مخطئٌ من يظنّ أن الحرب في لبنان انتهت. وما عبارة «تنذكر ما تنعاد» إلاّ تكريس للوهم الذي أغرق اللبنانيون أنفسهم فيه. يتجلى الوهم حين يجلس أحدهم مع مجموعة تنتمي إلى «القوات اللبنانية» مثلاً، ويبدي بعض الانتقادات الخاصة بعمل هذا الحزب، فيأتي الجواب: «هل تقصد أن العونيين أفضل؟». والعكس صحيح.
جدلية الحرب غير المنتهية هذه، تتجدد يوماً بعد يوم في الأزمات التي تعيشها بيروت، و«الحقد» الكامن في النفوس، ظاهراً كان أو مستتراً. سببٌ دفع بمستشفى جبل لبنان إلى استضافة مؤتمر «الحرب تنتهي، ولا تنتهي» الذي عُقد خلال اليومين الماضيين، بمشاركة العديد من المحللين النفسيين اللبنانيين والأجانب. مؤتمرٌ يرقى بتعقيداته العلمية إلى تعقيدات الحرب ربما، والتناقضات التي تدفع الإنسان إلى التنازل عن إنسانيته لمصلحة العنف.
الحديث عن الحرب قديم قدم البشرية. وقد استند عدد من المحلّلين في المؤتمر إلى نص أرسله فرويد إلى أينشتاين عام 1932، حمل عنوان: «لِمَ الحرب؟». ولا يزال الجدال مستمراً حتى اليوم. فرويد، الحاضر الأبرز في المؤتمر، أوحي أيضاً باسمه، حين كتب عام 1936 عن «تحليل منتهٍ وتحليل غير منته». لم تنتهِ الحرب برأي المحلل النفسي ورئيس قسم الطب النفسي في مستشفى جبل لبنان، شوقي عازوري. «التجييش وغسل الأدمغة مستمر». كيف تنتهي الحرب إذاً؟ «من خلال الحداد». يلفت إلى المصالحة التي شهدتها أفريقيا الجنوبية، حيث أقيمت محاكم رمزية اعترف خلالها المذنبون بجرائمهم أمام ضحاياهم، طالبين العفو. هذا بالضبط ما ينقصنا في لبنان، يوضح عازوري. «فالمرأة التي لا تزال تنتظر عودة مفقود تعيش بين الحياة والموت لأنها عاجزة عن الحداد»، مضيفاً: «أصعب شيء على الإنسان هو عدم قدرته على الحداد». حينها تحدث المصالحة الحقيقية، وإلا فسينتقل الحقد من جيل إلى آخر. يشرح عازوري أن العلاج النفسي يحرّر الإنسان من أمراضه، لكن التحليل النفسي يحرّره من التبعية ويجعله حراً. هل يعني ذلك أن جميع اللبنانيين بحاجة إلى العلاج النفسي؟ يرفض ذلك بداية، قبل أن يوضح أن هذا التعبير قد يصلح للاستخدام صورياً، لكن الناس ليسوا مرضى، بل المجتمع. يتابع في موضوع الحداد، لافتاً إلى أن ألمانيا أقامت مقبرة جماعية رمزية ضمت أسماء جميع اليهود الذين قتلوا على يد النازية، الأمر الذي يساعدهم على تخطي معاناتهم. لكنهم لا يبدو أنهم سامحوا حتى اليوم، فقد وقعوا في التكرار و«الوحشية القصوى» مع الفلسطينيين.
مواضيع كثيرة عالجها المؤتمر: الولاء، النصر المستحيل للخير، الصور والاستعارات الخاصة بالعنف، حرب الأوهام... إلخ. لكن محاضرة «العفو من دون طلب العفو» كانت الأكثر إشكالية، والأقل بعداً عن التعقيدات العلمية والنفسية التي لا يفهمها غير المتخصصين. استند المحلل النفسي الرواندي إيمانويل هابيمانا إلى الأمثلة: المصالحة (بين البيض والسود) في أفريقيا الجنوبية والقتل الجماعي في رواندا. قال إن «المصالحة وحدها لا يمكنها محو عقود من الذل. ووعود الدولة بالتعويض المادي والسكن وإشراك السود في السلطة كانت لها آثار سلبية، فضلاً عن تقاعسها الشديد في تحقيقه، الأمر الذي لا يجعل المصالحة مثالاً».
أما في رواندا، فقد التقى هابيمانا عدداً من ضحايا الإبادة الجماعية بين التوتسي والهوتو. يقول إن «لكل شخص طريقته في الغفران، موضحاً أن الضحية قد تكون مستعدة للغفران في حال ندم المعتدي الصادق، أو من خلال التعويض المادي، أو انتصار الضحية على المعتدي في نهاية المطاف، أو من خلال البعد الجغرافي». في الوقت نفسه، يجد المذنب صعوبة في طلب الغفران، لأنه يفقد هيمنته ويتحول إلى خاضع ومذلول. لذلك، لم تطلب الدول الاستعمارية حتى اليوم العفو من الدول التي استعمرتها. كذلك، فإن الجاني يدرك أن طلب العفو يريح الضحية ويمكنه من بدء حياته من جديد، وهذا ليس في مصلحته!
أثار هابيمانا جدلاً في القاعة. لفت البعض إلى أهمية الحقيقة في المصالحة، فيما تساءل آخرون عن مدى قدرتنا على الغفران، وفيما إذا كان المذنب يستحق العفو، وهل يتحقق السلام بمجرد قول الحقيقة وطلب السماح؟ إلا أن المحلل الرواندي ختم قائلاً إنه لم يستطع حتى اليوم إكمال الصلاة لأنه يتوقف دائماً عند مقطع: «اغفر لهم ذنوبهم».