء نقدر اسـتشهادهم، ولكن كنا نحن والآخرون دوما في لعبــة الامم، لعبــة الامم التي أرادت ان يوضع لبــنان تحت الوصاية، لعبة الامم التي أرادت ان يصفى على ارض لبنان القرار الفلســطيني المســتقل وكم كلف هذا الامر من دماء فلسطينية ولبنانية».
وأردف جنبلاط: «ثم أتت تسوية الطائف، التي كانت طبعا خارج كل أدبيات «الحركة الوطنية» والحزب الاشتراكي من اجل لبنان لا طائفي ديموقراطي علماني. في موضوع المحطات المضيئة ربما المحطة المضيئة الاساس كانت العام 2001 المصالحة مع البطريرك صفير في الجبل، ربما احدى الصفحات البيض ايضا كانت العام 2004 عندما رفضنا التمديد، وكان لنا مساهمة مقبولة ومتواضعة، وايضا هناك صفحة مضيئة من تاريخنا هي مع 14 آذار في ثورة الاستقلال».
وختم جنبلاط «ان نبوءة كمال جنبلاط تحققت ولو بعد حين، العام 1976 قالها، ماذا قال؟ لن أدخل في السجن العربي الكبير وها هو اليوم هذا السجن تنهار أعمدته وجدرانه الواحد تلو الآخر. صدق كمال جنبلاط».