أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الله حريري طريق الجديدة... تحوّلات قلب العاصمة [1]

الثلاثاء 01 تشرين الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,152 زائر

الله حريري طريق الجديدة... تحوّلات قلب العاصمة [1]

رؤوس «النيفا» وعطور باريسية و«فاتحون جدد»

في ما عدا الشهامة والطيبة والمظهر الخارجي، كل شيء انقلب رأساً على عقب في منطقة طريق الجديدة خلال حوالى عقدين من الزمن: الزعامات، وظائف قبضايات الأحياء، الاهتمامات والأهداف، الأصدقاء والحلفاء. القلب الشعبي للعاصمة عاش تحولاً جذرياً منذ أن فاح العطر الباريسي لـ«الست نازك» في حي العرب ذات يوم من عام 1996


زياد عيتاني

كان سمير، ابن طريق الجديدة، قد سافر الى الدانمارك بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. مع انتهاء الحرب عام 1990، عاد ليزور تلك الأحياء التي هجرها، وقد ترسخ في ذهنه مشهد الدمار الرهيب في مبنى كلية الهندسة وبناية الصادق وشارع الفاكهاني. ما زالت هناك، تلك الأبنية التي لم تتغير صورتها كثيراً، باستثناء الفجوات الكبيرة التي أضيفت إلى بعضها جراء قصف المعركة العونية الأخيرة.


سأل عن أبناء المنطقة. أخذته رحلة الأجوبة إلى أحزان قضت على الذكريات الجميلة. هؤلاء كانوا قد ذاقوا الأمرّين منذ رحيل منظمة التحرير حتى اتفاق الطائف سنة 1990. روى له الجيران عن شباب اختفوا حين دخل الجيش زواريب المنطقة في عهد أمين الجميل. حدثوه عن حرب المخيمات وفظائعها، وعن شباب «المرابطون» الذين فرّوا من ملاحقة الجيش السوري لهم، فجعته ذكريات أصدقاء عن أقبية سجون لم يعرفوا أماكنها، إلا أن أكثر ما أثار استغرابه في الحديث عن تلك المرحلة، هو انقلاب كلام جيرانه إلى همس.

لكن تفاصيل صغيرة أكدت له أن الزمن الجميل لم ينقرض في 8 سنوات. فحين دخل منزله، وفوجئ بأن جدرانه باتت عارية من البويا، والبلاط اختفى تحت الردم، خرج إلى الشرفة مهموماً، فالمنزل يحتاج إلى أكثر من شهرين ليصبح جاهزاً للسكن. ما إن أطل على الشارع، حتى سمع صديقاً قديماً يصرخ له «البويا عليّي غصباً عنك»! وتبعه آخر بالقول «لا تحمل همّاً، أمّنت لك تصليح «سكورة المي» وتلحيم الخزان». أدرك سمير أن المنطقة لا تزال تحتفظ بنكهتها وبخامة رجالها المازجة بين الطيبة والشهامة.

أما صورة المنطقة وطابعها، فطرأت عليهما تغييرات كبيرة، حلت المقاهي مكان المكتبات ومتاجر الملبوسات على طول خط جامعة بيروت العربية. مقاه لا يتميز واحدها عن الآخر. كلها تتنافس في تقديم السندويشات السريعة وتحسين الخدمة بإضافة النعناع إلى الشاي، وقطعة من الشوكولا مع فنجان القهوة. هكذا يفعلون في الأفلام والمسلسلات وفي أحياء البلد القديمة. وصار من الضروري البحث عن أوجه الشبه بين «الدانكان دونتس» في «الداون تاون»، و«قهوة البرجاوي» في طريق الجديدة.

أثناء التحضير للانتخابات في عام 1996 شهدت المنطقة أول اتصال مباشر مع الحاكم الجديد. خرجت السيدة نازك الحريري من باب سيارتها السوداء، وفي لحظة اختفت المسافات بين «العطر الباريسي الفاخر» ورائحة رؤوس «النيفا» المنبعثة من ملحمة مشهورة في حي العرب. أطل بعدها رفيق الحريري، «الفاتح الجديد» الذي صافحهم فرداً فرداً. تذكّروا أن هذا لم يحصل مع صائب سلام ولا مع «الآدمي» سليم الحص، ولا طبعاً مع مالك نادي الأنصار، سليم دياب، الذي شكّل فريقه حالة الإجماع الوحيدة لدى سكان المنطقة حقبة طويلة.

كان يكفي سكان تلك المنطقة أن يصافحهم رفيق الحريري ويقبّل وجنات الأطفال في حي العرب، ليدخل الرجل الآتي من السعودية قلوبهم. كانوا قد حفظوا اسمه من خلال صناديق الإعاشة التي تجتاح منطقتهم في الأول من كل رمضان، قبل أن يعرفوا صورته. ذاك الرجل الذي قصد العديد منهم مؤسساته بغية إرسال أبنائهم للدراسة في الخارج، استطاع بمجرد الترجل من سيارته مع زوجته والتوجه إليهم بكلمة لم يفهموها سريعاً وقتها، أن يدخل بيوت المنطقة الأفقر في العاصمة.

ذلك اليوم، احتلت عبارة «زي ما هيّي» مكان صور عبد الناصر على جدران الأحياء. تحوّل الاهتمام من الصراع مع إسرائيل الى قضايا مختلفة. بات حديث الناس يتركز على قريطم و«دولته» وحال السنّة. حلّ حيّ العرب محل الأماكن التي خرج منها معظم عناصر «المرابطون» والقبضايات، فقط لأنه أكثر شوارع المنطقة قرباً الى قريطم. وقبل مستوصف أرض جلول ومدرسة الحريري، كان يكفي رب كل عائلة في الطريق الجديدة أن يتجه الى ذاك الحي مع «روشتة» الدواء أو فاتورة أقساط المدرسة، وأن يلتقي أحد أقارب أبو طارق العرب (المرافق الشخصي للحريري والذي استشهد معه) لتنقلب تلك الأوراق الى خدمات فعلية أسست لنشوء «جمعية بيروت للتنمية».

تلك الخدمات حولت أبو طارق وسليم دياب قطبين تقدّما على أغلب رجال المنطقة العتاق، كأبو علي وأبو ماهر وأبو عماد. إلا أن هؤلاء لم يختفوا. فرَجُلا قريطم أحسنا التصرف ولم يُخلّا بوصية «دولته»، إذ لم يتخليّا عن تلك الأسماء، بل أوكلا إليها مهمة جمع «الروشتات والفواتير».



قبل انتخابات 2000 كان إقصاء الحريري وعمليات المقاومة حديث أهل المنطقة (مروان بو حيدر ــ ارشيف)

حافظ أغلب رجال المنطقة على زعامتهم للأحياء بوفائهم للحريري. وكلمة «ادعوا له بطول العمر» التي يطلبونها من الناس بعد كل خدمة يؤدّونها، أمنت لهم المكانة التي تثبتّت بعلاقتهم مع آل العرب والبيك. دعوة طول العمر للرئيس الحريري التي خرجت من أفواه العجائز الذين تأمّن لهم الدواء، ومن أرباب العائلات الذين نالوا حسومات و«وصل قرطاسية» عند كل موسم دراسي كانت مرفقة دائماً بكلمة «سلم عليه وقلّوا الله يخلّيه فوق راسنا». «سلّم عليه» هي مفتاح السطوة اللطيفة التي بدّلت الطبائع الميليشيوية لأهل المنطقة التي اكتسبوها من أيام منظمة التحرير، مروراً بمرحلة إبراهيم قليلات، وحوّلتهم إلى رجال خير في حمى «دولته». اكتشف رجال المنطقة علم المقايضة بالفعل الخدماتي، وتحولوا الى مفاتيح انتخابية و«يا بخت يللي إلو» مكتب انتخابي في طريق الجديدة.

منذ 1996 لم تعد طريق الجديدة مسرحاً لمعارك الميليشيات «الغريبة» كما في الثمانينيات، ولا مركزاً للفصائل الفلسطينية. ولم تعد تعيش على روايات عبد الناصر من أفواه كبارها. رمت المنطقة خلفها ذكريات التصدي للاجتياح الإسرائيلي عام 1982. منذ 1996، لم يعد فيها سوى «الله... حريري... طريق الجديدة».

بعد غياب طويل، عاد أهل طريق الجديدة يتحدثون عن «زعيم سني». كان إبراهيم قليلات آخر من أجمعوا على قيادته. لكن مع الحريري تغير الوضع كلياً، رغم أن طلبات التوظيف والإعاشات الشهرية ووعود المشاريع الإنمائية التي هطلت مع رئيس الحكومة لا تقارن بحركة الجرافات في ساحة البرج، إلا أن أهل المنطقة لم يطمعوا بأكثر.

كان احتضان الحريري ورجاله لهم كافياً لمواجهة رجل كسليم الحص. «آدمي إيه... بس وين بنصرفها؟». كان هذا تعليقاً بسيطاً من التعليقات التي واكبت إعادة الحص الى سدة رئاسة الحكومة. وكان النزاع السياسي الأول للحريري مع رئيس الجمهورية الجديد إميل لحود فرصة لجس نبض ما استثمره في المنطقة.

كوّن أهل الطريق الجديدة سياستهم الخاصة بغياب مشروع حزبي وسياسي واضح للحريري. كانت عمليات المقاومة تستهوي معظمهم. «رجال... الله يقوّيهم!». غيض من فيض تعليقات الشبان الذين يتجمهرون حول التلفاز الذي شغّلوه على بطارية السيارة، بعد انقطاع التيار الكهربائي، إثر قصف الطائرات الإسرائيلية محطة الجمهور في حزيران 1999.

قبل عام من انتخابات 2000 النيابية، عاش أبناء المنطقة أولى حالات انفلاش «السياسة» في شوارعهم. إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة وتصاعد عمليات المقاومة في الجنوب كانا حديث أهل المنطقة التي لم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لحسم قناعاتها. رأت في الحريري رجل الدولة السني القادر على تجسيد مواقف أهلها تجاه ما يجري في الجنوب. بصمة الرجل على اتفاق نيسان 1996 عوّضت غيابهم الميداني عن الجهاد ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليصبح الحريري رجل «إعمار وتحرير» في نظرهم. وهذا ما لم يكن يدركه من وقفوا خلف الحملة على الحريري في تلفزيون لبنان الذي مثّل عاملاً استفزازياًَ كبيراً لأهل المنطقة خلال انتخابات عام 2000.

وفت المنطقة بعهدها للرجل، وخصوصاً أن المعركة التي خيضت ضده كانت في رأيهم ظلماً كبيراً. الدولة التي فتحت ذراعيها لاحتضان «الزعيم السني» في بداية التسعينيات، تذكرت، فجأة، أن تفتح ملفات «سوليدير» وغيرها، بعد صمت استمر 7 سنوات لم يخرقه إلا النائب نجاح واكيم.

تلك «المظلومية» خلّفت زحفاً شعبياً غير مسبوق إلى صناديق الانتخابات، أثمر إطاحة رئيس وزراء في حجم الحص من كل صناديق بيروت الانتخابية. لن تمحى من الذاكرة تلك الانتخابات التي كرست الحريري زعيماً أوحد. يومئذ دخل الرجل حيّ العرب محمولاً على الأكتاف. وما تشهده المنطقة اليوم من تحضيرات قبيل تظاهرات 14 شباط السنوية، هو غيض من فيض لما جرى للحريري في انتخابات 2000 حين همّ سكان المنطقة بأن يحملوا سيارته تكريماً له. نظراته أمام ثانوية الحرج إلى السيدات اللواتي كن يطلقن زغاريدهن وينثرن الأرزّ على أبي بهاء، كانت معبّرة للغاية. تلك المشاهد لم تعكس قوة الحريري وإعلامه وخدماته في المنطقة فحسب، بل عكست أيضاً شعور الناس بعودة قوة تأثيرهم على الحياة السياسية، منذ أن أقصوا عنها بعد انتهاء حالة «المرابطون» منتصف الثمانينيات.



مع الحريري دخل التسونامي الازرق البيوت (هيثم الموسوي ــ ارشيف)

لم تكن المنطقة مقفلة في وجه شخصيات أخرى، شرط أن تقلّد الحريري. فجأة تعرّف أهل المنطقة على شخص جديد: طه قليلات. الشاب المغامر اقتحم طريق الجديدة عبر شاحنات كانت تزرع المسافة بين بوابة «الجامعة العربية» وبنك البحر المتوسط في الملعب البلدي لتفرغ حمولتها من صناديق الإعاشة. لمع نجمه في المنطقة، فجأة، ومن دون مقدمات.

عشرات السيارات الفارهة والحديثة احتلت الأرصفة. جل من يقودها من شباب «الزعيم»، كما يحلو لأنصار قليلات تسميته. ذاك الشاب تمكّن، وبأسلوب مباشر، من إلحاق أذى كبير بشعبية الحريري في المنطقة. كل الأساليب التي استخدمت في الحشد الشعبي للحريري استخدمها قليلات دفعة واحدة: من الإعاشات حتى نادي الأولمبيك، والمساعدات العينية، الى توظيف عدد كبير من أبناء المنطقة في «بنك المدينة» ومؤسساته المستحدثة. شهدت الطريق الجديدة صراعاً حقيقياً بين «الزعيم» و«دولته»، سرعان ما حُسِم «فجأة» بإقصاء قليلات، قبل أن «تنفجر» لو تسنى للأخير خوض غمار الانتخابات النيابية.

مع قليلات، كان الصائم في شهر رمضان داخل المنطقة صائماً برتبة «درجة أولى». وإذا كان الحريري يفتح أبواب قريطم لحلقات الإفطار، فإن قليلات كان يرسل فانات شركاته لسكان المنطقة ليلاً لتصطحبهم إلى أرقى الناطحات مقابل البحر لإحياء سحور مجهّز من الـ«بان دور».

ما بين الإفطار والسحور، كان معظم أهل المنطقة يتسامرون مع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في الشوارع يحيون معها في كل يوم «مولداً». فهم حتى وإن لم يكونوا منتسبين الى الأحباش، يستحسنون أناشيد الجمعية التي كانت وسيلة لطيفة لجذب أكبر عدد من الشبان نحو الجمعية الدينية الأكثر انتشاراً في المنطقة حينذاك.

لم يطل الانقسام بين مؤيد لـ«الزعيم» ومؤيد لـ«دولته». إقصاء قليلات عبر فضيحة «بنك المدينة» لاحقاً تسبب بالضرر الكبير لتيار المستقبل، وخصوصاً أنه أتى في ذروة المعركة السياسية التي كان الحريري يخوضها. فجأة تراجع الدعم المالي والإنمائي للحريري، ومع إطاحة قليلات صار أهل الطريق الجديدة يرددون أن «دولته» لا يريد لهم أن يسترزقوا، وخاصة أن فضيحة «المدينة» دوّت قبل عام من الانتخابات النيابية عام 2005.

مع أفول نجم «الزعيم» الشاب، عمّ الإحباط منازل من كانوا يستفيدون منه، أو يمنّون أنفسهم بالاستفادة. توقفت «المشاريع الكبيرة» التي كان قليلات قد باشر بتنفيذها، وبينها مركز تجاري ضخم في حي الدامرجي كان العديد من الشبان قد حجزوا وظيفة لهم فيه. اختفت السيارات الفارهة وعاد مناصرو قليلات الذين كانوا يعملون في مشاريعه الى أعتاب السفارات بحثاً عن فيزا.

في السابع من أيار 2008 سيشهد أحد محاور المنطقة تظاهرة مسلحة من نحو 30 شاباً مستنفرين لحمايتها من اقتحام المعارضة. اللافت أن معظمهم كانوا من «مناصري» قليلات السابقين لا من رجال سعد الحريري. كانت المشكلة مع رفيق الحريري عند إقصاء قليلات أيضاً أن الأمن السوري متّهم بمشاركة الحريري الحملة على الشاب المغامر. في الوقت نفسه، بدأت تطفو على السطح مشكلة الحريري مع سوريا.

لم يكن الوجود السوري محبوباً في الطريق الجديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي. بعض أهلها لا ينسى اقتحام الجنود السوريين البيوت بحثاً عن الأسلحة. لكن المنطقة التي اعتادت الفراغ الحزبي منذ غياب «المرابطون»، استعانت عليه بالصبر، فلم يصطدم أبناؤها بالجيش السوري، إلا أنهم «انتفضوا» عليه سلمياً إبان تشييعهم المفتي حسن خالد، وذلك عبر بعض الهتافات، وكذلك عبر التضامن خلال «حرب التحرير» العونية، ولو همساً، مع الجنرال اللبناني على رغم القذائف التي انهمرت على أحياء المنطقة.

تعايشت الطريق الجديدة مع السوريين كغيرها من المناطق اللبنانية. استقوى بعض من أهلها على بعض بمقدار ارتباطه بضباط سوريين. وشهدت المنطقة مصاهرة حقيقية لضابطين كبيرين من الجيش السوري لعائلتين منها، إحداهما في حيّ الدامرجي، والأخرى عند حي التنك قرب قصقص. لكن الأغلبية كانت تسلّم أمرها على قاعدة «لا صوت يعلو فوق صوت المركز السوري».

تلك القاعدة تحللت تماماً مساء الرابع عشر من شباط 2005. فمن لم تهزّه قضية «تنكة الزيت» قبل ذلك بيوم، هزّته قوافل الدراجات النارية التي قذفت مركز حزب البعث قرب جسر الكولا بالحجارة والعصي. العيارات النارية التي دوّت أمام مركز البعث ستكون أول مظاهر التسونامي «الأزرق» بعدما أصبح رفيق الحريري شهيداً.


الأصل لا ما حصل


تعود أسماء شوارع الطريق الجديدة للعائلات الأولى التي سكنتها. وفي مفارقة غريبة، فإن حي صبرا الذي يعتبر الأفقر فيها، كان مشروعاً أرستقراطياً، وأول من سكنه هم آل صبرا، حيث شيّد رامز صبرا أول بيوتات هذا الشارع وكان أشبه بالقصر، فيما قطن عارف بك النعماني، صاحب الخيول في ميدان سباق الخيل، في الطبقة الثانية من مبنى صبرا. وسُمّي شارع حمد بذلك نسبة إلى آل حمد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرواس والألطي والدامرجي. وتُعدّ عائلات التمساح والسردوك ومكوك من العائلات الأولى التي اشتهرت في المنطقة. أما حي العرب، فقد اكتسب اسمه أيضا نسبة إلى آل العرب الذين كانوا يسكنون الكرنتينا، وهم من العرب الرحل، وكان أشهرهم عبد العزيز العرب الذي كان مرافقاً خاصاً لرياض الصلح، وقد كان أهالي المنطقة يلقون التحية على الشرطي عبد العزيز على طريقة البدو فيهتفون له: حيا العرب، قبل أن يشتهر الحي بهذا الاسم.أما حي الطمليس فقد اشتق اسمه بالتواتر من عائلة «لبّس» المسيحية التي عاشت فيه، وذلك حسب الرواية الأكثر شيوعاً لدى كهول طريق الجديدة حيث يروون أنه كان أشبه بمحطة لكل سكانه. هذا الحي تبدّلت وجوه أبنائه حسب الأحداث التي عصفت بالمنطقة، لكنه ما زال محافظاً على بعض البيوت القديمة والفقيرة، ولم تسعفه المباني الحديثة. ومع سيطرة تيار المستقبل عليه لم يتغير الوضع، إلا أنه اكتسب شهرة في الأعوام الماضية، لكون مناصري المستقبل استعملوه كـ«برج مراقبة» لمنطقة بربور، ومن هناك كانت تفسّر جهوزية جمهور المستقبل في المشاكل الفردية التي اندلعت بعد 2005.


حاميها حراميها


يتنهّد الكهل البيروتي خلف «أرجيلته» طويلاً ثم يتابع سرده للأحداث التي عصفت بالمنطقة إبان دخول الجيش السوري: «فاتوا على البيوت... ما راعوا حرمة حدن. أنا بذكر بالبناية يللي ورا المدينة الرياضية كيف كسر الجندي خزانة الأولاد مفكّر إنو فيها سلاح... السنة سنة 1991، دخل حرامي إلى شقة سكنية لمالكي بناية قديمة في المنطقة، واستنجد السكان بدورية سورية كانت تمر أسفل المبنى، استمر إطلاق الرصاص بينهم وبين السارق من الساعة 11 والنصف ليلاً حتى الرابعة فجر اليوم الثاني، إذ إنه كان قد لجأ الى غرفة يصعب دخولها إلا من ناحية واحدة، وكان مسلحاً بأكثر من مخزن رشاش، قبل أن يرشدهم أحد سكان المنطقة إلى السطح المشرف على تلك الغرفة، فباغتوه بطلقتين أصابتا رجله اليسرى. «لكن المفاجأة الكبرى أنه كان سورياً، وقد صرخ الضابط المسؤول عن الدورية به حين جرى اعتقاله: لك هاد إنت ولك حقير».

يكمل العجوز البيروتي حديثه بتنهيدة طويلة: «كان واحداً منهم!».

Script executed in 0.20046997070312